النساء · الآية 89

﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا

«وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا»: أُمنيّةٌ تُقاسُ على أصحابِها

تَصِلُ الآيةُ الكَلامَ بِالقَومِ الذينَ ذُكِروا في الآيةِ السّابِقة، فالضَّميرُ في «وَدّوا» يَعودُ على المُنافِقينَ الذينَ انقَسَمَ فيهِمُ المُخاطَبونَ وأُركِسوا بِما كَسَبوا، ولم يُذكَرْ بَينَ الآيَتَينِ قَومٌ غَيرُهُم. والوُدُّ من و-د-د تَعَلُّقٌ يَنعَقِدُ على مَحبوبِه ويَلزَمُه، و«وَدَّ لَو» تَمَنٍّ مَعقودٌ على أمرٍ لم يَقَع. والمُتَمَنّى «لَو تَكفُرونَ كَما كَفَروا»، والكُفرُ من ك-ف-ر سَترٌ يُلقى على ما ظَهَرَ فيُغلِقُ مَنفَذَه ويَدومُ عَلَيه، فأُمنيَّتُهُم أن يُلقيَ المُخاطَبونَ على ما عِندَهُم غِطاءً كالذي ألقَوه هُم، و«كَما» تَجعَلُ كُفرَهُم مِقياساً يُرادُ أن يُقاسَ عَلَيه غَيرُهُم.

ثُمَّ «فتَكونونَ سَواءً»، والفِعلُ «فتَكونون» ثابِتُ النّون، فهو مَعطوفٌ على «تَكفُرون» داخِلٌ في الأُمنيّةِ نَفسِها، فالتَّساوي مَقصودٌ لَهُم كما يُقصَدُ الكُفر. والسَّواءُ من س-و-ي، أشياءُ تُقَدَّرُ على قَدرٍ واحِدٍ حتّى لا يَفضُلَ مِنها شَيءٌ شَيئاً، فهُم يُريدونَ أن يَزولَ ما يَتَمَيَّزُ بِه المُخاطَبونَ عَنهُم. وفي الآيةِ الثّانيةِ والأربَعينَ تَمَنٍّ من الجِذرِ نَفسِه يُنسَبُ إلى الذينَ كَفَروا يَومَئِذ: يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ﴾، فهُناكَ «يَوَدُّ ... لَو» مَعَ تَسويةٍ يَتَمَنَّونَها لِأنفُسِهِم بِالأرض، وهُنا «وَدّوا لَو» مَعَ تَسويةٍ يَتَمَنَّونَها لِغَيرِهِم بِهِم.

«فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ»: قُربٌ مَعقودٌ بِخُروج

ثُمَّ يُبنى على هذه الأُمنيّةِ نَهيٌ بِالفاء: «فلا تَتَّخِذوا مِنهُم أولياء». والاتِّخاذُ من أ-خ-ذ، على «افتَعَلَ»، أخذُ الشَّيءِ لِلنَّفسِ وجَعلُه لَها، والأولياءُ جَمعُ وَليّ، من و-ل-ي، والوَليُّ مَن يَلي غَيرَه فيَكونُ إلى جانِبِه ويَقومُ بِأمرِه. فالمَنهيُّ عَنه أن يَأخُذَ المُخاطَبونَ من هؤلاءِ مَن يَلي أمرَهُم ويَكونُ إلى جانِبِهِم.

و«حتّى يُهاجِروا في سَبيلِ الله» غايةٌ يَنتَهي عِندَها النَّهي. والهِجرةُ من ه-ج-ر، إخلاءُ المَوضِعِ والخُروجُ مِنه إلى غَيرِه، و«في سَبيلِ الله» تُعَيِّنُ الطَّريقَ الذي يَكونُ فيه هذا الخُروج. وبِهذه الغايةِ تَتَبَيَّنُ صِفةُ القَومِ في الآية: هُم في مَوضِعٍ لم يَخرُجوا مِنه بَعد، والقُربُ مِنهُم مَعقودٌ بِأن يَخرُجوا. ولا تَرِدُ هذه الغايةُ «حتّى يُهاجِروا» في الكِتابِ إلّا هُنا وفي سورةِ الأنفال: مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا﴾، وفي المَوضِعَينِ تُعَلَّقُ الوَلايةُ بِالهِجرة.

«فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ»: جِذرانِ يَنقَلِبانِ في الآيةِ نَفسِها

ثُمَّ يَأتي الشَّرط: «فإن تَوَلَّوا». والتَّوَلّي من الجِذرِ الذي جاءَ مِنه «أولياء»، و-ل-ي، فالوَليُّ مَن يَلي صاحِبَه بِوَجهِه ونُصرَتِه، و«تَوَلّى» جَعَلَ ظَهرَه هو الذي يَلي، فانصَرَفَ مُدبِراً. فالآيةُ تُديرُ الجِذرَ على وَجهَين: قُربٌ يُعقَدُ بِالهِجرة، وإدبارٌ يَكونُ مِنهُم إن أعرَضوا. والتَّوَلّي في الآيةِ مَذكورٌ بِلا مُتَعَلَّق، وأقرَبُ مَذكورٍ إلَيه الهِجرةُ التي جُعِلَت غايةَ النَّهي.

وجَوابُ الشَّرط: «فخُذوهُم واقتُلوهُم حَيثُ وَجَدتُموهُم». والأخذُ من أ-خ-ذ، وهو الجِذرُ الذي جاءَ مِنه «تَتَّخِذوا»، فالمُخاطَبونَ نُهوا أن يَأخُذوهُم أولياء، وأُمِروا إن تَوَلَّوا أن يَأخُذوهُم في قَبضَتِهِم. والقَتلُ من ق-ت-ل، قَطعٌ تامٌّ يَفصِلُ الحَيَّ عمّا تَعَلَّقَ بِه من حَياتِه. و«حَيثُ وَجَدتُموهُم» تُطلِقُ المَكانَ إطلاقاً. والأمرُ كُلُّه مَشروطٌ بِـ«فإن تَوَلَّوا»، ثُمَّ تَستَثني الآيةُ التّالِيةُ صِنفَين، من هذا الأمرِ أو من النَّهيِ الذي يَليه، وتَترُكُ ذلك مَفتوحاً: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾، ومَن جاؤوا وقد حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾.

«وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا»: نَهيٌ يَعودُ مُفرَداً

وتُختَمُ الآيةُ بِإعادةِ النَّهيِ الأوَّل، وقد صارَ الجَمعُ «أولياءَ» مُفرَداً «وَليّاً»، وأُضيفَ إلَيه «ولا نَصيراً». والنَّصيرُ من ن-ص-ر، مَن يَقومُ ثابِتاً مَعَ غَيرِه في وَجهِ مَن يُواجِهُه، فالنَّهيُ في الخِتامِ يَبلُغُ الواحِد: لا يُتَّخَذُ مِنهُم واحِدٌ يَلي أمرَ المُخاطَبين، ولا واحِدٌ يَقِفُ مَعَهُم. وقد اجتَمَعَ الاسمانِ في هذه السّورةِ في غَيرِ مَوضِع، مِنها الآيةُ الخامِسةُ والأربَعون: وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾، فالوَليُّ والنَّصيرُ اللَّذانِ يُكتَفى بِهِما هُناكَ هُما اللَّذانِ لا يُطلَبانِ هُنا من هؤلاء.


حَصيلة

تَصِلُ الآيةُ الكَلامَ بِمَن ذُكِروا قَبلَها، فتَكشِفُ أُمنيَّتَهُم: وُدٌّ، من و-د-د، مَعقودٌ على أن يَكفُرَ المُخاطَبون، من ك-ف-ر، كما كَفَروا، فيَصيروا سَواءً، من س-و-ي، والتَّساوي داخِلٌ في الأُمنيّةِ نَفسِها، في صَدىً لِتَمَنٍّ من الجِذرِ نَفسِه في الآيةِ الثّانيةِ والأربَعين. ثُمَّ تَنهى عن اتِّخاذِ أولياءَ مِنهُم حتّى يُهاجِروا، من ه-ج-ر، في سَبيلِ الله، وتُديرُ جِذرَينِ على وَجهَين: و-ل-ي قُربٌ يُعقَدُ بِالهِجرةِ أو إدبارٌ مِنهُم، وأ-خ-ذ أخذُهُم أولياءَ أو أخذُهُم في القَبضة. والأمرُ بِالأخذِ والقَتلِ مَشروطٌ بِالتَّوَلّي، وتَستَثني الآيةُ التّالِيةُ صِنفَين، مِنه أو من النَّهيِ الذي يَليه، ويُختَمُ الكَلامُ بِنَهيٍ يَعودُ مُفرَداً: لا وَليَّ مِنهُم ولا نَصير.