النساء · الآية 114

﴿۞ لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا

«لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ»: كَلامٌ يَنفَرِدُ بِأهلِه

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«لا» التي تَنفي الجِنسَ كُلَّه: «لا خَيرَ»، والخَيرُ من خ-ي-ر، نافِذٌ يَسري لَيِّناً في الشَّيءِ ويَجري أثَرُه فيه، فالمَنفيُّ أثَرٌ نافِعٌ يَسري في ما حَولَه. و«لا خَيرَ» بِهذا اللَّفظِ مُفرَدةٌ في الكِتاب، لم تَرِدْ في غَيرِ هذه الآية. ثُمَّ يُقَيَّدُ النَّفيُ بِمَوضِعِه: «في كَثيرٍ من نَجواهُم»، فالحُكمُ واقِعٌ على الكَثيرِ من النَّجوى، والآيةُ تُسَمّي بَعدَه ما يَكونُ فيه الخَير.

والنَّجوى من ن-ج-و، والنَّجْوةُ ما ارتَفَعَ من الأرضِ فسَلِمَ مِمّا يَجري حَولَه، ومنه «نَجا» خَلَصَ مِمّا كانَ فيه، والنَّجوى كَلامٌ يُرفَعُ عن سَمعِ مَن حَولَ أهلِه فيَنعَقِدُ بَينَهُم وَحدَهُم، وقد يُسَمّى بِه أهلُه أنفُسُهُم، كما في وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ﴾. وقد وَصَفَتِ الآيةُ الثّامِنةُ بَعدَ المِئةِ صورةً من هذا الكَلام: قَومٌ يَستَخفونَ من النّاسِ ويُبَيِّتونَ القَولَ لَيلاً. والضَّميرُ في «نَجواهُم» يَرجِعُ إلى جَمعٍ تَقَدَّمَ ذِكرُه، وأقرَبُه الطّائفةُ التي ذُكِرَت في الآيةِ السّابِقةِ ومَن دارَت عَلَيهِمُ الآياتُ قَبلَها، ويَتَّسِعُ مَعَ ذلك لِلنّاسِ الذينَ ذُكِروا قَبلُ في الخامِسةِ بَعدَ المِئةِ والثّامِنةِ بَعدَ المِئة: «بَينَ النّاس» و«يَستَخفونَ من النّاس»، فيَصلُحُ الحُكمُ لِأولئكَ ولِلنّاسِ عامّة.

«إِلَّا مَنْ أَمَرَ»: خَيرٌ يُستَخرَجُ من كَلامٍ مُغلَق

ثُمَّ يَأتي الاستِثناء: «إلّا مَن أمَرَ»، والأمرُ من أ-م-ر، شَأنٌ يُحسَمُ ويُجمَعُ ثُمَّ يَجري إلى تَحَقُّقِه، و«أمَرَ بِكذا» طَلَبَه وحَمَلَ عَلَيه. والمُستَثنى «مَن»، وهو اسمٌ لِشَخص، والمُستَثنى مِنه «نَجواهُم»، وهي كَلام، ولِذلك يَحتَمِلُ الاستِثناءُ وَجهَين. الأوَّلُ أن يَكونَ مُتَّصِلاً: إمّا لِأنَّ «النَّجوى» تَصدُقُ على المُتَناجينَ أنفُسِهِم، فيُستَثنى شَخصٌ من أشخاص، وإمّا على تَقديرِ «نَجوى» قَبلَ «مَن»: إلّا نَجوى مَن أمَرَ بِصَدَقة. والثّاني أن يَكونَ مُنقَطِعاً، فتَكونُ «إلّا» في مَعنى «لكِنْ»: لا خَيرَ في كَثيرٍ من نَجواهُم، لكِنْ مَن أمَرَ بِصَدَقةٍ أو مَعروفٍ أو إصلاحٍ ففي أمرِه الخَير.

وعلى الوَجهِ الأوَّلِ يَقَعُ الخَيرُ داخِلَ النَّجوى نَفسِها، في كَلامٍ خَفِيٍّ يَأمُرُ فيه صاحِبُه بِهذه الثَّلاثة، وعلى الثّاني يَخرُجُ الآمِرُ بِها من حُكمِ النَّجوى كُلِّه ويَقومُ في جِهةٍ غَيرِ جِهَتِها. والوَجهانِ يَلتَقِيانِ في أنَّ الخَيرَ مَعقودٌ بِالأمرِ بِهذه الثَّلاثة. وجاءَ المُستَثنى «مَن»، وهي مُبهَمةٌ تَعُمُّ كُلَّ آمِرٍ بِهذه الثَّلاثة، فالخَيرُ يُسنَدُ إلى الآمِرِ بِكَلِمَتِه أيّاً كان.

«بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ»: ثَلاثةٌ يَخرُجُ بِها الكَلامُ إلى غَيرِ أهلِه

والمَأمورُ بِه ثَلاثُ نَكِراتٍ تَعطِفُها «أو»، فأيُّها أمَرَ بِه الآمِرُ كانَ في مَوضِعِ الخَير. أوَّلُها الصَّدَقةُ من ص-د-ق، الجِذرِ الذي يَلتَئِمُ فيه الظّاهِرُ بِالباطِن، وهي ما يُعطى من المالِ لِغَيرِ عِوَض، وقد سَمَّتِ السّورةُ من هذا الجِذرِ ما يُعطى لِلنِّساءِ في الرّابِعة: صَدُقَاتِهِنَّ﴾. وثانيها المَعروفُ من ع-ر-ف، ما يَظهَرُ خَيرُه فيَعرِفُه النّاسُ ويَسكُنونَ إلَيه، وقد جاءَ في هذه السّورةِ صِفةً لِلقَولِ في الخامِسةِ والثّامِنة: «قَولاً مَعروفاً»، وجاءَ هُنا بِلا مَوصوف، فيَتَّسِعُ لِكُلِّ قَولٍ أو فِعلٍ يُعرَفُ خَيرُه.

وثالِثُها الإصلاحُ من ص-ل-ح، شَدُّ الأجزاءِ حتّى يَخلُصَ الشَّيءُ سَليماً، وقد قُيِّدَ بِمَوضِعِه: «بَينَ النّاس»، فهو شَدٌّ يَقَعُ في ما يَصِلُ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعض. وقد جاءَ «بَينَ النّاس» في هذه السّورةِ مَرَّتَين قَبلَ هذه مَعَ الحُكم: في الثّامِنةِ والخَمسين، وفي الخامِسةِ بَعدَ المِئة، وجاءَ هُنا مَعَ الإصلاح، فما يَفصِلُ فيه الحاكِمُ بِحُكمِه يَشُدُّه المُصلِحُ بِكَلِمَتِه. ويَجتَمِعُ الجِذرانِ، الخَيرُ والإصلاح، في جُملةٍ واحِدةٍ في الثّامِنةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.

والثَّلاثةُ كُلُّها تَتَعَدّى المُتَكَلِّمَ إلى النّاس: الصَّدَقةُ عَطاءٌ يَنتَقِلُ من يَدٍ إلى يَد، والمَعروفُ ما يَعرِفُه النّاس، والإصلاحُ في «البَين» الذي يَجمَعُهُم. فعلى الوَجهِ المُتَّصِلِ يَكونُ الخَيرُ في النَّجوى نَفسِها حينَ يَأمُرُ صاحِبُها بِما يَخرُجُ بِه الكَلامُ من دائرَتِها إلى النّاس، وعلى المُنقَطِعِ يَكونُ في أمرِ الآمِرِ بِهذه الثَّلاثة.

«وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ»: فِعلٌ يُطلَبُ بِه ما يَرضاه الله

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ من «أمَرَ» إلى «يَفعَلْ»: «ومَن يَفعَلْ ذلك». و«ذلك» يَحتَمِلُ أن يُشيرَ إلى الأمرِ الذي تَقَدَّمَ ذِكرُه، والأمرُ فِعلٌ من الأفعال، ويَحتَمِلُ أن يُشيرَ إلى الثَّلاثةِ المَأمورِ بِها، فيَكونَ الفاعِلُ مَن يَتَصَدَّقُ أو يَعمَلُ المَعروفَ أو يُصلِحُ بِنَفسِه. والإشارةُ تَتَّسِعُ لِلوَجهَين.

و«ابتِغاءَ مَرضاتِ الله» يُبَيِّنُ ما يُطلَبُ بِالفِعل، والابتِغاءُ من ب-غ-ي، قَصدٌ يَتَعَلَّقُ بِشَيءٍ لم يُنَلْ بَعدُ ويَسري إلَيه، والمَرضاةُ من ر-ض-و، ما يَقَعُ بِه الرِّضا، و«مَرضاتِ الله» ما يَرضاه اللهُ من الفِعل. والجِذرُ نَفسُه جاءَ في الآيةِ الثّامِنةِ بَعدَ المِئة، في قَومٍ يَستَخفونَ من النّاس: إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ﴾. فالكَلامُ الخَفِيُّ يوزَنُ في المَوضِعَينِ بِمِيزانٍ واحِد: هُناكَ قَولٌ يُبَيَّتُ مِمّا لا يَرضاه الله، وهُنا أمرٌ بِالخَيرِ يُطلَبُ بِه ما يَرضاه.

«فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا»: وَعدٌ بِلِسانِ المُتَكَلِّم

وجَوابُ «مَن»: «فسَوفَ نُؤتيه أجراً عَظيماً»، وقد انتَقَلَ الكَلامُ من اسمِ اللهِ في «مَرضاتِ الله» إلى ضَميرِ المُتَكَلِّمِ في «نُؤتيه»، فالوَعدُ يَأتي بِلِسانِ المُتَكَلِّمِ مُباشَرة، و«سَوفَ» تَضَعُه في وَقتٍ آتٍ. والأجرُ من أ-ج-ر، ما يَجتَمِعُ لِلعامِلِ على عَمَلِه ثُمَّ يَجري إلَيه، و«عَظيماً» من ع-ظ-م تَصِفُه بِالجِرمِ والثِّقَل. وهذه الجُملةُ بِلَفظِها خَتَمَتِ الآيةَ الرّابِعةَ والسَّبعينَ في مَن يُقاتِلُ في سَبيلِ الله: وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فمَن يَفعَلُ ذلك يَطلُبُ ما يَرضاه اللهُ يُوعَدُ بِاللَّفظِ الذي وُعِدَ بِه المُقاتِلُ في السَّبيل.


حَصيلة

تَنفي الآيةُ الخَيرَ، من خ-ي-ر، أي الأثَرَ النّافِعَ السّاري، عن كَثيرٍ من نَجواهُم، والنَّجوى من ن-ج-و كَلامٌ يُرفَعُ عن سَمعِ غَيرِ أهلِه ويَنعَقِدُ بَينَهُم، والضَّميرُ يَتَّسِعُ لِلقَومِ الذينَ دارَت عَلَيهِمُ الآياتُ السّابِقةُ ولِلنّاسِ عامّة. ثُمَّ تَستَثني «مَن أمَرَ»، والاستِثناءُ يَحتَمِلُ الاتِّصالَ والانقِطاع، وفي الوَجهَينِ يَبقى الخَيرُ مَعقوداً بِالأمرِ بِثَلاثة: صَدَقةٍ من ص-د-ق، ومَعروفٍ من ع-ر-ف، وإصلاحٍ من ص-ل-ح يَقَعُ «بَينَ النّاس»، وكُلُّها تُخرِجُ الكَلامَ من دائرةِ أهلِه إلى غَيرِهِم. ثُمَّ تَعقِدُ الأجرَ بِفِعلٍ يُطلَبُ بِه ما يَرضاه الله، والجِذرُ نَفسُه وَزَنَ في الآيةِ الثّامِنةِ بَعدَ المِئةِ قَولاً يُبَيَّتُ مِمّا لا يَرضاه، وتَختِمُ بِوَعدٍ بِلِسانِ المُتَكَلِّمِ هو الوَعدُ الذي خُتِمَت بِه الآيةُ الرّابِعةُ والسَّبعون.