النساء · الآية 35

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا

«وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا»: صَدعٌ يَقَعُ في ما يَجمَعُ الاثنَين

تَعودُ الآيةُ إلى الخَوفِ الذي بُنِيَ عَلَيه ما قَبلَها، وتُغَيِّرُ مَوضِعَه ومُخاطَبَه: هُناكَ خَوفُ الرِّجالِ من نُشوزِ النِّساء، وهُنا خَوفٌ من شِقاقٍ «بَينِهِما». والضَّميرُ في «بَينِهِما» مُثَنًّى يَعودُ على الزَّوجَينِ مَعاً، والمُخاطَبونَ بِـ«خِفتُم» جَماعةٌ تَرى الزَّوجَينِ من خارِجِهِما، فالأمرُ خَرَجَ من يَدِ أحَدِهِما إلى مَن حَولَهُما. والشِّقاقُ من ش-ق-ق، والشَّقُّ الصَّدعُ يَفصِلُ الشَّيءَ شِقَّين، والشِّقُّ النّاحيةُ من الشَّيء، والشِّقاقُ على «فِعال» فِعلٌ يَأتي من الجانِبَين: أن يَصيرَ كُلٌّ مِنهُما في شِقٍّ غَيرِ شِقِّ صاحِبِه.

وأُضيفَ الشِّقاقُ إلى «البَين»: «شِقاقَ بَينِهِما»، فصارَ «بَين» اسماً يُضافُ إلَيه، والبَينُ من ب-ي-ن ما يَصِلُ الشَّيئَينِ ويَفصِلُهُما مَعاً، فالشِّقاقُ يَقَعُ في هذا الوَصلِ نَفسِه، في ما كانَ يَجمَعُهُما. والشِّقاقُ في الكِتابِ صَدعٌ قد يَتَّسِعُ حتّى يَبعُد: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾، فالخَوفُ مِنه هُنا خَوفٌ من صَدعٍ لم يَتَّسِعْ بَعد.

«فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا»: حَكَمانِ على هَيئةٍ واحِدة

وجاءَ الجَواب: «فابعَثوا»، والبَعثُ من ب-ع-ث، إثارةُ الشَّيءِ من مَوضِعِه وإرسالُه، فالمَبعوثُ يُنهَضُ ويُوَجَّهُ إلى غاية. والمَبعوثُ «حَكَم»، من ح-ك-م، والحُكمُ في أصلِ الجِذرِ إمساكٌ يَرُدُّ عن الفَساد، ومنه «حَكَمةُ الدّابّة» حَديدةُ اللِّجامِ المُحيطةُ بِحَنَكِها تَرُدُّها عن الجِماح، فالحَكَمُ مَن يُمسِكُ الأمرَ أن يَنفَلِت، ويَقِفُ بَينَ المُتَنازِعَينِ فيَفصِلُ بَينَهُما.

وجاءَ الحَكَمانِ على هَيئةٍ واحِدة: «حَكَماً من أهلِه، وحَكَماً من أهلِها»، اللَّفظُ نَفسُه يُكَرَّرُ ويَتَبَدَّلُ الضَّميرُ وَحدَه: هاءُ الزَّوجِ مَرّة، وهاءُ الزَّوجةِ مَرّة. فالجِهَتانِ في البَعثِ سَواء، لِكُلٍّ مِنهُما مَن يَحضُرُ عَنها من أهلِها، والأهلُ من أ-ه-ل، مَن يَأنَسُ المَرءُ بِهِم ويَسكُنُ إلَيهِم، فالحَكَمُ الآتي من أهلِ أحَدِهِما يَعرِفُ ما يَجهَلُه الغَريب. وبِهذا يَتَّسِعُ الأمرُ من الزَّوجَينِ إلى أهلَيهِما، وقد افتُتِحَتِ السّورةُ بِالأمرِ بِالوِقايةِ في الأرحام، وهُنا تُدعى الأرحامُ إلى الوُقوفِ بَينَ زَوجَين.

«إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا»: إرادةُ اثنَينِ يَتبَعُها تَوفيقٌ من الله

ثُمَّ جاءَ الشَّرطُ بِفِعلٍ مُثَنّى: «إن يُريدا إصلاحاً»، والمُثَنّى يَصلُحُ أن يَعودَ على الحَكَمَينِ لِقُربِ ذِكرِهِما، ويَصلُحُ أن يَعودَ على الزَّوجَينِ اللَّذَينِ قامَ عَلَيهِما الكَلام، وكذلك «بَينَهُما» في الجَواب، والآيةُ تُبقي اللَّفظَ على الوَجهَين، فتَجمَعُ في عِبارةٍ واحِدةٍ إرادةَ مَن يَسعى في الصُّلحِ وإرادةَ مَن يُصلَحُ بَينَهُما. والإصلاحُ من ص-ل-ح، الجِذرِ الذي وَصَفَت بِه الآيةُ السّابِقةُ «الصّالِحات»، وهو رَدُّ الشَّيءِ إلى ما يَصلُحُ لَه بَعدَ أن خَرَجَ عَنه، والسّورةُ تَعودُ إلَيه في نُشوزِ الزَّوج: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.

وجاءَ الجَوابُ «يُوَفِّقِ اللهُ بَينَهُما»، والتَّوفيقُ من و-ف-ق، والوَفقُ مُطابَقةُ الشَّيءِ لِلشَّيءِ حتّى يَستَويا، فالتَّوفيقُ جَعلُ ما تَباعَدَ مُتَوافِقاً يَنطَبِقُ بَعضُه على بَعض. والإرادةُ من اثنَين، والتَّوفيقُ من الله، والجَوابُ مَجزومٌ بِالشَّرط، فالتَّوفيقُ مُعَلَّقٌ بِإرادةِ الإصلاح. ويَتَقابَلُ في الآيةِ «بَين» مَرَّتَين: «شِقاقَ بَينِهِما» في أوَّلِها، و«يُوَفِّقِ اللهُ بَينَهُما» في آخِرِها، فالبَينُ الذي خيفَ عَلَيه الصَّدعُ هو البَينُ الذي يَقَعُ فيه التَّوفيق.

«إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا»: عِلمٌ يَبلُغُ ما بَينَ اثنَين

وخُتِمَتِ الآيةُ بِاسمَين: «عَليماً خَبيراً». والعِلمُ من ع-ل-م، والخَبيرُ من خ-ب-ر، والخُبرُ عِلمٌ بِباطِنِ الشَّيءِ ودَخيلَتِه، يُقالُ خَبَرَ الأمرَ إذا عَرَفَه من داخِلِه. والشِّقاقُ بَينَ زَوجَينِ يَقَعُ في ما يَستَتِرُ عن النّاس، والحَكَمانِ يَحكُمانِ بِما يَظهَرُ لَهُما، فالخِتامُ بِالخَبيرِ يَضَعُ فَوقَ ما يَظهَرُ لِلحَكَمَينِ عِلماً بِما يَستَتِرُ عَنهُما، وبِما يُريدُه الزَّوجانِ في أنفُسِهِما. وقد خُتِمَت آيةُ نُشوزِ الزَّوجِ بِهذا الاسمِ أيضاً: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.


حَصيلة

تَنتَقِلُ الآيةُ من خَوفِ أحَدِ الزَّوجَينِ من صاحِبِه إلى خَوفِ مَن حَولَهُما من شِقاقٍ يَقَعُ في «بَينِهِما»، والشِّقاقُ من ش-ق-ق صَدعٌ يَصيرُ بِه كُلٌّ مِنهُما في شِقّ، ويَقَعُ في الوَصلِ الذي يَجمَعُهُما. وتَأمُرُ بِبَعثِ حَكَمَينِ على هَيئةٍ واحِدة، من أهلِه ومن أهلِها، فتُسَوّي بَينَ الجِهَتَين، وتَدعو الأرحامَ التي افتُتِحَت بِها السّورةُ إلى الوُقوفِ بَينَ الزَّوجَين. ثُمَّ تُعَلِّقُ التَّوفيقَ بِإرادةِ الإصلاحِ في فِعلٍ مُثَنّىً يَصلُحُ لِلحَكَمَينِ ولِلزَّوجَين، فيَصيرُ «البَين» الذي خيفَ صَدعُه مَوضِعاً لِتَوفيقٍ من الله، وتُختَمُ بِعَليمٍ خَبيرٍ يَعلَمُ من داخِلِ الأمرِ ما يَغيبُ عن الحَكَمَين.