النساء · الآية 34

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا

«الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ»: قِيامٌ دائمٌ مَعقودٌ بِسَبَبَين

تَبدَأُ الآيةُ بِخَبَرٍ يَصِفُ حالاً قائمة: «الرِّجالُ قَوّامونَ على النِّساء». والقَوّامُ من ق-و-م، على بِناءِ فَعّال، وهو بِناءٌ لِمَن يُكثِرُ الفِعلَ ويُديمُه، فالقَوّامُ مَن يَقومُ بِالأمرِ قِياماً بَعدَ قِيام. والقِيامُ على الشَّيءِ أن يَقِفَ المَرءُ عِندَه يَتَعَهَّدُه ويُمسِكُه على هَيئَتِه فلا يَنفَرِط، وبِهذا الفِعلِ جاءَ في هذه السّورةِ أمرُ اليَتامى: وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ﴾. و«على» حَرفُ استِعلاء، فهو قِيامٌ من فَوق، قِيامُ مَن يَحمِلُ الأمرَ ويُسأَلُ عَنه.

وهذا البِناءُ في الكِتابِ ثَلاثُ مَرّات: هُنا، وفي أمرِ الذينَ آمَنوا أن يَكونوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، وأن يَكونوا «قَوّامينَ لِلّه». فالقَوّامُ في استِعمالِ الكِتابِ مَن يُديمُ القِيامَ بِأمرٍ وُضِعَ في يَدِه، والأمرُ هُناكَ القِسطُ والشَّهادة، وهُنا النِّساء.

ثُمَّ ذَكَرَتِ الآيةُ ما يَقومُ عَلَيه هذا القِيامُ بِباءَينِ مُتَتابِعَتَين: «بِما فَضَّلَ الله» و«بِما أنفَقوا»، والباءُ فيهِما لِلسَّبَب، فالقِيامُ مَعقودٌ بِسَبَبَينِ تُسَمّيهِما الآيةُ نَفسُها. والسَّبَبُ الأوَّلُ من فِعلِ الله: «بِما فَضَّلَ اللهُ بَعضَهُم على بَعض»، وهي العِبارةُ التي جاءَت قَبلَ آيَتَينِ في النَّهيِ عن التَّمَنّي: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، ثُمَّ جَعَلَت هُناكَ لِلرِّجالِ نَصيباً ولِلنِّساءِ نَصيباً. وعُدِلَ هُنا عن ذِكرِ الرِّجالِ والنِّساءِ بِضَميرَيهِما إلى «بَعضَهُم على بَعض». والفَضلُ من ف-ض-ل زيادةٌ في شَيءٍ على مِقدارِه، و«ما» هُنا مَصدَريّةٌ في أظهَرِ الوَجهَين، أي بِتَفضيلِ الله، ولم تَذكُرِ العِبارةُ ما يَقَعُ فيه التَّفضيل، فهي تُسنِدُ الزِّيادةَ إلى بَعضٍ على بَعض، وتُبقي مَوضِعَها مَفتوحاً في لَفظِ الآية.

والسَّبَبُ الثّاني من فِعلِ الرِّجال: «وبِما أنفَقوا من أموالِهِم». والإنفاقُ من ن-ف-ق، إخراجُ المالِ من اليَدِ حتّى يَنفَدَ مِنها ويَصِلَ إلى غَيرِها، والفِعلُ ماضٍ، فالسَّبَبُ ما أُنفِقَ فِعلاً، و«من أموالِهِم» تَجعَلُ المُنفَقَ من مالِهِم هُم. وقد سَمَّتِ السّورةُ الأموالَ من جِذرِ القِيامِ نَفسِه: أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾، فالمالُ ما يَقومُ بِه النّاس، والقِيامُ على النِّساءِ مَشدودٌ في الآيةِ إلى ما يُخرَجُ من هذا المال.

«فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ»: صَلاحٌ يوصَفُ بِقُنوتٍ وحِفظ

ثُمَّ يَتَفَرَّعُ الكَلامُ بِالفاء: «فالصّالِحات». والصّالِحاتُ من ص-ل-ح، والصَّلاحُ استِقامةُ الشَّيءِ على ما يَصلُحُ لَه ويَنفَع، ووُصِفنَ بِوَصفَين: «قانِتات» و«حافِظاتٌ لِلغَيب». والقُنوتُ من ق-ن-ت، دَوامٌ على الطّاعةِ في سُكون، والكِتابُ إذا ذَكَرَ مَن يُقنَتُ لَه ذَكَرَ الله، وقَرَنَ بِه رَسولَه في مَوضِعٍ واحِد: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾. وجاءَ هُنا وَصفاً بِلا مُتَعَلَّق، كما جاءَ في صِفاتِ النِّساءِ في مَوضِعٍ آخَر: مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ﴾، فالآيةُ تُثبِتُ القُنوتَ خُلُقاً قائماً فيهِنّ، وتَترُكُ في لَفظِها مَن يُقنَتُ لَه مَفتوحاً.

و«حافِظاتٌ لِلغَيب»: الحِفظُ من ح-ف-ظ، إمساكُ الشَّيءِ ومَنعُه من الضَّياع، والغَيبُ من غ-ي-ب، ما غابَ عن العَين، واللّامُ تَجعَلُ الغَيبَ ما يَقَعُ عَلَيه الحِفظ، فهُنَّ يَحفَظنَ ما لا تَراه العُيون، وما يَكونُ في غَيبةِ مَن يَغيب. ثُمَّ قُيِّدَ حِفظُهُنَّ بِقَولِه «بِما حَفِظَ الله»، فحِفظُهُنَّ لِلغَيبِ قائمٌ على حِفظٍ من اللهِ سابِق. وفي الآيةِ ثَلاثُ باءاتٍ على نَسَقٍ واحِد: «بِما فَضَّلَ الله»، «وبِما أنفَقوا»، «بِما حَفِظَ الله»، فقِيامُ الرِّجالِ مَعقودٌ بِزيادةٍ من اللهِ وإنفاقٍ من أيديهِم، وحِفظُ النِّساءِ مَعقودٌ بِحِفظٍ من الله.

«وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ»: خَوفٌ من ارتِفاعٍ يَقطَعُ القِيام

ثُمَّ تَنتَقِلُ الآيةُ إلى حالٍ ثانية: «واللّاتي تَخافونَ نُشوزَهُنّ». والخَوفُ من خ-و-ف، تَوَقُّعُ مَكروهٍ لم يَقَع، والخِطابُ لِلرِّجالِ بِضَميرِ الجَمع، فما يَأتي بَعدُ مَبنيٌّ على خَوفِهِم. والنُّشوزُ من ن-ش-ز، والنَّشَزُ ما ارتَفَعَ من الأرض، والكِتابُ يَستَعمِلُ الجِذرَ في النُّهوضِ من المَوضِع: وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا﴾، وفي رَفعِ العِظامِ وتَركيبِ بَعضِها على بَعض: وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾. فالنُّشوزُ بَينَ الزَّوجَينِ ارتِفاعُ أحَدِهِما عن مَوضِعِه من صاحِبِه ونُهوضُه عَنه.

والكَلِمةُ نَفسُها تَأتي في هذه السّورةِ من جِهةِ الزَّوج: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾، فالنُّشوزُ في الكِتابِ يَقَعُ من الرَّجُلِ ومن المَرأة، والخَوفُ مِنه يَقَعُ من الجِهَتَين، ولِكُلِّ جِهةٍ في السّورةِ مَوضِعُها. والمَخوفُ هُنا نُشوزُهُنّ، والمُخاطَبونَ هُمُ الرِّجالُ الذينَ وُصِفوا في أوَّلِ الآيةِ بِالقِيام، فنُشوزُ المَرأةِ هُنا ارتِفاعٌ يَقطَعُ ما وَصَفَتْه الآيةُ من قِيامِه عَلَيها.

«فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ»: ثَلاثُ خُطُواتٍ يَسوقُها اللَّفظُ على تَرتيب

وجاءَ الجَوابُ ثَلاثةَ أوامِرَ مَعطوفةً بِالواو، والفاءُ في أوَّلِها تَربِطُها بِالخَوفِ الذي قَبلَها: «فعِظوهُنّ، واهجُروهُنَّ في المَضاجِع، واضرِبوهُنّ». والوَعظُ من و-ع-ظ، كَلامٌ يُذَكِّرُ بِالعَواقِبِ ويَبلُغُ القَلبَ فيُلَيِّنُه، وفي الكِتابِ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. والهَجرُ من ه-ج-ر، تَركُ الشَّيءِ والانقِطاعُ عَنه، وقُيِّدَ هُنا بِالمَكان: «في المَضاجِع»، والمَضاجِعُ من ض-ج-ع، مَواضِعُ الاضطِجاع، فالهَجرُ مَحصورٌ في مَوضِعِ القُرب، يُترَكُ فيه القُربُ حَيثُ يَجتَمِعُ الزَّوجان. والآيةُ تَسوقُ الأوامِرَ على هذا التَّرتيب: من القَول، إلى تَركِ القُربِ في المَضجَع، إلى البَدَن.

والأمرُ الثّالِثُ «واضرِبوهُنّ» من ض-ر-ب، والجِذرُ في قِراءةِ هذا الكِتابِ ضَغطٌ كَثيفٌ يَجري حتّى يَتَّصِلَ بِمَحَلِّه ويَترُكَ فيه أثَراً. وهو في الكِتابِ على وُجوه، يُعَيِّنُ كُلَّ وَجهٍ مِنها ما يَصحَبُ الفِعلَ من لَفظ. فمَعَ المَفعولِ بِه من الأجسامِ أو مَعَ الآلةِ يَكونُ وَقعاً على الشَّيءِ نَفسِه: اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾، يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾. ومَعَ «في الأرض» يَكونُ خُروجاً وسَيراً، كما في هذه السّورة: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. ومَعَ «على» يَكونُ إلقاءَ شَيءٍ على شَيءٍ يُغَطّيه: فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ﴾، وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾. ومَعَ «عن» يَكونُ صَرفاً وإعراضاً: أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾. ومَعَ «بَين» يَكونُ إقامةَ حاجِز: فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾. ومَعَ المَثَلِ يَكونُ إقامةَ صورةٍ في الذِّهن: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾.

وجاءَ الفِعلُ في الآيةِ وَحدَه مَعَ ضَميرِ النِّساءِ مَفعولاً بِه، خالِياً من الكَلِماتِ التي تَصرِفُه إلى الوُجوهِ الأُخرى، ومن ذِكرِ مَثَلٍ في سِياقِه. وهذه هَيئةُ الوَجهِ الأوَّلِ في استِعمالِ الكِتاب، يَقَعُ فيها الفِعلُ على ذاتِ ما يَتَعَدّى إلَيه كما وَقَعَ على الحَجَرِ وعلى القَتيلِ وعلى الوُجوه، وهو المَعنى الذي يَسبِقُ من اللَّفظِ إلى سامِعِه. والوُجوهُ الأُخرى باقيةٌ في الجِذر، يَأتي كُلٌّ مِنها في الكِتابِ مَعَ الكَلِمةِ التي تَصرِفُه إلَيه. فالجِذرُ يَحمِلُ أكثَرَ من وَجه، والآيةُ تَضَعُ اللَّفظَ في الهَيئةِ التي يَأتي عَلَيها أوَّلُها. ويَقِفُ لَفظُ الآيةِ عِندَ الفِعلِ مُجَرَّداً، فكَيفيَّتُه ومِقدارُه مَتروكانِ في اللَّفظ، وحُدودُه تَأتي من الكَلامِ الذي يُحيطُ بِه.

وهذه الحُدودُ أربَعة. أوَّلُها أنَّ الأوامِرَ الثَّلاثةَ واقِعةٌ على «اللّاتي تَخافونَ نُشوزَهُنّ» وَحدَهُنّ، فهي جَوابٌ عن حالٍ سَمَّتْها الآية. وثانيها أنَّ الضَّربَ ثالِثُ ثَلاثة، يَأتي في اللَّفظِ بَعدَ الوَعظِ وبَعدَ الهَجرِ في المَضاجِع. وثالِثُها أنَّ الآيةَ تَقطَعُ الأمرَ كُلَّه عِندَ الطّاعة: «فإن أطَعنَكُم فلا تَبغوا عَلَيهِنَّ سَبيلاً». ورابِعُها أنَّها تُختَمُ بِالعَليِّ الكَبير.

«فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا»: حَدٌّ يَقطَعُ الأمر، وعُلُوٌّ فَوقَ كُلِّ «على»

والطّاعةُ من ط-و-ع، انقيادٌ يَأتي من صاحِبِه طَوعاً، والكِتابُ يُقابِلُ الطَّوعَ بِالكَره: ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. والفِعلُ «أطَعنَ» مُسنَدٌ إلى النِّساءِ بِنونِ النِّسوة، فهُنَّ فاعِلاتُ الطّاعة، والأمرُ يَنتَهي بِفِعلِهِنّ. والبَغيُ من ب-غ-ي، طَلَبٌ يَتَجاوَزُ الحَدّ، وإذا عُدِّيَ بِـ«على» كانَ اعتِداءً، كما في فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ﴾. و«سَبيلاً» نَكِرةٌ في سِياقِ النَّهي، فهي تَعُمُّ كُلَّ طَريقٍ يُطلَبُ عَلَيهِنّ، ويَدخُلُ فيها الهَجرُ والضَّربُ اللَّذانِ سَبَقا، فالطّاعةُ تُغلِقُ البابَ الذي فَتَحَه الخَوف.

ثُمَّ خُتِمَتِ الآيةُ بِاسمَين: «إنَّ اللهَ كانَ عَلِيّاً كَبيراً»، وهُما على هذه الصّورةِ في الكِتابِ في هذه الآيةِ وَحدَها. والعَليُّ من ع-ل-و، والكَبيرُ من ك-ب-ر. وقد سَبَقَ الخِتامَ في الآيةِ ثَلاثُ «على»: «قَوّامونَ على النِّساء»، «بَعضَهُم على بَعض»، «فلا تَبغوا عَلَيهِنّ»، و«على» حَرفُ استِعلاء، ثُمَّ جاءَ الخِتامُ بِالعُلُوِّ نَفسِه اسماً لله. فكُلُّ قِيامٍ من فَوقٍ في الآيةِ واقِعٌ تَحتَ عَليٍّ أعلى مِنه، وكُلُّ ما يَكبُرُ في يَدِ المُخاطَبينَ واقِعٌ تَحتَ كَبيرٍ أكبَرَ مِنه، والخِتامُ يَلي النَّهيَ عن البَغيِ مُباشَرةً، فيَصِلُ إلى مَن قامَ على غَيرِه تَذكيراً بِمَن هو فَوقَه.


حَصيلة

تَبدَأُ الآيةُ بِقِيامٍ دائمٍ لِلرِّجالِ على النِّساء، من ق-و-م على بِناءِ فَعّال، قِيامِ مَن يَتَعَهَّدُ الأمرَ ويُمسِكُه ويُسأَلُ عَنه، وتَعقِدُه بِسَبَبَين: زيادةٍ جَعَلَها اللهُ لِبَعضٍ على بَعضٍ بِالعِبارةِ التي نَهَت قَبلُ عن تَمَنّيها، وإنفاقٍ من أموالٍ سَمَّتْها السّورةُ قِياماً. ثُمَّ تَصِفُ الصّالِحاتِ بِقُنوتٍ تَترُكُ مُتَعَلَّقَه مَفتوحاً، وبِحِفظٍ لِلغَيبِ قائمٍ على حِفظِ الله. ثُمَّ تَجعَلُ لِخَوفِ النُّشوز، وهو ارتِفاعٌ عن المَوضِعِ يَأتي في السّورةِ من الجِهَتَين، ثَلاثَ خُطُواتٍ تَسوقُها من القَولِ إلى تَركِ القُربِ في المَضاجِعِ إلى البَدَن. والضَّربُ من ض-ر-ب، جِذرٌ يَحمِلُ في الكِتابِ وُجوهاً يَصرِفُ إلَيها ما يَصحَبُ الفِعل، والآيةُ تَضَعُه في هَيئةِ الوَقعِ على المَفعولِ بِه، وتَترُكُ كَيفيَّتَه ومِقدارَه، وتَحُدُّه بِالخَوفِ الذي عُلِّقَ بِه، وبِأنَّه ثالِثُ ثَلاثة، وبِالطّاعةِ التي تَقطَعُ كُلَّ سَبيلٍ عَلَيهِنّ، وبِخِتامٍ يَضَعُ فَوقَ كُلِّ «على» في الآيةِ عَلِيّاً كَبيراً. وتَنتَقِلُ الآيةُ التّاليةُ من نُشوزِ أحَدِ الزَّوجَينِ إلى شِقاقٍ بَينَهُما.