النساء · الآية 148

﴿۞ لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا

«لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ»: مَحَبّةٌ تُرفَعُ عن فِعل

تَبدَأُ الآيةُ بِنَفيِ المَحَبّة: «لا يُحِبُّ الله»، وقد جَرى هذا النَّفيُ في السّورةِ من قَبلُ على أصحابِ صِفات: على «مَن كانَ مُختالاً فَخوراً» في الآيةِ السّادِسةِ والثَّلاثين، وعلى «مَن كانَ خَوّاناً أثيماً» في السّابِعةِ بَعدَ المِئة، وهو هُنا واقِعٌ على فِعل: «الجَهرَ بِالسّوءِ من القَول». ونَفيُ المَحَبّةِ واقِعاً على فِعلٍ لَه في الكِتابِ مَوضِعانِ فَقَط: هذه الآية، وآيةٌ في سورةِ البَقَرة: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾، وسائرُ المَواضِعِ تَنفيها عن أصنافٍ من النّاس. فالآيةُ تَجعَلُ الكَلامَ نَفسَه مَوضِعَ الحُكمِ قَبلَ صاحِبِه.

والمَحَبّةُ من ح-ب-ب، تَعَلُّقٌ في الباطِنِ يَلزَمُ ما تَعَلَّقَ بِه، فنَفيُها يَرفَعُ هذا اللُّزومَ عن الجَهرِ بِالسّوء. والجَهرُ من ج-ه-ر، ما يَجتَمِعُ في الصَّدرِ فيَخرُجُ بِالنَّفَسِ كُلُّه ويَمتَدُّ حتّى يَبلُغَ الأسماعَ بِلا حِجاب، فالجَهرُ إعلانٌ يَنتَقِلُ بِه الكَلامُ من صاحِبِه إلى النّاس. والباءُ في «بِالسّوءِ» تَصِلُ الإعلانَ بِما يُعلَن، والسّوءُ من س-و-أ، ما يَتَسَرَّبُ إلى الشَّيءِ حتّى يَقطَعَ سَلامَتَه.

«مِنَ الْقَوْلِ»: السّوءُ حينَ يَصيرُ كَلاماً مُعلَناً

ثُمَّ تُبَيِّنُ «مِنَ القَولِ» جِنسَ هذا السّوء: هو السّوءُ الذي يَكونُ كَلاماً، فالمَنفيُّ عَنه المَحَبّةُ سوءٌ يُقالُ ويُرفَعُ بِه الصَّوت. والقَولُ من ق-و-ل، صَوتٌ يَنفَصِلُ عن صاحِبِه ويَمتَدُّ وهو مَعقودٌ بِه، فمَن جَهَرَ بِالسّوءِ من القَولِ أخرَجَه من صَدرِه إلى الأسماعِ وبَقِيَ مَنسوباً إلَيه. ولا يَرِدُ «مِنَ القَولِ» في هذه السّورةِ إلّا في مَوضِعَين: هُنا، وفي الآيةِ الثّامِنةِ بَعدَ المِئةِ حَيثُ يُبَيِّتُ الذينَ يَستَخفونَ من النّاسِ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ﴾، والقَولُ هُناكَ يُدَبَّرُ في اللَّيلِ خافِياً، وقد خُتِمَت تِلكَ الآيةُ بِأنَّ اللهَ كانَ بِما يَعمَلونَ مُحيطاً، وهو هُنا قَولٌ يُجهَرُ بِه، وتُختَمُ الآيةُ بِالسَّمعِ والعِلم. فالكَلامُ الذي لا يُرضي يَأتي في السّورةِ خافِياً مَرّةً ومُعلَناً مَرّة، واللهُ يُحيطُ بِالخافي ويَسمَعُ المُعلَن.

«إِلَّا مَن ظُلِمَ»: صَوتُ مَن وَقَعَ عَلَيه الظُّلم

ثُمَّ يَأتي الاستِثناء: «إلّا مَن ظُلِمَ». والفِعلُ مَبنيٌّ لِلمَجهول، فالآيةُ تُثبِتُ الظُّلمَ واقِعاً على صاحِبِه، ويَبقى الظّالِمُ خارِجَ اللَّفظ. والظُّلمُ من ظ-ل-م، وحُروفُه تَرسُمُ حِجاباً يُطبِقُ على ما يُصيبُه ثُمَّ يُلصِقُه بِغَيرِ مَكانِه، فالمَظلومُ مَن أُخِذَ ما لَه من مَوضِعِه فوُضِعَ في غَيرِه. وفي الكِتابِ مَوضِعٌ آخَرُ بِالحُروفِ نَفسِها في سورةِ النَّمل: إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾، والفِعلُ هُناكَ مَبنيٌّ لِلمَعلوم، والمُستَثنى مَن فَعَلَ الظُّلم، وهو هُنا مَبنيٌّ لِلمَجهول، والمُستَثنى مَن وَقَعَ عَلَيه. فالحَرَكةُ وَحدَها تَنقُلُ اللَّفظَ الواحِدَ من الظّالِمِ إلى المَظلوم، وفي المَوضِعَينِ يَجتَمِعُ الظُّلمُ والسّوء.

ويَحتَمِلُ الاستِثناءُ وَجهَين. فقد يَكونُ مُتَّصِلاً، يُخرِجُ مِمَّن يَجهَرونَ بِالسّوءِ، وقد دَلَّ عَلَيهِمُ الجَهرُ نَفسُه، مَن وَقَعَ عَلَيه الظُّلم، فيَكونُ المَعنى: لا يُحِبُّ اللهُ أن يَجهَرَ أحَدٌ بِالسّوءِ من القَولِ إلّا المَظلوم، فجَهرُه خارِجٌ عمّا نُفِيَت عَنه المَحَبّة. وقد يَكونُ مُنقَطِعاً في مَعنى «لكِنْ»، فيَبقى النَّفيُ الأوَّلُ على عُمومِه، ويَكونُ ما بَعدَ «إلّا» كَلاماً مُستَأنَفاً: لكِنَّ مَن ظُلِمَ لَه أن يَجهَرَ بِما وَقَعَ عَلَيه. وعلى الوَجهَينِ يَكونُ لِلمَظلومِ في الجَهرِ ما لَيسَ لِغَيرِه، والآيةُ تَعقِدُ ذلك بِالظُّلمِ الواقِعِ عَلَيه، فعِلّةُ الإذنِ ما أصابَه.

«وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا»: سَمعٌ لِلجَهر، وعِلمٌ بِما وَراءَه

وتُختَمُ الآيةُ بِـ«وكانَ اللهُ سَميعاً عَليماً». و«سَميعاً» من س-م-ع، والجِذرُ ما يَدخُلُ من مَنفَذٍ ضَيِّقٍ فيُمسَكُ في العُمق، والوَصفُ على «فَعيل» سَمعٌ ثابِتٌ صِفةً لِلّه، وهو يُقابِلُ «الجَهرَ» في صَدرِ الآية: ما يُرفَعُ بِه الصَّوتُ يَبلُغُ سَمعاً لا يَفوتُه مِنه شَيء. و«عَليماً» من ع-ل-م يُحيطُ بِما وَراءَ الصَّوت: أوَقَعَ الظُّلمُ على الجاهِرِ أم لم يَقَع، وما الذي في صَدرِه حينَ جَهَر. فالخِتامُ يَضَعُ القَولَ المُعلَنَ تَحتَ سَمع، والظُّلمَ الذي يُفتَحُ بِه لِلمَظلومِ بابُ الجَهرِ تَحتَ عِلم.


حَصيلة

تَرفَعُ الآيةُ مَحَبّةَ اللهِ، من ح-ب-ب، عن فِعلٍ لا عن صِنفٍ من النّاس: الجَهرِ، من ج-ه-ر، بِالسّوءِ، من س-و-أ، من القَول، من ق-و-ل، أي أن يَخرُجَ ما يَقطَعُ السَّلامةَ كَلاماً مُعلَناً يَبلُغُ الأسماعَ مَنسوباً إلى قائلِه. ثُمَّ تَستَثني مَن ظُلِمَ، من ظ-ل-م، بِفِعلٍ مَبنيٍّ لِلمَجهولِ يُثبِتُ الظُّلمَ ويَترُكُ الظّالِمَ خارِجَ اللَّفظ، والاستِثناءُ يَحتَمِلُ الاتِّصالَ والانقِطاع، وعلى الوَجهَينِ يَكونُ لِلمَظلومِ في الجَهرِ ما لَيسَ لِغَيرِه بِسَبَبِ ما وَقَعَ عَلَيه. وتَختِمُ بِسَمعٍ، من س-م-ع، يُقابِلُ الجَهر، وعِلمٍ يُحيطُ بِما وَراءَه.