النساء · الآية 78

﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا

«أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ»: مَوتٌ يَلحَقُ حَيثُ كانَ المَرء

تَبدَأُ الآيةُ بِخِطابِ جَماعةٍ في «تَكونوا» و«يُدرِككُّم»، فتَصِلُ خِطابَ «ولا تُظلَمون» الذي خُتِمَت بِه الآيةُ السّابِقة. و«أينَما» تَعُمُّ الأمكِنةَ كُلَّها، فكُلُّ مَوضِعٍ يَكونونَ فيه يَبلُغُه ما بَعدَها: «يُدرِككُّمُ المَوت». والإدراكُ من د-ر-ك، دَفعٌ يَجري إلى جِهَتِه حتّى يَلحَقَ ما أمامَه فيَلتَقيَ بِه، ومنه «أدرَكَ الرَّجُلُ صاحِبَه» إذا لَحِقَه، فالمَوتُ في الآيةِ لاحِقٌ يَسعى، والمُخاطَبونَ أمامَه مَلحوقون، والفِعلُ جَوابٌ لِـ«أينَما»، فالإدراكُ يَصحَبُ كُلَّ مَكانٍ يُذكَر.

وبِهذا يَقَعُ الكَلامُ قُبالةَ طَلَبِهِم في الآيةِ السّابِقة: «لولا أخَّرتَنا إلى أجَلٍ قَريب»، فالمُهلةُ التي طَلَبوها قَبلَ القِتالِ تَبقى داخِلَ مَوتٍ يَلحَقُ في كُلِّ مَكان، في القِتالِ وفي غَيرِه. وفي هذه السّورةِ مَوضِعٌ آخَرُ يُدرِكُ فيه المَوتُ صاحِبَه، ولا يَأتي هذا الفِعلُ مَعَ المَوتِ في الكِتابِ إلّا فيه وفي هذه الآية: ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، فهُناكَ يُدرِكُ المَوتُ مَن خَرَجَ من بَيتِه مُهاجِراً إلى اللهِ ورَسولِه، وهُنا يُدرِكُ، في ظاهِرِ الخِطاب، مَن طَلَبَ أن يُؤَخَّر.

«وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ»: أعلى ما يُبنى وأشَدُّه

ثُمَّ «ولو كُنتُم في بُروجٍ مُشَيَّدة»، و«لو» هُنا تَمُدُّ العُمومَ إلى أبعَدِ ما يُحتَمى بِه: حتّى هذا المَوضِعُ يَبلُغُه الإدراك. والبُروجُ جَمعُ بُرج، من ب-ر-ج، وهو البُروزُ والظُّهور، ومنه «التَّبَرُّج» إظهارُ الزّينة، فالبُرجُ بِناءٌ يَبرُزُ عمّا حَولَه ويَعلو فيُرى من بَعيد. و«مُشَيَّدة» من ش-ي-د، والشِّيدُ ما يُطلى بِه البِناءُ من جِصٍّ ونَحوِه فيَشتَدُّ ويَتَماسَك، و«المُشَيَّدُ» المَرفوعُ المُحكَم، فالكَلِمَتانِ تَجمَعانِ العُلُوَّ والإحكامَ في مَوضِعٍ واحِد، ويَكونُ المَوضِعُ الذي تَذكُرُه الآيةُ أعلى البِناءِ وأمنَعَه.

و«بُروج» في الكِتابِ أربَعُ مَرّات: ثَلاثٌ مِنها في السَّماء، كَما في وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾، وهذه الرّابِعةُ وَحدَها تَصِفُها «مُشَيَّدة»، فهي بُروجٌ مَبنيّة. والتَّنكيرُ في «بُروجٍ» يَفتَحُ البابَ لِكُلِّ ما كانَ من هذا الجِنس، والجَمعُ يُكَثِّرُه، فكُلُّ حِصنٍ مَرفوعٍ داخِلٌ في الكَلام.

«وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ»: قِسمةٌ يُجريها القائلون

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ من الخِطابِ إلى الحَديثِ عن غائبين: «وإن تُصِبهُم حَسَنةٌ يَقولوا هذه من عِندِ الله، وإن تُصِبهُم سَيِّئةٌ يَقولوا هذه من عِندِك». والضَّميرُ في «تُصِبهُم» يَحتَمِلُ أن يَعودَ على الفَريقِ الذي ذُكِرَ في الآيةِ السّابِقة، ويَحتَمِلُ جَماعةً أوسَعَ يُسَمّيها آخِرُ الآيةِ «هؤلاءِ القَوم»، والآيةُ تَترُكُ ذلك مَفتوحاً. والإصابةُ من ص-و-ب، ما يَنصَبُّ على مَوضِعِه فيَبلُغُه، وقد أُسنِدَتِ الإصابةُ إلى الحَسَنةِ والسَّيِّئةِ أنفُسِهِما، فكِلتاهُما تَنزِلُ عَلَيهِم نُزولَ ما يَبلُغُ غَرَضَه. والحَسَنةُ من ح-س-ن، ما يَخرُجُ خالِصاً فيَقَعُ في النَّفسِ لَطيفاً، والسَّيِّئةُ من س-و-أ، ما يَنطَبِقُ على صاحِبِه فيَقطَعُ عَلَيه سَلامَتَه، وكِلتاهُما نَكِرةٌ تَقَعُ على كُلِّ ما كانَ من جِنسِها.

و«إنْ» مَعَ فِعلٍ مُضارِعٍ تَجعَلُ القَولَ عادةً تَتَجَدَّدُ كُلَّما أصابَهُم شَيء، وفي قَولِهِم «هذه» إشارةٌ إلى ما أصابَهُم حاضِراً بَينَ أيديهِم، ثُمَّ نِسبةٌ لَه إلى جِهةٍ بِعَينِها: الحَسَنةُ إلى الله بِقَولِهِم «من عِندِ الله»، والسَّيِّئةُ إلى المُخاطَبِ بِقَولِهِم «من عِندِك». و«عِند» من ع-ن-د، ظَرفٌ لِما يَكونُ في قُربِ الشَّيءِ وحَوزَتِه، فـ«من عِندِ فُلان» ما يَخرُجُ من الجِهةِ التي هو فيها ويَحوزُها. وبِهذا الظَّرفِ نَفسِه تَقولُ الآيةُ الحادِيةُ والثَّمانون: فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ﴾، فـ«عِندَكَ» هُناكَ مَوضِعٌ يَحضُرُه القائلونَ ثُمَّ يَبرُزونَ مِنه، وهُنا يُجعَلُ مَخرَجاً لِما يَسوء.

«قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ»: كَلِمةٌ تَجمَعُ ما فُرِّق

ويَأتي الأمرُ «قُل» بِجَوابٍ من أربَعِ كَلِمات: «كُلٌّ من عِندِ الله». و«كُلٌّ» مُنَوَّنةٌ تَنوينَ عِوَضٍ عمّا حُذِفَ بَعدَها، والمَحذوفُ ما ذُكِرَ قَبلَها، الحَسَنةُ والسَّيِّئةُ مَعاً، فالكَلِمةُ تَضُمُّ ما فَرَّقوه. وقد أبقى الجَوابُ لَفظَهُم «من عِند» وأبدَلَ ما بَعدَه، فالنِّزاعُ في الجِهةِ التي يَخرُجُ مِنها ما يُصيبُهُم: هُم جَعَلوا لَه جِهَتَين، والجَوابُ رَدَّه إلى جِهةٍ واحِدة. وبِهذا الظَّرفِ نَفسِه يُرَدُّ في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتابِ على قَومٍ جَعَلوا ما يُصيبُهُم من السَّيِّئةِ طِيَرةً بِرَسولٍ ومَن مَعَه: أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾.

«فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا»: فَهمٌ لا يَقرُبُ من باطِنِ الكَلام

وتُختَمُ الآيةُ بِسُؤالٍ يُتَعَجَّبُ فيه من أمرِهِم: «فمالِ هؤلاءِ القَومِ لا يَكادونَ يَفقَهونَ حَديثاً». و«هؤلاء» إشارةٌ تُحضِرُهُم بَينَ يَدَيِ المُخاطَب، والفِقهُ من ف-ق-ه، شَقُّ الظّاهِرِ حتّى يُبلَغَ ما انعَقَدَ في باطِنِه، فهو فَهمٌ يَنفُذُ إلى ما تَحتَ اللَّفظ. و«لا يَكادون» نَفيٌ لِلقُربِ من الفِعلِ نَفسِه، فهُم بَعيدونَ عن أن يَقرُبوا من الفِقه، و«حَديثاً» نَكِرةٌ تَعُمُّ كُلَّ ما يُحَدَّثونَ بِه، ومِنه الجَوابُ الذي أُمِرَ المُخاطَبُ أن يَقولَه: «كُلٌّ من عِندِ الله». فقِسمَتُهُم ما يُصيبُهُم بَينَ جِهَتَينِ وُقوفٌ عِندَ ظاهِرِ ما يَقَع، والفِقهُ يَنفُذُ إلى الجِهةِ الواحِدةِ التي يَخرُجُ مِنها الكُلّ.


حَصيلة

تَصِلُ الآيةُ خِطابَ المُخاطَبينَ بِما قَبلَها: المَوتُ، من م-و-ت، يُدرِكُهُم، من د-ر-ك، أينَما كانوا، ولو كانوا في بُروجٍ بارِزةٍ عالية، من ب-ر-ج، شُدَّ بِناؤها ورُفِع، من ش-ي-د، فالمُهلةُ التي طَلَبوها تَبقى داخِلَ لِحاقٍ يَبلُغُ كُلَّ مَكان. ثُمَّ تَحكي ما يَقولونَه كُلَّما أصابَهُم شَيء: الحَسَنةُ «من عِندِ الله»، والسَّيِّئةُ «من عِندِك»، و«عِند»، من ع-ن-د، مَوضِعٌ في قُربِ صاحِبِه وحَوزَتِه، فهُم يَقسِمونَ ما يُصيبُهُم بَينَ جِهَتَين. ويَأتي الجَوابُ بِلَفظِهِم نَفسِه مَجموعاً: «كُلٌّ من عِندِ الله»، ثُمَّ يُتَعَجَّبُ من قَومٍ بَعيدينَ عن فِقهِ ما يُحَدَّثونَ بِه، من ف-ق-ه، شَقِّ الظّاهِرِ إلى ما انعَقَدَ في الباطِن.