النساء · الآية 147

﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا

«مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ»: سُؤالٌ يَنفي حاجةً

تَجيءُ الآيةُ بَعدَ الدَّرْكِ الأسفَلِ من النّارِ في الآيةِ الخامِسةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئة، والأجرِ العَظيمِ في السّادِسةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئة، فتَسأَل: «ما يَفعَلُ اللهُ بِعَذابِكُم». و«ما» في صَدرِها اسمُ استِفهامٍ يَقَعُ عَلَيه الفِعلُ «يَفعَلُ»، وقُدِّمَ عَلَيه لِأنَّ الاستِفهامَ يَتَصَدَّرُ كَلامَه. والسُّؤالُ في اللَّفظ، ومَعناه النَّفي: لا يَصنَعُ اللهُ بِعَذابِكُم شَيئاً ولا يَنالُ بِه شَيئاً. وانتَقَلَ الكَلامُ من ذِكرِ المُنافِقينَ والمُؤمِنينَ بِضَميرِ الغائبِ إلى خِطابٍ مُباشِر: «بِعَذابِكُم»، «شَكَرتُم»، «آمَنتُم»، والمُخاطَبونَ بِلا اسم، فالخِطابُ يَتَّسِعُ لِمَن ذُكِرَ قَبلَه ولِكُلِّ مَن يَسمَعُه.

والفِعلُ «يَفعَلُ» من ف-ع-ل، ما يَخرُجُ من صاحِبِه ظاهِراً ويَعلَقُ بِما يَقَعُ عَلَيه، والباءُ في «بِعَذابِكُم» تَجعَلُ العَذابَ آلةً يُفعَلُ بِها: ما الذي يَبلُغُه اللهُ بِهذه الآلة، وأيُّ شَيءٍ يَعودُ إلَيه مِنها؟ والعَذابُ من ع-ذ-ب، إمساكٌ مُلتَحِمٌ يَنفُذُ مِنه الألَمُ حادّاً ويُحبَسُ على مَن أصابَه، وقد أُضيفَ إلى المُخاطَبين: «عَذابِكُم»، فهو عَذابٌ يَنزِلُ بِهِم. فالسُّؤالُ يَنفي أن يَكونَ لِلهِ في هذا الإمساكِ المُؤلِمِ غَرَضٌ يَطلُبُه، والعَذابُ الذي ذُكِرَ في الآياتِ قَبلَها لَيسَ حاجةً لِمَن يُعَذِّب.

ولِلسّورةِ سُؤالٌ على هذا النَّسَقِ في الآيةِ التّاسِعةِ والثَّلاثين: وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وقد خُتِمَت بِـوَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. هُناكَ يُسأَلُ عَمّا يُثقِلُ الغائبينَ لو آمَنوا وأنفَقوا مِمّا رَزَقَهُمُ الله، وهُنا عَمّا يَفعَلُه اللهُ بِعَذابِ المُخاطَبينَ إن شَكَروا وآمَنوا، وفي السُّؤالَينِ نَفيٌ مَصوغٌ في صورةِ الاستِفهام: لا شَيءَ يُثقِلُهُم لو آمَنوا وأنفَقوا، ولا شَيءَ يَبلُغُه اللهُ بِعَذابِهِم إن شَكَروا وآمَنوا، والآيَتانِ تُختَمانِ بِـ«وكانَ اللهُ» وبِعِلمِه.

«إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ»: شُكرٌ يُمسِكُ العَطاء، وثِقةٌ تُخرِجُ الأمان

والشَّرطُ «إن شَكَرتُم وآمَنتُم» يُعَلِّقُ هذا النَّفيَ بِفِعلَين، وجَوابُه مَفهومٌ من السُّؤالِ قَبلَه: إن شَكَرتُم وآمَنتُم فلا شَيءَ يَصنَعُه اللهُ بِعَذابِكُم. والشُّكرُ من ش-ك-ر، وحُروفُه تَرسُمُ عَطاءً يُتَلَقّى فيُضَمُّ ويُمسَكُ فلا يَضيعُ مِنه شَيء، ثُمَّ يَجري أثَرُه ظاهِراً على مَن تَلَقّاه، ومنه قَولُ العَرَبِ «فَرَسٌ شَكور» لِلدّابّةِ يَكفيها العَلَفُ القَليلُ فيَظهَرُ عَلَيها من السِّمَنِ أكثَرُ مِنه. فالشّاكِرُ يَحفَظُ ما أُعطِيَ ويَدَعُ أثَرَه يَظهَرُ فيه، والآيةُ تَترُكُ مُتَعَلَّقَ الشُّكرِ مَفتوحاً على كُلِّ ما أُعطِيَه المُخاطَبون.

والإيمانُ من أ-م-ن، أمنٌ يَسكُنُ في الباطِنِ ثُمَّ يَخرُجُ إلى ما حَولَه، وهو في هذا الكِتابِ إعطاءُ الثِّقة، وقد جاءَ هُنا بِلا مُتَعَلَّقٍ كالشُّكرِ قَبلَه. والفِعلانِ ماضِيانِ في الشَّرط، والواوُ تَجمَعُهُما في شَرطٍ واحِد، فالنَّفيُ مُعَلَّقٌ بِهِما مَعاً. و«شَكَرتُم» بِلَفظِه في مَوضِعَينِ من الكِتاب: هُنا، وفي سورةِ إبراهيم: لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾، والشُّكرُ هُناكَ يُقابِلُه الكُفر، والزِّيادةُ في جانِبِ الشُّكر، والعَذابُ في جانِبِ الكُفر. وهُنا يُقرَنُ الشُّكرُ بِالإيمان، ويُسأَلُ عن العَذابِ سُؤالاً يَنفيه عن أهلِهِما، فالمَوضِعانِ يَضَعانِ العَذابَ في الجِهةِ المُقابِلةِ لِلشُّكر.

«وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا»: الشُّكرُ يَعودُ صِفةً لِلّه

ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِـ«وكانَ اللهُ شاكِراً عَليماً»، فيَعودُ الجِذرُ الذي كانَ فِعلاً لِلمُخاطَبينَ صِفةً لِلّه: هُم «شَكَروا» وهو «شاكِر». وشُكرُ اللهِ على ما تَرسُمُه الحُروفُ ويَشهَدُ لَه «فَرَسٌ شَكور»: يُمسِكُ ما يَأتيه من عَمَلِ عِبادِه فلا يَضيعُ عِندَه مِنه شَيء، ويَجعَلُ لَه من الأثَرِ أكثَرَ مِنه. و«كانَ» تُثبِتُ الوَصفَ صِفةً قائمةً لا يَحُدُّها زَمَن، و«عَليماً» من ع-ل-م تَقرِنُ هذا الشُّكرَ بِعِلمٍ يُحيطُ بِالشُّكرِ والإيمانِ حَيثُ يَكونانِ في الباطِن، فلا يَفوتُه مِنهُما ما خَفِيَ عن النّاس.

ولم يُوصَفِ اللهُ بِـ«شاكِر» في الكِتابِ إلّا في مَوضِعَين، قُرِنَ في كِلَيهِما بِـ«عَليم»: هُنا، وفي سورةِ البَقَرة: وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، والشُّكرُ هُناكَ يَلقى خَيراً تَطَوَّعَ بِه صاحِبُه، وهو هُنا يَلقى شُكراً وإيماناً. ويَجري في هذه الآيةِ نَسَقٌ تَعرِفُه السّورة: فِعلُ العَبدِ يَلقاه اسمٌ لِلهِ من جِذرِه، فقد جاءَ في الآيةِ السّادِسةَ عَشْرةَ «تابا» ثُمَّ «تَوّاباً»، ويَأتي في الآيةِ التّاسِعةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئةِ «تَعفوا» ثُمَّ «عَفُوّاً».


حَصيلة

تَسأَلُ الآيةُ سُؤالاً مَعناه النَّفي: ما يَفعَلُ اللهُ بِعَذابِكُم، والفِعلُ من ف-ع-ل ما يَخرُجُ من صاحِبِه ويَعلَقُ بِما يَقَعُ عَلَيه، والعَذابُ من ع-ذ-ب قَبضةٌ مُؤلِمةٌ تُحبَسُ على صاحِبِها، فلا غَرَضَ لِلهِ في هذه القَبضةِ يَبلُغُه. ثُمَّ تُعَلِّقُ ذلك بِشُكرٍ من ش-ك-ر يُمسِكُ العَطاءَ ويُظهِرُ أثَرَه، وإيمانٍ من أ-م-ن يُخرِجُ الأمانَ من الباطِن. وتَختِمُ بِأنَّ اللهَ كانَ شاكِراً عَليماً، فالجِذرُ الذي كانَ فِعلاً لِلمُخاطَبينَ يَعودُ صِفةً لِلهِ يُمسِكُ بِها ما يَأتيه مِنهُم ويَجعَلُ لَه أثَراً أكثَرَ مِنه، مَقرونةً بِعِلمٍ من ع-ل-م يُحيطُ بِما في الباطِن، على ما قُرِنَ بِه «شاكِر» في المَوضِعِ الآخَرِ الذي وَصَفَ بِه الكِتابُ اللهَ.