النساء · الآية 17

﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

«إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ»: رُجوعٌ يُقصَرُ على قَومٍ مَوصوفين

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«إنَّما»، وهي أداةٌ تَقصُرُ ما بَعدَها على حَدٍّ مَعلوم، فالتَّوبةُ التي تُذكَرُ هُنا مَقصورةٌ على قَومٍ يُوصَفونَ بَعدَها. وقد خُتِمَت الآيةُ السّابِقةُ بِـ«تَوّاباً رَحيماً»، فجاءَت هذه تُبَيِّنُ لِمَن يَكونُ هذا الرُّجوع، والجِذرُ ت-و-ب يَمتَدُّ في الآيَتَين: «تابا»، ثُمَّ «تَوّاباً»، ثُمَّ «التَّوبة»، ثُمَّ «يَتوبون» و«يَتوبُ اللهُ عَلَيهِم». و«عَلى اللهِ» تَضَعُ هذه التَّوبةَ في جِهةِ اللهِ أمراً ثابِتاً عِندَه، و«عَلى» تَدُلُّ على ما يَلزَمُ ويَستَقِرّ، والآيةُ تُصَرِّحُ في وَسَطِها بِما يَكونُ مِنه تَعالى: «فأولئكَ يَتوبُ اللهُ عَلَيهِم».

والتَّوبةُ في الآيةِ فِعلانِ من جِذرٍ واحِد: «يَتوبونَ» لِلعِباد، و«يَتوبُ اللهُ عَلَيهِم» لِله، وقد جاءَ فِعلُ اللهِ مَوصولاً بِـ«عَلى»، وجاءَ فِعلُهُم مُطلَقاً. فالعَبدُ يَرجِعُ عمّا كانَ فيه، واللهُ يَرجِعُ عَلَيه، أي يُقبِلُ عَلَيه بَعدَ رُجوعِه. و«عَلى» في صَدرِ الآيةِ تَضَعُ التَّوبةَ عِندَ الله، و«عَلى» في وَسَطِها تُنزِلُها على العِباد، فالحَرفُ الواحِدُ يَصِلُ الطَّرَفَينِ في رُجوعٍ واحِد.

«يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ»: فِعلٌ يَصدُرُ عن خِفّة

والمَوصوفونَ «الَّذينَ يَعمَلونَ السُّوءَ بِجَهالة». والسُّوءُ من س-و-أ، اسمٌ لِما يَسوءُ ويَضُرُّ ويُحزِن، يَقَعُ على الفِعلِ القَبيحِ وعلى أثَرِه فيمَن يُصيبُه، وهو هُنا مُفرَدٌ مُعَرَّف. و«بِجَهالةٍ» تَصِفُ الهَيئةَ التي صَدَرَ فيها الفِعل، والباءُ فيها لِلمُصاحَبة: عَمِلوه وهُم في جَهالة. والجَهالةُ من ج-ه-ل، والجَهلُ في كَلامِ العَرَبِ يُقابِلُ العِلمَ ويُقابِلُ الحِلمَ مَعاً، فهو خُلُوُّ النَّفسِ مِمّا يَنبَغي أن تَعلَمَه، وهو كذلك خِفّةٌ واندِفاعٌ يَخرُجُ بِالمَرءِ عن أناتِه، ومنه قَولُهُم «جَهِلَ عَلَيه» إذا سَفِهَ عَلَيه وتَعَدّى.

والآيةُ نَفسُها تُعينُ على الوَجهِ الأقرَبِ في «جَهالة»، إذ خَتَمَت بِـ«عَليماً حَكيماً»، فوَضَعَت في آخِرِها صِفَتَينِ تُقابِلانِ وَجهَيِ الجَهل: العِلمُ في مُقابِلِ الخُلُوّ، والحِكمةُ في مُقابِلِ الخِفّة. والذي يَعمَلُ «السُّوءَ» يَعمَلُ ما سَمّاهُ الكِتابُ سوءاً، فالأقرَبُ في الجَهالةِ هُنا الخِفّةُ التي تَغلِبُ صاحِبَها في ساعَتِها، وهي أدنى إلى الاندِفاعِ مِنها إلى غِيابِ العِلمِ بِالحُكم. وفي غَيرِ هذا المَوضِعِ يَرِدُ التَّركيبُ نَفسُه مَوصولاً بِالإصلاح، ومنه: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾، وهو الإصلاحُ الذي قُرِنَ بِالتَّوبةِ في آيةِ الاثنَين.

«ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ»: رُجوعٌ يَبدَأُ قَبلَ أن يَبعُدَ الفِعل

ثُمَّ الوَصفُ الثّاني: «ثُمَّ يَتوبونَ مِن قَريب». و«ثُمَّ» تَجعَلُ بَينَ الفِعلِ والرُّجوعِ مُهلة، و«مِن قَريبٍ» تُقَصِّرُ هذه المُهلةَ وتَجعَلُ لِلرُّجوعِ مَبدَأً قَريباً من الفِعل. والقُربُ من ق-ر-ب، دُنُوُّ المَسافةِ بَينَ شَيئَينِ حتّى يَكادا يَلتَقِيان، و«مِن» لِابتِداءِ الغاية، فالرُّجوعُ يَنطَلِقُ من نُقطةٍ قَريبة: من زَمَنٍ يَلي الفِعلَ قَبلَ أن يَطولَ العَهدُ بِه فيَستَقِرَّ في صاحِبِه عادةً. و«قَريب» نَكِرة، فالآيةُ تَرسُمُ القُربَ وتَترُكُ مِقدارَه مَفتوحاً.

«وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا»: عِلمٌ وحِكمةٌ في مُقابِلِ الجَهالة

والفاءُ في «فأولئكَ» تَجعَلُ رُجوعَ اللهِ عَلَيهِم مُتَرَتِّباً على رُجوعِهِم، و«أولئكَ» إشارةٌ إلى البَعيدِ تَجمَعُ المَوصوفينَ بِصِفَتَيهِم: عَمِلوا السُّوءَ بِجَهالة، ورَجَعوا من قَريب، فتَجعَلُهُم فَريقاً مُعَيَّناً بِما فَعَلوا. ثُمَّ خُتِمَت الآيةُ بِـ«عَليماً حَكيماً». والعِلمُ من ع-ل-م، إدراكٌ يَثبُتُ فيه الشَّيءُ على ما هو عَلَيه، فاللهُ يَعلَمُ الجَهالةَ التي عُمِلَ فيها السُّوء، ويَعلَمُ القُربَ الذي رَجَعَ مِنه العَبد. والحَكيمُ من ح-ك-م، و«الحَكَمة» في كَلامِ العَرَبِ ما أحاطَ بِحَنَكِ الدّابّةِ من اللِّجامِ فمَنَعَها الجِماح، فالحِكمةُ إحكامٌ يَمنَعُ الشَّيءَ من الخُروجِ عن وَجهِه ويَضَعُ كُلَّ أمرٍ في مَوضِعِه.

فالآيةُ تَضَعُ في طَرَفَيها حالَينِ مُتَقابِلَين: جَهالةً في أوَّلِها صَدَرَ عَنها الفِعل، وعِلماً وحِكمةً في آخِرِها يَلقى بِهِما اللهُ رُجوعَ الرّاجِع. والحَكيمُ الذي يُمسِكُ عن الجِماحِ يُقابِلُ مَن غَلَبَه جِماحُه ساعةَ الفِعل، والرُّجوعُ من قَريبٍ هو ما يَكونُ من المَرءِ إذا عادَت إلَيه أناتُه بَعدَ الخِفّة. وتَأتي الآيةُ التّالِيةُ بِما يُقابِلُ هذا من الطَّرَفِ الآخَر: رُجوعٌ بَعيدٌ عن الفِعلِ قَريبٌ من المَوت.


حَصيلة

تَقصُرُ الآيةُ التَّوبةَ التي تَكونُ «عَلى الله» على قَومٍ مَوصوفين، وتَصِلُ جِذرَ ت-و-ب من فِعلِ العِبادِ إلى فِعلِ الله: هُم «يَتوبون»، واللهُ «يَتوبُ عَلَيهِم». وأوَّلُ أوصافِهِم أنَّهُم يَعمَلونَ السُّوء، من س-و-أ، ما يَسوءُ ويَضُرّ، «بِجَهالة»، من ج-ه-ل، والجَهلُ خُلُوٌّ وخِفّة، والأقرَبُ فيه هُنا خِفّةٌ تَغلِبُ صاحِبَها في ساعَتِها، بِدَليلِ ما خُتِمَت بِه الآيةُ من عِلمٍ وحِكمة. وثاني أوصافِهِم أنَّهُم يَرجِعونَ «مِن قَريب»، من ق-ر-ب، رُجوعاً يَبدَأُ من نُقطةٍ دانِيةٍ من الفِعلِ قَبلَ أن يَستَقِرَّ عادة، ومِقدارُ القُربِ مَتروكٌ مَفتوحاً. فإذا اجتَمَعَ الوَصفانِ جاءَ رُجوعُ اللهِ عَلَيهِم مُتَرَتِّباً بِالفاء، وخُتِمَت الآيةُ بِاسمَينِ يُقابِلانِ الجَهالةَ من جِهَتَيها: «عَليماً» من ع-ل-م، و«حَكيماً» من ح-ك-م، إحكاماً يَمنَعُ الجِماحَ ويَضَعُ الأمرَ في مَوضِعِه.