النساء · الآية 29

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا

«لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ»: مالُ الجَماعةِ يُؤكَلُ بِما لا يَثبُت

تُنادي الآيةُ الذينَ آمَنوا، والإيمانُ من أ-م-ن، أن يَصيرَ المَرءُ مَوضِعَ أمنٍ لِمَن حَولَه، ثُمَّ تَطلُبُ مِنهُم ما يَأمَنُ بِه النّاسُ بَعضُهُم بَعضاً: أن يَسلَمَ المالُ الذي بَينَهُم، وأن تَسلَمَ أنفُسُهُم. وجاءَ النَّهيُ الأوَّلُ بِفِعلِ الأكل، وهو الفِعلُ الذي نَهَت بِه السّورةُ من قَبلُ عن مالِ اليَتامى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾. والأكلُ من أ-ك-ل إدخالُ الشَّيءِ في الجَوفِ حتّى يَغيبَ فيه، فالمالُ المَأكولُ يَذهَبُ في حَوزةِ آكِلِه ولا يَعودُ إلى صاحِبِه.

وأُضيفَتِ الأموالُ إلى المُخاطَبينَ جَميعاً، «أموالَكُم»، والمَأكولُ مالُ الغَير، فالمالُ الذي يَدورُ «بَينَكُم» يُسَمّى مالَكُم كُلِّكُم، ومَن أكَلَ مِنه شَيئاً بِغَيرِ وَجهِه أكَلَ من مالِ جَماعةٍ هو واحِدٌ مِنها. و«بَينَكُم» تَضَعُ المالَ حَيثُ يَتَداوَلُه النّاس، يَنتَقِلُ من يَدٍ إلى يَد. والباطِلُ من ب-ط-ل، ما يَذهَبُ ضَياعاً فلا يَثبُتُ له أثَر، والباءُ في «بِالباطِل» لِلوَسيلة، فالمَنهيُّ عَنه أكلٌ يَجري بِوَسيلةٍ لا تَثبُت، يُؤخَذُ بِها المالُ ولا يَقومُ في مُقابِلِه شَيء.

«إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ»: بابٌ واحِدٌ يَصدُرُ عن رِضا الجانِبَين

ثُمَّ تَستَثني الآيةُ طَريقاً يَنتَقِلُ فيه المالُ بَينَهُم ولا يَكونُ أكلاً بِالباطِل: التِّجارة، من ت-ج-ر، وهي تَقليبُ المالِ بِالمُبادَلةِ طَلَباً لِلرِّبح، يَأخُذُ فيها كُلُّ طَرَفٍ شَيئاً ويُعطي شَيئاً. وقد جاءَ الاستِثناءُ نَفسُه في آيةِ الدَّين: إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾، فالتِّجارةُ في الآيَتَينِ مالٌ يُدارُ «بَينَكُم»، يَدورُ بَينَ الأيدي ويَرجِعُ على كُلِّ يَدٍ مِنها بِشَيء.

ووُصِفَت هذه التِّجارةُ بِأنَّها «عن تَراضٍ»، و«عن» لِلمُجاوَزةِ والصُّدور، فالتِّجارةُ تَخرُجُ من الرِّضا وتَقومُ عَلَيه. والتَّراضي من ر-ض-و، على التَّفاعُل، رِضاً يَقَعُ من الجانِبَينِ مَعاً ولا يَتِمُّ بِأحَدِهِما. وقد جاءَ بِهذه الهَيئةِ في فِطامِ الرَّضيع: عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾، وجاءَ في هذه السّورةِ في ما يَتَّفِقُ عَلَيه الطَّرَفانِ بَعدَ الفَريضة: فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ﴾. و«مِنكُم» تَرُدُّ الرِّضا إلى المُتَعامِلينَ أنفُسِهِم، فهو رِضاهُم هُم، يَصدُرُ من داخِلِهِم.

«وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ»: الأنفُسُ مُضافةٌ إلى الجَميعِ كما أُضيفَتِ الأموال

ثُمَّ جاءَ النَّهيُ الثّاني على هَيئةِ الأوَّل: فِعلٌ مَنهيٌّ عَنه، ثُمَّ ما يَقَعُ عَلَيه مُضافاً إلى المُخاطَبين، «أنفُسَكُم» هُنا كما كانَ «أموالَكُم» هُناك. والقَتلُ من ق-ت-ل، إزهاقُ الحَياةِ بِفِعلِ فاعِل. و«أنفُسَكُم» تَصدُقُ على نَفسِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُم، وتَصدُقُ على نُفوسِ بَعضِهِم في يَدِ بَعض، وقد جاءَتِ العِبارةُ في الكِتابِ لِقَومٍ يَقتُلُ بَعضُهُم بَعضاً: ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ﴾. فمَن قَتَلَ أخاه قَتَلَ نَفساً من أنفُسِ الجَماعة، ومَن أهلَكَ نَفسَه دَخَلَ في اللَّفظِ نَفسِه.

وبِهذه الإضافةِ تَجعَلُ الآيةُ المالَ والنَّفسَ شَيئاً مُشتَرَكاً بَينَ المُخاطَبين: ما يُؤكَلُ من مالِ أحَدِهِم يُنقَصُ من مالِهِم جَميعاً، وما يُزهَقُ من نَفسِ أحَدِهِم يُزهَقُ من أنفُسِهِم. ويَجتَمِعُ النَّهيانِ في آيةٍ واحِدة، فأكلُ المالِ بِالباطِلِ يَأخُذُ ما تَعيشُ بِه النَّفس، والقَتلُ يَأخُذُ النَّفسَ ذاتَها، والآخِذُ في الحالَينِ يَأخُذُ من جَماعَتِه التي هو مِنها.

«إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا»: رَحمةٌ لاصِقةٌ تَحفَظُ المالَ والنَّفس

وتُختَمُ الآيةُ بِالرَّحمة، من ر-ح-م، والرَّحيمُ مَن تَدومُ رِقَّتُه على مَن يَرحَمُه فيَحوطُه ويَحفَظُه. وتَعَدّى الوَصفُ بِالباءِ في «بِكُم»، والباءُ لِلإلصاق، فالرَّحمةُ مُتَّصِلةٌ بِالمُخاطَبينَ لاصِقةٌ بِهِم، و«كانَ» تُثبِتُها صِفةً قائمةً غَيرَ مُنقَطِعة. ومن هذه الرَّحمةِ جاءَ النَّهيان: أن يُحفَظَ على النّاسِ ما يَعيشونَ بِه، وأن تُحفَظَ عَلَيهِم حَياتُهُم. ولا تَرِدُ «بِكُم رَحيماً» في الكِتابِ إلّا هُنا وفي آيةٍ تَذكُرُ الفُلكَ تُزجى في البَحرِ لِيَبتَغيَ النّاسُ من فَضلِ الله: إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فالمَوضِعانِ كِلاهُما في طَلَبِ النّاسِ أرزاقَهُم وتَقليبِهِم أموالَهُم.


حَصيلة

تُنادي الآيةُ الذينَ آمَنوا وتَطلُبُ مِنهُم أن يَأمَنَ بَعضُهُم بَعضاً في شَيئَين: المالِ والنَّفس. فتَنهى عن أكلِ المالِ الدّائرِ بَينَهُم بِالباطِل، وهو ما يَذهَبُ ضَياعاً فلا يَثبُتُ له أثَر، وتُضيفُ المالَ إلَيهِم جَميعاً فيَصيرُ آكِلُ مالِ أخيه آكِلاً من مالِ جَماعَتِه، ثُمَّ تَفتَحُ لِانتِقالِ المالِ باباً واحِداً: تِجارةً تَصدُرُ عن تَراضٍ يَقَعُ من الجانِبَين. وتَنهى على الهَيئةِ نَفسِها عن قَتلِ «أنفُسِكُم»، فيَدخُلُ في اللَّفظِ قَتلُ المَرءِ نَفسَه وقَتلُ بَعضِهِم بَعضاً، لِأنَّ الأنفُسَ كالأموالِ مُضافةٌ إلى الجَميع. وتُختَمُ بِرَحمةٍ لاصِقةٍ بِالمُخاطَبين، ومنها جاءَ النَّهيانِ حِفظاً لِما يَعيشُ بِه النّاسُ ولِحَياتِهِم.