النساء · الآية 74

﴿۞ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا

«فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»: أمرٌ يَقَعُ على صِفة

تَصِلُ الفاءُ هذه الآيةَ بِما قَبلَها: بَعدَ صورةِ مَن يُبَطِّئُ ويَزِنُ غِيابَه بِما يُصيبُ الجَماعة، يَأتي الأمرُ بِلامٍ تَدخُلُ على فِعلِ الغائب: «فَلْيُقاتِلْ»، والمَأمورونَ يُسَمَّونَ بِصِفَتِهِم: «الذينَ يَشرونَ الحَياةَ الدُّنيا بِالآخِرة». فالأمرُ مُوَجَّهٌ إلى كُلِّ مَن عَقَدَ هذا البَيع، وصِفَتُه هي التي تُدخِلُه تَحتَ الأمر. والقِتالُ من ق-ت-ل على «فاعَلَ»، والقَتلُ إنهاءُ الحَياةِ بِفِعلِ فاعِل، والمُفاعَلةُ تَجعَلُه فِعلاً يَجري بَينَ طَرَفَين، كُلٌّ مِنهُما يَطلُبُ الآخَرَ ويُطلَب. و«في سَبيلِ الله» تَجعَلُ القِتالَ جارِياً في طَريقٍ يُنسَبُ إلى الله، وسَيُقابِلُه في الآيةِ السّادِسةِ والسَّبعينَ طَريقٌ آخَر.

«الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ»: حَياةٌ تُعطى بِحَياة

و«يَشرونَ» من ش-ر-ي، وهو هُنا البَيع: يُخرِجُ البائعُ من يَدِه ما يَبيعُه ويَأخُذُ ثَمَنَه، والمَبيعُ مَفعولُ الفِعل، والثَّمَنُ ما دَخَلَت عَلَيه الباء، كما في وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. فالذي يُعطونَه «الحَياةَ الدُّنيا»، والذي يَأخُذونَه «الآخِرة». وقد جاءَ الجِذرُ في السّورةِ قَبلَ ذلك في الآيةِ الرّابِعةِ والأربَعينَ على «افتَعَلَ»: يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾، والافتِعالُ هُناكَ أخذٌ يَأخُذُه الآخِذُ لِنَفسِه، والبِناءُ المُجَرَّدُ هُنا إعطاءٌ يُخرِجُه صاحِبُه من يَدِه. فالجِذرُ واحِدٌ والحَرَكةُ فيه مُتَعاكِسة: قَومٌ يَأخُذونَ الضَّلالة، وقَومٌ يُعطونَ الحَياةَ الأقرَبَ لِيَأخُذوا ما بَعدَها.

و«الدُّنيا» تَأنيثُ «أدنى»، من د-ن-و، وأصلُ مَعناه القُرب، وقد جاءَ «أدنى» في الآيةِ الثّالِثة: ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾، فالحَياةُ الدُّنيا الحَياةُ الأقرَب، الحاضِرةُ في اليَد. و«الآخِرة» من أ-خ-ر، ما يَأتي بَعدَ غَيرِه، وقد جاءَت وَصفاً حُذِفَ مَوصوفُه، والمَوصوفُ «الحَياةُ» يُفهَمُ من صَدرِ العِبارة، فالبَيعُ حَياةٌ بِحَياة: قَريبةٌ تُعطى، وآتيةٌ تُؤخَذ، والعِبارةُ تُسَمّي الحَياتَينِ بِمَوضِعَيهِما، الأُولى بِقُربِها والثّانيةَ بِمَجيئِها بَعد. ويُرى هذا البَيعُ من جِهَتِه الأُخرى في سورةِ التَّوبة: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم﴾، فالمُشتَري هُناكَ الله، والبائعونَ الذينَ آمَنوا.

«فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا»: عاقِبَتانِ وأجرٌ واحِد

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ من الأمرِ إلى الشَّرط: «ومَن يُقاتِلْ في سَبيلِ الله»، ويُعطَفُ على القِتالِ عاقِبَتانِ بَينَهُما «أو»: «فيُقتَلْ» على البِناءِ لِلمَجهول، فالقَتلُ يَقَعُ عَلَيه من غَيرِه، «أو يَغلِبْ» على البِناءِ لِلمَعلوم، فهو الذي يَعلو. والغَلَبةُ من غ-ل-ب، قَهرٌ يَعلو فيه الغالِبُ على المَغلوبِ ويُحيطُ بِه، ومنه «الأغلَبُ» لِلغَليظِ الرَّقَبة، وفي الكِتابِ وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ لِحَدائقَ كَثيفةٍ مُلتَفّة. وقد ذُكِرَ القَتلُ قَبلَ الغَلَبة، فالعاقِبةُ الأُولى تَسليمٌ لِلحَياةِ الدُّنيا التي باعَها المُقاتِل، والثّانيةُ عُلُوٌّ على مَن قاتَلَه.

وجَوابُ الشَّرطِ واحِدٌ لِلعاقِبَتَين: «فسَوفَ نُؤتيه أجراً عَظيماً»، فالأجرُ مَعقودٌ بِالقِتالِ في السَّبيل، وتَنتَهي إلَيه العاقِبَتانِ كِلتاهُما. وبِهذا تَقِفُ الآيةُ قُبالةَ المِيزانِ الذي رَسَمَتْه الآيَتانِ السّابِقَتان: ذلك القائلُ يَزِنُ الأمرَ بِما يُصيبُ الجَماعة، فيُسَمّي غِيابَه نِعمةً عِندَ المُصيبةِ ويَتَمَنّى الحُضورَ عِندَ الفَضل، والآيةُ تَجعَلُ القَتلَ والغَلَبةَ على السَّواءِ طَريقاً إلى أجرٍ واحِد. والأجرُ من أ-ج-ر، ما يَجتَمِعُ لِلعامِلِ على عَمَلِه ثُمَّ يَجري إلَيه، و«عَظيماً» تَصِفُه بِالجِرمِ والثِّقَل، وهي الكَلِمةُ التي وَصَفَ بِها ذلك القائلُ الفَوزَ الذي تَمَنّاه.

و«نُؤتيه» بِلَفظِ المُتَكَلِّمِ المُعَظِّمِ نَفسَه، بَعدَ أن جاءَ اسمُ اللهِ في «سَبيلِ الله» على الغَيبة، فالوَعدُ يَصدُرُ عن المُتَكَلِّمِ نَفسِه. و«سَوفَ» تَضَعُ العَطاءَ في وَقتٍ آتٍ، على صورةِ ما باعوا الأقرَبَ لِأجلِه: الآخِرة. وقد جاءَ الفِعلُ والمَفعولُ نَفسُهُما في الآيةِ السّابِعةِ والسِّتّين: لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وهُناكَ جَوابٌ لِفَرضٍ عُقِدَ بِـ«لو»، وهُنا وَعدٌ بِـ«سَوفَ» لِمَن يُقاتِلُ في السَّبيل.


حَصيلة

تَصِلُ الآيةُ الأمرَ بِالقِتالِ بِصورةِ مَن يُبَطِّئ، وتُوَجِّهُه إلى مَن يُسَمَّونَ بِبَيعٍ عَقَدوه: «يَشرونَ»، من ش-ر-ي، يُعطونَ الحَياةَ الدُّنيا، الأقرَبَ من د-ن-و، ويَأخُذونَ الآخِرة، الآتيةَ بَعدُ من أ-خ-ر، والجِذرُ الذي أخَذَ بِه قَومٌ الضَّلالةَ في الآيةِ الرّابِعةِ والأربَعينَ يُعطي بِه هؤلاءِ الأقرَب. ثُمَّ تَجعَلُ لِلمُقاتِلِ في سَبيلِ اللهِ عاقِبَتَين، أن يُقتَلَ أو يَغلِب، من غ-ل-ب، وتَعقِدُ على كِلتَيهِما جَواباً واحِداً: أجراً عَظيماً، من أ-ج-ر، يُعطاه بِـ«سَوف»، فالمِيزانُ الذي كانَ يَتَقَلَّبُ بِالعاقِبةِ عِندَ مَن يُبَطِّئُ يَثبُتُ هُنا على الفِعلِ نَفسِه.