النساء · الآية 18

﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

«وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ»: مُقابَلةٌ تُعيدُ ألفاظَ الآيةِ السّابِقة

تَعطِفُ الآيةُ على سابِقَتِها وتَبني على ألفاظِها نَفسِها: «التَّوبة»، و«لِلَّذينَ يَعمَلون»، ثُمَّ تُغَيِّرُ ما بَعدَها. فالنَّفيُ بِـ«لَيسَت» يُقابِلُ القَصرَ بِـ«إنَّما»، والآيَتانِ مَعاً تَرسُمانِ حَدَّ التَّوبةِ من طَرَفَيه: لِمَن تَكون، ولِمَن لا تَكون. وأوَّلُ ما تَغَيَّرَ ما وَقَعَ عَلَيه العَمَل: كانَ «السُّوءَ» مُفرَداً، فصارَ «السَّيِّئاتِ» جَمعاً، والجِذرُ واحِد، س-و-أ. فالسُّوءُ هُناكَ اسمٌ لِجِنسِ ما يَسوءُ يُرجَعُ عَنه من قَريب، والسَّيِّئاتُ هُنا أفعالٌ مَعدودةٌ تَتَتابَعُ وتَتَراكَم، والفِعلُ «يَعمَلونَ» تَمُدُّه «حَتّى» إلى حُضورِ المَوت. وقد خَلَت هذه الآيةُ من قَيدِ «بِجَهالةٍ» الذي وُصِفَ بِه عَمَلُ أولئك، فالعَمَلُ هُنا مَوصوفٌ بِكَثرَتِه وامتِدادِه.

«حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ»: حُضورٌ يُنهي المُهلة

و«حَتّى» تَجعَلُ لِهذا العَمَلِ المُتَتابِعِ غايةً يَنتَهي إلَيها، و«إذا» تُعَيِّنُ لَحظَتَها: «إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوت». والحُضورُ من ح-ض-ر، وهو كَونُ الشَّيءِ في المَوضِعِ حاضِراً مَشهوداً بَعدَ أن كانَ غائِباً، ومنه «الحاضِر» خِلافُ الغائِب، و«المَحضَر» مَوضِعُ الحُضور. فالمَوتُ الذي كانَ غائِباً عن حِسابِ صاحِبِه طَوالَ عَمَلِه صارَ حاضِراً عِندَه، واقِفاً مِنه مَوقِفَ المَشهود. والعَمَلُ كانَ لِجَماعة: «يَعمَلون»، والمَوتُ حَضَرَ واحِداً: «أحَدَهُم»، فكُلُّ واحِدٍ من أولئك يَلقى مَوتَه مُنفَرِداً، ويَقولُ كَلِمَتَه مُنفَرِداً.

وقد جاءَ المَوتُ في آيةِ الإمساكِ فاعِلاً يَستَوفي: «حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوتُ»، وهو هُنا فاعِلٌ يَحضُر، و«حَتّى» في المَوضِعَينِ تَجعَلُه حَدّاً يَنتَهي عِندَه ما قَبلَه: هُناكَ يَنتَهي بِه الإمساك، وهُنا تَنتَهي بِه المُهلةُ التي كانَ يُرجى فيها الرُّجوع. فالمَقطَعُ يَضَعُ المَوتَ في مَوضِعِ الحَدِّ الذي يُغلِقُ ما قَبلَه، ويَجعَلُ ما يُفعَلُ قَبلَه هو ما يُحسَب.

«قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ»: رُجوعٌ لا يَملِكُ إلّا ساعَتَه

ثُمَّ يَأتي قَولُه: «إنّي تُبتُ الآن». والكَلِمةُ مُؤَكَّدةٌ بِـ«إنَّ»، والفِعلُ «تُبتُ» ماضٍ يَدَّعي رُجوعاً قد تَمّ، و«الآنَ» اسمٌ لِلزَّمَنِ الحاضِرِ وَحدَه. فالتَّوبةُ في هذا القَولِ تُوضَعُ في لَحظةٍ لا زَمَنَ بَعدَها، والرُّجوعُ الذي كانَ في الآيةِ السّابِقةِ «مِن قَريبٍ» من الفِعلِ صارَ هُنا قَريباً من المَوتِ بَعيداً عن الفِعل. وفي آيةِ الاثنَينِ قُرِنَت التَّوبةُ بِالإصلاح: «تابا وأصلَحا»، والإصلاحُ عَمَلٌ يَحتاجُ زَمَناً يَجري فيه، وقائلُ «الآنَ» يَقولُها في ساعةٍ لم يَبقَ بَعدَها ما يُصلَحُ فيه شَيء.

والقَولُ مَحكيٌّ بِلَفظِ صاحِبِه، فالآيةُ تُسمِعُ السّامِعَ الكَلِمةَ كما قالَها قائلُها. و«الآنَ» تُؤَرِّخُ الرُّجوعَ بِساعَتِه، فيَكونُ ما قَبلَها زَمَناً مَضى بِغَيرِ رُجوع، والكَلِمةُ التي يُطلَبُ بِها النَّجاةُ تَشهَدُ على صاحِبِها أنَّه أمضى ما قَبلَها في السَّيِّئات.

«وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ»: مَوتٌ على السَّتر

ثُمَّ يُعطَفُ فَريقٌ ثانٍ على الأوَّل: «ولا الَّذينَ يَموتونَ وهُم كُفّار». والواوُ في «وهُم» تَصِفُ الهَيئةَ التي يَقَعُ فيها المَوت، فالحُكمُ مُعَلَّقٌ بِها: يَموتونَ وهُم على كُفرِهِم. والكُفّارُ جَمعُ كافِر، من ك-ف-ر، وأصلُه التَّغطيةُ والسَّتر، ومنه «الكافِر» لِلزّارِعِ يُغَطّي البَذرَ بِالتُّراب، و«كَفَرَ الشَّيءَ» غَطّاه. فالكافِرُ مَن يَستُرُ ما ظَهَرَ لَه، والآيةُ تَصِفُ هؤلاءِ بِالسَّترِ قائماً فيهِم ساعةَ المَوت. والفَريقانِ يَلتَقِيانِ عِندَ المَوت: الأوَّلُ أخَّرَ الرُّجوعَ حتّى حَضَرَه، والثّاني لم يَرجِعْ حتّى ماتَ على سَترِه.

«أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا»: عَذابٌ مُهَيَّأٌ من قَبل

والإشارةُ «أولئكَ» تَتَّسِعُ لِلفَريقَين، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ الكَلامُ إلى المُتَكَلِّم: «أعتَدنا». والفِعلُ من ع-ت-د، والعَتادُ ما يُهَيَّأُ ويُعَدُّ قَبلَ الحاجةِ إلَيه، و«العَتيد» الحاضِرُ المُهَيَّأ، كما في رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. فالعَذابُ في الآيةِ مُهَيَّأٌ من قَبل، والفِعلُ ماضٍ يَجعَلُ إعدادَه أمراً قد تَمّ. و«أليماً» من أ-ل-م، الوَجَعُ الذي يَنالُ الحِسّ، فالعَذابُ مُسَمًّى بِأثَرِه فيمَن يَقَعُ عَلَيه. وتَتَقابَلُ الآيَتانِ بِالإشارةِ نَفسِها: «فأولئكَ يَتوبُ اللهُ عَلَيهِم» هُناك، و«أولئكَ أعتَدنا لَهُم عَذاباً أليماً» هُنا، والفارِقُ بَينَ الفَريقَينِ مَوضِعُ الرُّجوعِ من الزَّمَن.


حَصيلة

تُقابِلُ الآيةُ سابِقَتَها بِألفاظِها: «لَيسَت» في مُقابِلِ «إنَّما»، و«السَّيِّئات» جَمعاً في مُقابِلِ «السُّوء» مُفرَداً، من س-و-أ، أفعالاً تَتَتابَعُ وتَتَراكَمُ «حَتّى» يَحضُرَ المَوت. والحُضورُ من ح-ض-ر كَونُ الغائِبِ مَشهوداً، فالمَوتُ الغائِبُ عن حِسابِ صاحِبِه صارَ حاضِراً عِندَه وَحدَه، «أحَدَهُم». وحينَئذٍ يَقولُ: «إنّي تُبتُ الآن»، فيَضَعُ رُجوعَه في ساعةٍ لا زَمَنَ بَعدَها لِلإصلاحِ الذي قُرِنَ بِالتَّوبةِ في آيةِ الاثنَين، وتَشهَدُ «الآنَ» على أنَّ ما قَبلَها مَضى بِغَيرِ رُجوع. ويُعطَفُ عَلَيهِم مَن يَموتونَ على الكُفر، من ك-ف-ر، سَترٌ قائمٌ فيهِم ساعةَ المَوت، وتَتَّسِعُ «أولئكَ» لِلفَريقَينِ أمامَ عَذابٍ أُعِدَّ من قَبل، من ع-ت-د، مُسَمًّى بِأثَرِه «أليماً». فالتَّوبةُ في الآيَتَينِ تُقاسُ بِمَوضِعِها من الزَّمَن: قَريبةً من الفِعلِ يَلقاها رُجوعُ الله، ومُؤَخَّرةً إلى حُضورِ المَوتِ ليسَت لِصاحِبِها.