النساء · الآية 82

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا

«أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ»: قِراءةٌ تَتبَعُ الكَلامَ إلى أعقابِه

تَفتَتِحُ الآيةُ بِسُؤال: هَمزةُ الاستِفهام، ثُمَّ فاءٌ تَصِلُ السُّؤالَ بِما قَبلَه، ثُمَّ «لا» تَنفي الفِعل: «أفلا يَتَدَبَّرون». والسُّؤالُ على هذا النَّحوِ يَحُثُّ على فِعلٍ مَتروكٍ ويَستَنكِرُ تَركَه. والكَلامُ قَبلَه عن قَومٍ يَقولونَ «طاعةٌ» وطائفةٍ مِنهُم تُبَيِّتُ غَيرَها، والفِعلُ «يَتَدَبَّرون» مُسنَدٌ إلى غائبين، فيَنتَقِلُ النَّظَرُ من قَولٍ يُقالُ في الحُضورِ وأمرٍ يُبرَمُ في اللَّيلِ إلى الكَلامِ الذي بَينَ أيديهِم: «القُرآن».

والتَّدَبُّرُ من د-ب-ر، والدُّبُرُ خَلفُ الشَّيءِ ومُؤَخَّرُه، وهو الجِذرُ الذي جاءَ في هذه السّورةِ في الآيةِ السّابِعةِ والأربَعين: فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا﴾، أي إلى الجِهةِ التي خَلفَها. وتَدَبَّرَ الأمرَ نَظَرَ في دُبُرِه، أي فيما يَأتي خَلفَه وما يَنتَهي إلَيه، فالمُتَدَبِّرُ يُجاوِزُ ما يَستَقبِلُه من الكَلامِ أوَّلَ مَرّة، ويَتبَعُه إلى أعقابِه، ويَصِلُ أوَّلَه بِآخِرِه. ووَزنُ «تَفَعَّلَ» فيه مُعاناةٌ وتَدَرُّج، كما في «تَفَهَّمَ» و«تَجَرَّعَ»، فالتَّدَبُّرُ فِعلٌ يَمضي فيه صاحِبُه شَيئاً بَعدَ شَيء.

ولِهذا البِناءِ في الكِتابِ أربَعةُ مَواضِع، يَقَعُ في كُلِّها على كَلام: «القُرآنَ» هُنا، وأَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، وأَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾، ولِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. والقُرآنُ من ق-ر-أ، وقَرَأَ الشَّيءَ جَمَعَه وضَمَّ بَعضَه إلى بَعض، ثُمَّ صارَ القُرآنُ اسماً لِلكَلامِ المَجموعِ الذي يُتلى. فالتَّدَبُّرُ يَقَعُ في الآيةِ على كَلامٍ مَجموعٍ أجزاؤه مَضمومٌ بَعضُها إلى بَعض، ومَن تَبِعَ مِثلَه إلى أعقابِه قَرَأَ كُلَّ جُزءٍ مِنه مَعَ ما يَليه ومَعَ ما بَعُدَ عَنه. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَحَ هُنا: فالتَّدَبُّرُ في لَفظِه تَتَبُّعٌ لِلشَّيءِ من خَلفِه، قَبلَ أن يَصيرَ اسماً لِضَربٍ من التَّأمُّل.

«وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ»: مَصدَرٌ يُفرَضُ لِيُعرَفَ أثَرُه

ثُمَّ تَفرِضُ الآيةُ فَرضاً بِـ«لو»: «ولو كانَ من عِندِ غَيرِ الله»، و«لو» تُعَلِّقُ جَوابَها بِشَرطٍ لم يَقَع، فتَذكُرُ ما كانَ سيَكونُ لو وَقَع. و«من عِندِ» تُسَمّي المَوضِعَ الذي يَصدُرُ عَنه الشَّيء، وقد جَرى هذا اللَّفظُ في الآيةِ الثّامِنةِ والسَّبعين: إن أصابَتهُم حَسَنةٌ قالوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾، وإن أصابَتهُم سَيِّئةٌ قالوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ﴾، فجاءَ الجَوابُ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾، ثُمَّ جاءَ في الحادِيةِ والثَّمانينَ «بَرَزوا من عِندِك». وهُنا يُسأَلُ عن الكِتابِ نَفسِه: من عِندِ مَن جاء، و«غَيرِ الله» تَعُمُّ كُلَّ مَصدَرٍ سِواه.

«لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا»: أجزاءٌ يَأخُذُ كُلٌّ مِنها غَيرَ طَريقِ صاحِبِه

وجَوابُ «لو» «لَوَجَدوا فيه اختِلافاً كَثيراً». والوُجودُ من و-ج-د، إصابةُ الشَّيءِ بَعدَ طَلَبِه، يُقالُ وَجَدَ الضّالّةَ إذا أصابَها بَعدَ أن بَحَثَ عَنها، فالوِجدانُ في الآيةِ ثَمَرةُ التَّدَبُّرِ الذي سُئِلوا عَنه في صَدرِها: مَن تَبِعَ الكَلامَ إلى أعقابِه وَجَدَ ما فيه. و«فيه» تَجعَلُ المَوجودَ داخِلَ الكَلامِ نَفسِه، يُعثَرُ عَلَيه بَينَ أجزائه.

والاختِلافُ من خ-ل-ف، والخَلفُ ما وَراءَ الشَّيء، واختَلَفَ الشَّيئانِ إذا أخَذَ كُلٌّ مِنهُما غَيرَ طَريقِ صاحِبِه، كأنَّ أحَدَهُما يَمضي إلى خَلفِ ما مَضى إلَيه الآخَر. وقد جاءَ هذا الاسمُ في الكِتابِ في سِتّةِ مَواضِعَ أُخرى، كُلُّها في الخَلق: اختِلافُ اللَّيلِ والنَّهارِ في خَمسة، واختِلافُ الألسِنةِ والألوانِ في واحِد، وهو فيها تَعاقُبٌ وتَنَوُّع. وهُنا يُوضَعُ في الكَلام: أجزاءُ كَلامٍ واحِدٍ يَذهَبُ كُلٌّ مِنها في غَيرِ وِجهةِ الآخَر. والوَصفُ «كَثيراً» مِقدارُ ما كانوا سيَجِدونَه على ذلك الفَرض.

وبَينَ الفِعلِ الذي سُئِلوا عَنه والشَّيءِ الذي كانوا سيَجِدونَه صِلةٌ في الجِذرَين: التَّدَبُّرُ من الدُّبُر، والاختِلافُ من الخَلف، وكِلاهُما يَنظُرُ إلى ما وَراءَ الشَّيء. فالقِراءةُ التي تَتبَعُ الكَلامَ من خَلفِه، جُزءاً بَعدَ جُزء، هي القِراءةُ التي تَعرِفُ هل يَمضي كُلُّ جُزءٍ في وِجهةِ ما قَبلَه أو يَأخُذُ طَريقاً غَيرَه، والآيةُ تَجعَلُ هذه القِراءةَ هي المَطلوبة.


حَصيلة

تَسأَلُ الآيةُ سُؤالَ حَثٍّ واستِنكار: «أفلا يَتَدَبَّرونَ القُرآن»، والتَّدَبُّرُ من د-ب-ر، تَتَبُّعُ الكَلامِ إلى أعقابِه ووَصلُ أوَّلِه بِآخِرِه، وهذا البِناءُ في الكِتابِ واقِعٌ على الكَلامِ في مَواضِعِه الأربَعة، وهو هُنا واقِعٌ على القُرآن، من ق-ر-أ، الكَلامِ المَجموعِ المَضمومِ بَعضُه إلى بَعض. ثُمَّ تَفرِضُ بِـ«لو» مَصدَراً غَيرَ الله، وتَجعَلُ أثَرَه ما يُوجَدُ، من و-ج-د، داخِلَ الكَلام: اختِلافاً كَثيراً، من خ-ل-ف، أجزاءً يَأخُذُ كُلٌّ مِنها غَيرَ طَريقِ صاحِبِه. والجِذرانِ يَلتَقِيانِ في النَّظَرِ إلى ما وَراءَ الشَّيء، فالقِراءةُ المَطلوبةُ هي التي تَتبَعُ الكَلامَ من خَلفِه حتّى تَعرِفَ أيَمضي على وِجهةٍ واحِدةٍ أم تَفتَرِقُ بِه الطُّرُق.