الإسراء · الآية 70

﴿۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا

«وَلَقَدْ كَرَّمْنَا»: كَلِمةٌ نَطَقَ بِها المُعتَرِضُ أوَّلاً

وهذا الجَذرُ لم يُفتَحْ بِه البابُ هُنا، فقد سَبَقَ في السّورةِ على لِسانِ إبليسَ في مَعرِضِ الاعتِراض: كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾، ثُمَّ يُعادُ اللَّفظُ نَفسُه مُقَرَّراً بَعدَ ثَماني آياتٍ مِنَ المَوضِعِ الأوَّل.

فالنِّعمةُ سُمِّيَت بِاسمِها أوَّلَ ما سُمِّيَت في فَمِ مَن ساءَتهُ، ثُمَّ أُثبِتَت، والمُقِرُّ لا يَحتاجُ إلى أن يَصِفَ نِعمَتَه إذا كانَ خَصمُها قد وَصَفَها.

و«لَقَدْ» لامٌ وقَدْ، وفيهِما تَوكيدٌ مَعَ تَحقيق. و ك-ر-م ما صِينَ في مَكمَنِه بِلَمسةٍ خَفيفةٍ ثُمَّ خَرَجَ مُستَرسِلاً، فالكَرامةُ صَونٌ يَتلوهُ بَذل. والصّيغةُ على فَعَّلَ، ففيها إيقاعُ التَّكريمِ وإحداثُه، ولا تَقِفُ عِندَ وَصفٍ يُنسَبُ إلَيهِم.

«بَنِي آدَمَ»: نِسبةٌ إلى أصلٍ لا إلى صِفة

وعُدِلَ عن «المُكرَمون»، وعن وَصفِهِم بِعَمَلٍ يَستَحِقّون، إلى «بَنِي آدَمَ»، نِسبةً إلى مَن خَرَجوا منه.

والنِّسبةُ إلى أصلٍ تَشمَلُ كُلَّ خارِجٍ منه، فلا يُستَثنى فَرعٌ ولا يُشتَرَطُ في الفَرعِ شَرط، والتَّكريمُ لاحِقٌ بِالنَّسَبِ لا بِالكَسب. ومُؤَدّى هذا أنَّ العَطاءَ سَبَقَ كُلَّ فَرع، ولَيسَ فيه أنَّ كُلَّ فَرعٍ يَبقى على ما وُهِبَ له.

أربَعةُ أفعالٍ في نَسَقٍ واحِد

وعُدَّت أربَعة: كَرَّمنا، حَمَلناهُم، رَزَقناهُم، فَضَّلناهُم، والأوَّلُ والأخيرُ على فَعَّلَ، والأوسَطانِ على فَعَلَ، فالمُشَدَّدانِ يُحيطانِ بِالمُخَفَّفَينِ إحاطةَ الطَّرَفِ بِالوَسَط.

و«حَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» من ح-م-ل، وهو إمساكُ الشَّيءِ في احتِواءٍ ثُمَّ نَقلُه مَمدوداً إلى غاية. وجاءَ الحَرفُ «في» دونَ «على»، فهُم مَحمولونَ داخِلَ الظَّرفَينِ لا فَوقَ سَطحَيهِما. والبَرُّ والبَحرُ هُما المَوضِعانِ اللَّذانِ دارَت عَلَيهِما الآياتُ الثَّلاثُ قَبلَها، غَيرَ أنَّ التَّرتيبَ انقَلَب: فهُناكَ خَرَجَ الكَلامُ مِنَ البَحرِ ومَرَّ بِالبَرّ، وهُنا قُدِّمَ البَرُّ وأُخِّرَ البَحر، وكانَ الفِعلُ هُناكَ نَجاةً من غَرَق، وهو هُنا حَملٌ في الحالَين.

و«رَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ»، و«مِن» فيه لِلتَّبعيضِ لا لِلاستِغراق، أي مِنها لا كُلُّها. و ر-ز-ق جَريانٌ مُتَوالٍ يُقطَعُ عِندَ حَدٍّ مَضبوط، فالعَطاءُ مَجرىً لا كَومة. و ط-ي-ب انبِساطٌ يَسري بِلينٍ ويَنفَتِحُ خارِجاً فيَحسُنُ وَقعُه، فالمَوصوفُ بِالطِّيبِ ما يَقَعُ على غَيرِه فيَحسُنُ وَقعُه ولا يُؤذي مَوقِعَه.

«عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا»: كَثيرٌ، والكَلِمةُ لَيسَت «كُلّ»

ويُقرَأُ الحَرفُ هُنا كما هو، فقد أوثِرَ «عَلَىٰ كَثِيرٍ» على «على كُلِّ مَن خَلَقنا» وعلى «على العالَمين».

و ك-ث-ر تَكاثُفٌ يَتَوالى في أجزاءٍ ويَتَزايَد، وهو عَدَدٌ يَقَعُ تَحتَ الكُلِّ ولا يَبلُغُه. والفَرقُ بَينَ اللَّفظَينِ فَرقُ بابٍ يُغلَقُ وبابٍ يُترَكُ مَفتوحاً، ولَيسَ فَرقَ مِقدارٍ وَحدَه: فمَن قالَ «كُلّ» أنهى المَسألة، ومَن قالَ «كَثير» أبقى في المَخلوقاتِ ما لم يُتَكَلَّمْ فيه.

ثُمَّ «مِّمَّنْ خَلَقْنَا»، والتَّفضيلُ واقِعٌ في دائِرةِ الخَلقِ كُلِّها، والمُفَضَّلُ عَلَيه مَوصوفٌ بِأنَّه مَخلوقٌ لا بِأنَّه أدنى، فالكَلامُ في تَرتيبِ العَطاءِ داخِلَ الخَلق، لا في تَقسيمِ الخَلقِ إلى شَريفٍ ووَضيع.

«تَفْضِيلًا»: مَصدَرٌ يُؤَكِّدُ فِعلَه

وخُتِمَتِ الآيةُ بِمَصدَرٍ من لَفظِ الفِعلِ قَبلَه، وهو في العَرَبِيّةِ تَوكيدٌ لِنَفسِ الحَدَث، أي أن يَقَعَ الفِعلُ حَقيقةً لا مَجازاً، وأن يَقَعَ على وَجهِه لا على شَبَهٍ منه.

و ف-ض-ل فَرزٌ يُبعِدُ ما زادَ ويُعَلِّقُه بِصاحِبِه فيَحوزُه، ومنه «الفَضْلة» لِلبَقِيّةِ تَبقى في اليَد، فالتَّفضيلُ زِيادةٌ تُفرَزُ وتُوضَعُ في يَدِ مَن فُضِّل، ومَن كانَت في يَدِه زِيادةٌ فقد وُضِعَ عِندَه ما يُسأَلُ عنه.

والأفعالُ الأربَعةُ كُلُّها مُسنَدةٌ إلى ضَميرِ المُتَكَلِّم: نَحنُ فَعَلنا، ولَيسَ في الآيةِ فِعلٌ واحِدٌ مُسنَدٌ إلى بَني آدَم، وجاءَ الإنسانُ في هذا المَوضِعِ مَفعولاً في أربَعِ جُمَلٍ مُتَوالِيات.


حَصيلة

يُفتَحُ التَّقريرُ بِلَفظٍ سَبَقَ في السّورةِ في فَمِ إبليسَ مُعتَرِضاً، ثُمَّ يُثبَتُ الآنَ بَعدَ ثَمانِ آياتٍ بِلامِ التَّوكيدِ وقَد. والمُكرَّمُ مَنسوبٌ إلى أصلِه لا مَوصوفٌ بِعَمَلِه، فالعَطاءُ سابِقٌ على كُلِّ فَرع. ثُمَّ تُعَدُّ أربَعةُ أفعالٍ يُحيطُ مُشَدَّداها بِمُخَفَّفَيها: صَونٌ يَتلوهُ بَذل، وحَملٌ داخِلَ البَرِّ والبَحرِ لا فَوقَهُما، وقدِ انقَلَبَ تَرتيبُهُما عَمّا كانَ في الآياتِ قَبلَها، ورِزقٌ يَجري بِمِقدارٍ من الطَّيِّباتِ بِـ«مِن» المُبَعِّضة، وتَفضيلٌ يُختَمُ بِمَصدَرِه تَوكيداً. والمُفَضَّلُ عَلَيه «كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا»، والكَلِمةُ غَيرُ «كُلّ»، ومَن قَرَأَها كُلّاً فقد أغلَقَ باباً تَرَكَتهُ الآيةُ مَفتوحاً. والأفعالُ الأربَعةُ كُلُّها لِمُتَكَلِّمٍ واحِد، فبَنو آدَمَ في هذه الآيةِ مَفعولونَ أربَعَ مَرّات، ولا فِعلَ لَهُم فيها.