النساء · الآية 61

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا

«وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا»: دَعوةٌ بِلَفظِ الصُّعود

تُعطَفُ الآيةُ على ما قَبلَها بِـ«وإذا»، والضَّميرُ في «لَهُم» لِلَّذينَ يَزعُمونَ أنَّهُم آمَنوا ويُريدونَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغوت. و«قيلَ» مَبنيٌّ لِلمَجهول، فالمُعتَبَرُ فيه ما يُدعَونَ إلَيه، و«إذا» تَربِطُ ما بَعدَها بِوَقتِ الدَّعوة: مَتى قيلَ لَهُم ذلك كانَ مِنهُم ما تَصِفُه الآية. وكَلِمةُ الدَّعوةِ «تَعالَوا»، من ع-ل-و، جِذرِ العُلُوّ، فالنِّداءُ بِالمَجيءِ مَصوغٌ نِداءً بِالصُّعود: يُدعَونَ إلى أن يَرتَفِعوا إلى ما يُدعَونَ إلَيه.

«إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ»: ما نَزَلَ من عِندِ الله، ومَن أُرسِلَ بِه

ومَقصِدُ الصُّعودِ «ما أنزَلَ اللهُ»، من ن-ز-ل، والإنزالُ إيصالُ الشَّيءِ من عُلوٍّ إلى ما دونَه، فالآيةُ تَجمَعُ الحَرَكَتَينِ في نِداءٍ واحِد: كَلامٌ نَزَلَ من عِندِ الله، ودَعوةٌ إلى أن يُصعَدَ إلَيه. ثُمَّ عُطِفَ «وإلى الرَّسولِ» بِإعادةِ «إلى»، والرَّسولُ من ر-س-ل، مَن يُبعَثُ بِكَلامٍ يَصِلُ بِه من المُرسِلِ إلى المُرسَلِ إلَيهِم، فالدَّعوةُ إلى مَقصِدَين: إلى المُنزَلِ نَفسِه، وإلى مَن أُرسِلَ بِه.

والعِبارةُ تُقابِلُ ما في الآيةِ السّابِقة: هُناكَ «يُريدونَ أن يَتَحاكَموا إلى الطّاغوت»، وهُنا يُقالُ لَهُم «تَعالَوا إلى ما أنزَلَ اللهُ وإلى الرَّسول»، فتَقِفُ «إلى» في المَوضِعَينِ عِندَ وِجهَتَينِ مُختَلِفَتَين: وِجهةٍ يُريدونَها، ووِجهةٍ يُدعَونَ إلَيها.

«رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ»: الاسمُ يَظهَرُ عِندَ الانصِراف

وجَوابُ «إذا»: «رَأيتَ المُنافِقينَ يَصُدّونَ عَنكَ صُدوداً». وقد عُدِلَ فيه عن ضَميرِهِمُ الذي جَرى في «لَهُم» إلى اسمٍ ظاهِر: «المُنافِقين»، فالقَومُ الذينَ حُكِيَت دَعواهُم وإرادَتُهُم يُسَمَّونَ بِهذا الاسمِ في اللَّحظةِ التي يُدعَونَ فيها فيَنصَرِفون. والرُّؤيةُ في «رَأيتَ» تُجيبُ عن سُؤالِ الآيةِ السّابِقةِ «ألَم تَرَ»، فما دُعِيَ المُخاطَبُ إلى النَّظَرِ إلَيه صارَ مَرئيّاً.

والمُنافِقُ من ن-ف-ق، والنَّفَقُ سَرَبٌ في الأرضِ لَه مَدخَلٌ ومَخرَج، ومنه «النّافِقاءُ» بابٌ من جُحرِ اليَربوعِ يُخفيه، يَخرُجُ مِنه إذا طُلِبَ من البابِ الظّاهِر. فالمُنافِقُ مَن لَه مَدخَلٌ يُرى ومَخرَجٌ يُخفى، والآيةُ تُريهِ في الحالَينِ مَعاً: مَدخَلُه دَعوى الإيمانِ بِما أُنزِل، ومَخرَجُه صُدودٌ حينَ يُدعى إلى ما أُنزِلَ نَفسِه.

«يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا»: انصِرافٌ عن المُخاطَبِ نَفسِه

و«يَصُدّونَ» من ص-د-د، والصُّدودُ انصِرافٌ عن الشَّيءِ ومَيلٌ بِالوَجهِ عَنه، و«صُدوداً» مَصدَرُ الفِعلِ في مَعنى الانصِراف، فالآيةُ تَصِفُ انصِرافاً يَقومُ بِهِم، وقد جاءَ المَصدَرُ بَعدَ فِعلِه فأكَّدَه، فهو صُدودٌ تامّ. و«عَنكَ» تَجعَلُ وِجهةَ الصُّدودِ المُخاطَبَ نَفسَه، والدَّعوةُ كانَت «إلى الرَّسول»، فالآيةُ تَجمَعُ في مَوضِعٍ واحِدٍ الرَّسولَ الذي دُعوا إلَيه والمُخاطَبَ الذي يَنصَرِفونَ عَنه.


حَصيلة

تُكمِلُ الآيةُ صورةَ الذينَ يُريدونَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغوت: إذا دُعوا بِكَلِمةٍ من ع-ل-و إلى أن يَصعَدوا إلى ما أنزَلَ اللهُ، من ن-ز-ل، وإلى الرَّسولِ المُرسَلِ بِه، من ر-س-ل، انصَرَفوا. وعِندَ الانصِرافِ يُسَمَّونَ بِاسمِهِم «المُنافِقين»، من ن-ف-ق، أهلِ المَدخَلِ الظّاهِرِ والمَخرَجِ المَخفيّ، ويَصيرُ ما دُعِيَ المُخاطَبُ إلى النَّظَرِ إلَيه في «ألَم تَرَ» مَرئيّاً في «رَأيتَ». وصُدودُهُم، من ص-د-د، انصِرافٌ تامٌّ يَقومُ بِهِم، مُوَجَّهٌ «عَنكَ»، فالآيةُ تَجعَلُ المُخاطَبَ هو الرَّسولَ الذي دُعوا إلَيه، والمُنصَرَفَ عَنه في آنٍ واحِد.