النساء · الآية 32

﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا

«وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ»: أُمنيّةٌ تَتَعَلَّقُ بِما في يَدِ الغَير

بَعدَ النَّهيِ عن أكلِ المالِ وقَتلِ الأنفُس، يَبلُغُ النَّهيُ ما قَبلَ الفِعل: الأُمنيّةَ في النَّفس. والتَّمَنّي من م-ن-ي، وهو أن يُقَدِّرَ المَرءُ في نَفسِه شَيئاً يَشتَهيه ويَتَصَوَّرَه حاصِلاً لَه، وجاءَ الفِعلُ على «تَفَعَّل»، فهو تَكَلُّفٌ يُديرُ بِه المَرءُ الأمرَ في خاطِرِه ويُعاوِدُه. والآيةُ تَنهى عن تَمَنٍّ مَخصوص: أن يَتَمَنّى المَرءُ ما فَضَّلَ اللهُ بِه غَيرَه عَلَيه، فالأُمنيّةُ هُنا مَعقودةٌ بِما في يَدِ الآخَر. ويَعودُ الجِذرُ في هذه السّورةِ في وَصفِ الشَّيطانِ وأتباعِه: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾، فالأُمنيّةُ في السّورةِ بابٌ يَدخُلُ مِنه ما يَغُرّ.

والفَضلُ من ف-ض-ل، ما زادَ على المِقدارِ وفاضَ عَنه، و«فَضَّلَ» بِالتَّضعيفِ إعطاءُ بَعضٍ زيادةً على بَعض. والآيةُ تَقولُ «بَعضَكُم على بَعض»، والخِطابُ لِلمُخاطَبينَ جَميعاً قَبلَ أن يُذكَرَ الرِّجالُ والنِّساء، فالتَّفاضُلُ يَجري بَينَ آحادِ النّاسِ على اختِلافِهِم، في كُلِّ بَعضٍ زيادةٌ في شَيءٍ على بَعض. و«ما» مُبهَمة، فالمُفَضَّلُ بِه يَبقى مَفتوحاً على كُلِّ ما يَتَفاوَتُ فيه النّاس، من مالٍ وقُوّةٍ ومَنزِلةٍ وحَظّ.

«لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ»: لِكُلِّ جانِبٍ حَظٌّ مَنصوبٌ من سَعيِه

ثُمَّ جاءَت جُملَتانِ مُتَوازِيَتان: «لِلرِّجالِ نَصيبٌ مِمّا اكتَسَبوا، ولِلنِّساءِ نَصيبٌ مِمّا اكتَسَبنَ». والنَّصيبُ من ن-ص-ب، وهو الحَظُّ المَنصوبُ لِصاحِبِه، القائمُ لَه كالعَلَمِ المُقام، فلِكُلٍّ من الجانِبَينِ حَظٌّ مُقامٌ بِاسمِه. والاكتِسابُ من ك-س-ب، ما يُحَصِّلُه المَرءُ بِسَعيِه ويَضُمُّه إلَيه، وصيغةُ الافتِعالِ فيه تَدُلُّ على طَلَبٍ وجُهد، فالنَّصيبُ مَأخوذٌ مِمّا صَنَعَتْه يَدُ صاحِبِه، كما في قَولِه أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا﴾.

وأُعطِيَ كُلُّ جانِبٍ فِعلَه بِلَفظِه: «اكتَسَبوا» بِواوِ الجَماعةِ لِلرِّجال، و«اكتَسَبنَ» بِنونِ النِّسوةِ لِلنِّساء، فالنِّساءُ في الآيةِ فاعِلاتٌ يَكتَسِبنَ بِأنفُسِهِنّ، ولَهُنَّ من كَسبِهِنَّ نَصيبٌ مُسَمّىً كما لِلرِّجالِ من كَسبِهِم. وقد جاءَ هذا التَّوازي من قَبلُ في أوَّلِ ما قيلَ في الإرث: لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، فذاكَ نَصيبٌ مِمّا يَترُكُه غَيرُهُم، وهذا نَصيبٌ مِمّا يَكسِبونَه هُم، ولِلرِّجالِ والنِّساءِ في البابَينِ نَصيب.

وبِهذا يَتَّصِلُ أوَّلُ الآيةِ بِوَسَطِها: نُهِيَ المَرءُ أن يَمُدَّ أُمنيَّتَه إلى ما في يَدِ غَيرِه، ثُمَّ رُدَّ نَظَرُه إلى نَصيبِه هو، وهو حَظٌّ مَنصوبٌ لَه من سَعيِه. فالآيةُ تَنقُلُ العَينَ من فَضلِ الغَيرِ إلى كَسبِ النَّفس.

«وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ»: الأُمنيّةُ تَصيرُ سُؤالاً

ثُمَّ يَعودُ الجِذرُ ف-ض-ل في آخِرِ الآيةِ مُضافاً إلى الله: «واسأَلوا اللهَ من فَضلِه». فالزِّيادةُ التي نُهِيَ المُخاطَبُ أن يَتَمَنّاها في يَدِ غَيرِه تُطلَبُ من صاحِبِها الأوَّل. والسُّؤالُ من س-أ-ل، طَلَبٌ يَخرُجُ من السّائلِ ويَتَعَلَّقُ بِمَن عِندَه الحاجة، و«مِن» لِلتَّبعيض، فالمَسؤولُ بَعضٌ من فَضلِه، ولا يُؤخَذُ هذا البَعضُ من نَصيبِ أحَد. فالآيةُ تُحَوِّلُ الأُمنيّةَ المَعقودةَ بِما في يَدِ الغَيرِ إلى سُؤالٍ مَعقودٍ بِاللهِ وَحدَه.

وخُتِمَتِ الآيةُ بِعِلمٍ يُحيطُ «بِكُلِّ شَيء»: بِما فُضِّلَ بِه كُلُّ بَعضٍ على بَعض، وبِما اكتَسَبَه كُلُّ واحِد، وبِمَن يَسأَلُ وما يُعطى. فالقِسمةُ التي تُثيرُ الأُمنيّةَ صادِرةٌ عن عِلمٍ بِكُلِّ شَيء، والمُتَمَنّي يَرى من الأمرِ ما في يَدِ غَيرِه وَحدَه.


حَصيلة

تَبلُغُ الآيةُ بِالنَّهيِ ما قَبلَ الفِعل، فتَنهى عن التَّمَنّي، من م-ن-ي، إذا تَعَلَّقَ بِما فَضَّلَ اللهُ بِه بَعضاً على بَعض، والفَضلُ من ف-ض-ل زيادةٌ تَفيضُ عن المِقدار، والتَّفاضُلُ جارٍ بَينَ آحادِ النّاسِ في ما تُبهِمُه «ما». ثُمَّ تَنصِبُ لِلرِّجالِ نَصيباً مِمّا اكتَسَبوا ولِلنِّساءِ نَصيباً مِمّا اكتَسَبنَ، بِفِعلَينِ مُتَوازِيَينِ يَجعَلانِ لِكُلِّ جانِبٍ كَسبَه بِلَفظِه، على هَيئةِ ما قيلَ في نَصيبِهِم مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقرَبون. ثُمَّ تَرُدُّ الجِذرَ ف-ض-ل إلى الله: «واسأَلوا اللهَ من فَضلِه»، فتَصيرُ الأُمنيّةُ المُعَلَّقةُ بِما في يَدِ الغَيرِ سُؤالاً مُعَلَّقاً بِاللهِ لا يَنقُصُ بِه نَصيبُ أحَد، وتُختَمُ بِعِلمٍ يُحيطُ بِالقِسمةِ كُلِّها.