البقرة · الآية 173

﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ: «إنّما» حصر مركّب + (ح ر م) صرامةٌ ملتصقة + «على» للاختصاص

«إنّما» تركيبٌ حصريّ مركّب من «إنّ» للتوكيد و«ما» الكافّة التي تُلغي اختصاص «إنّ» باسمها وتُطلق الجملة بعدها، ومعناها في مجموعها: «ما حرّم عليكم إلّا هذا»، فهي تُثبت شيئاً وتنفي كلّ ما سواه في آنٍ واحد. وهذا يُفيد أنّ التحريم في الأطعمة محصورٌ في هذه الأصناف الأربعة فحسب، وأنّ الأصل في سائر الأطعمة الإباحة ما لم يُخصَّص بدليلٍ آخر. وأمّا جذر (ح ر م) فنواته (ح ر) تجمع بين الاحتواء الحارّ (ح) والجريان الممتدّ (ر)، فتنشأ منها صرامةٌ حيّةٌ مستمرّة، وهي النواة نفسها في الحرّ والحُرّيّة والحرمة، والميم في ختام الكلمة تُفيد التلاصق والتجمّع. فالحُرمة في تركيبها الجذريّ صرامةٌ تلتصق بالشيء فتُحيطه بحمايةٍ صارمة، والتحريم إلصاقُ هذه الحماية الصارمة بالشيء المحرَّم، وهو غيرُ منعٍ اعتباطيّ. و«عَلَيْكُمُ» حرف جرّ للاستعلاء في الظاهر، غير أنّه هنا لام الاختصاص في المعنى، والمراد أنّ التحريم مخصوصٌ بكم أنتم المؤمنين دون العالَمين جميعاً. والأمم السابقة حُرِّم عليها أشياء أكثر، ففي هذا التخصيص تخفيفٌ وإكرام.

الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ: ترتيب المحرّمات الحسّيّة الثلاث + (م و ت) انقطاعٌ مُنطوٍ + (د م م) السائل المنسرب + (خ ن ز) التخمّر المُنتِن

وجاء ذكر المحرّمات معطوفاً بالواو، والواو في هذا السياق تُفيد الجمع المطلق لا الترتيب الزمنيّ، غير أنّ لترتيب الذكر دلالة، وهو من الكلّ إلى الجزء إلى النوع: «الميتة» الجسد كاملاً بعد انقطاع الحياة، ثمّ «الدم» جزءٌ من الجسد وإن استُخرج منه، ثمّ «لحم الخنزير» نوعٌ بعينه مستثنىً من الإباحة وإن ذُكّي. وجذر (م و ت) قد تقدّم في الآية 154، ونواته (م و) تجمّعٌ ينطوي على نفسه، والتاء ختامُ القطع، فالميتة في تركيبها الجذريّ جسدٌ انطوى على نفسه فانقطعت حركتُه الحيويّة من غير أن تسبق ذلك ذِكاةٌ تُحرّر الدم وتَحفظ اللحم. وجذر (د م م) يُفيد فيه تضعيفُ الدال الكثافة، ونواته (د م) احتباسٌ يتجمّع وينسرب، فالدم سائلٌ مُكتنِز يجري بقوّة ويترك أثراً دامياً. وجذر (خ ن ز) نواته (خ ن)، وهي خروجٌ من الداخل بثقل، والزاي ختام الاكتناز، فالخنز في تركيبه الجذريّ تخمّرٌ بعد فسادٍ داخليّ يُخرج رائحةً كريهة، ومن هنا حمل الخنزير هذا الاسم لاستعداد لحمه للفساد السريع. فالمحرّمات الثلاث الأولى تشترك كلّها في سمةٍ واحدة هي احتباسٌ داخليّ للفساد، إمّا لانقطاع التذكية (الميتة)، أو لكثافة السائل المنسرب (الدم)، أو لاستعداد اللحم للتخمّر (الخنزير).

وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ: من الحسّيّ إلى الرمزيّ + (هـ ل ل) رفع الصوت + «لغير الله» علامة ولاء لا وصف طعام

وجاء المحرَّم الرابع منفصلاً عن الثلاثة السابقة بـ«ما» الموصولة، غيرَ معطوفٍ عليها مباشرةً في وزنها، والسبب أنّ الثلاثة الأولى تحريمٌ للذات لخللٍ في الجسم، وهذا الرابع تحريمٌ للعلامة لخللٍ في الولاء. و«أُهِلَّ» فعل ماضٍ مبنيّ للمجهول من جذر (هـ ل ل)، ونواته (هـ ل) رفعُ الصوت وإظهارُه، فالإهلال في الأصل رفع الصوت بالشيء إعلاناً به، ومنه «هلال» الشهر لمن يُرفَع الصوت برؤيته، ومنه «استهلال» المولود، وهو صراخُه الأوّل. ومعنى «أُهِلَّ به لغير الله» أنّه رُفِع الصوت عند ذبحه باسم غير الله، فموضع التحريم هنا الاسمُ الذي يُربَط به الذبح، دون اللحم بعينه وطريقة القتل. والباء في «بِهِ» باء الإلصاق، فالاسم مُلصَقٌ بالمذبوح، وبه صار الطعام حاملاً لعلامة ولاءٍ لغير الله. واللام في «لِغَيْرِ اللَّهِ» لام التخصيص، أي أنّ الذبح مُخصَّصٌ لسواه دونه. وهذا التحريم هو الوحيد من الأربعة الذي يُعيد القضيّة إلى جذر التوحيد مباشرةً، ويُؤكّد أنّ الطعام علامةُ وَلاءٍ في لحظة إعداده، زيادةً على كونه مادّةً غذائيّة.

فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ: فاء التفريع + «مَن» شرطيّة + افتعال (ض ر ر) انعصار قاهر + (ب غ ي) طلبٌ بغير حقّ + (ع د و) تجاوز الحدّ

والفاء في فَمَنِ فاء التفريع على ما قبلها، فبعد إحكام الحصر في التحريم يُفرَّع عليه استثناءٌ منضبط. و«مَن» شرطيّةٌ فعلُها «اضْطُرَّ»، وهو ماضٍ في محلّ جزمٍ فعلاً للشرط، وجوابها «فلا إثم عليه». و«اضْطُرَّ» فعل ماضٍ على وزن افتعال في جذر (ض ر ر) مبنيّ للمجهول، وصيغة الافتعال مع البناء للمجهول تُفيدان معنى الانعصار القاهر، فالمضطرّ مَن وقع عليه الضرّ فاضطرّ رغماً عنه، وهو غيرُ مَن طلب الضرّ أو اختاره. وهذا تحديدٌ دقيقٌ يُخرج من هذا الاستثناء كلَّ من يَتعمّد الوصول إلى حال الاضطرار. ثمّ قُيِّد الاستثناء بحالَين متمّمَين: غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ. وجذر (ب غ ي) نواته (ب غ)، وهي ظهورٌ يتجاوز حدّه، فالبغي طلب الشيء بغير حقّه أو تجاوز المقدار المشروع، و«باغٍ» اسم فاعل على وزن فاعل يُفيد القيام بالفعل في اللحظة. وأصل (ع د و) النواة (ع د)، وهي ظهورٌ يحتبس ثمّ يمتدّ، فالعدو في أصله المشي السريع المتعدّي للمكان، والاعتداء تجاوز الحدّ الخارجيّ. وقد جمع القيدان بين البُعد الداخليّ (البغي من جهة القصد) والبُعد الخارجيّ (العدوان من جهة القدرفالمضطرّ المأذون له هو من لم يَطلب الاضطرار بقصد (لا باغٍ) ولم يَتجاوز بكميّته ما يَسدّ رمقه (ولا عادٍ).

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ: ختام بصيغتَي فَعول/فَعيل + (غ ف ر) غطاء يَحجب الأثر + (ر ح م) سعةٌ صافيةٌ ملتصقة

و«إنَّ» للتوكيد، واسم الجلالة منصوبٌ بها، والخبر «غَفُورٌ رَّحِيمٌ» على وزنَي فَعول وفَعيل، ووزن فَعول في العربيّة يُفيد المبالغة في الفعل وكثرة وقوعه، ووزن فَعيل يُفيد الاسمَ الثابتَ اللازم، فاجتماعُهما في الختام يُفيد أنّ المغفرة فعلٌ متكرّرٌ كثيرُ الوقوع، وأنّ الرحمة اسمٌ ثابتٌ لازم. ونواة (غ ف ر) هي (غ ف)، غطاءٌ يفصل ويمتدّ، فالمغفرة في تركيبها الجذريّ ستارٌ يحجب الذنب عن المحاسبة ويفصله عن صاحبه. وجذر (ر ح م) قد تقدّم في البسملة والفاتحة، ونواته (ر ح) سعةٌ صافيةٌ، والميم تلاصق وجمع، فالرحمة سعةٌ صافيةٌ تلتصق بصاحبها فتحتويه. وختام الآية بالاسمَين معاً يُفيد أنّ المضطرّ الصادق لا يُحاسَب على ما أكل، ولا يُخرج من دائرة السعة الإلهيّة، وأنّه يُستر أثرُ فعله ويُحاط بسعةٍ تحتويه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة. و«الحرام» دورُ إلصاقِ الصرامة الواقية بما يُفسد الجسد (ميتة، دم، خنزير) أو يَنقض الولاء (ما أُهلّ لغير الله)، وليس مصطلحَ تضييقٍ شرعيّ؛ وحين يَقهر الاضطرارُ الإنسان فيقع عليه من حيث لم يَقصد، استحقّ أن يُرفَع عنه أثرُ الفعل دون أن يَسقط الحكمُ من أصله.


حَصيلة

تَحصُرُ الآيةُ المُحَرَّماتِ الغِذائِيَّةَ في أربَعٍ بِـ«إنَّما» المُركَّبَة: مَيتَةٌ (انقِطاعُ الحياةِ بلا تَذكِيَة)، ودَمٌ (سائِلٌ مُكتَنِزٌ يَنسَرِبُ)، ولَحمُ الخِنزيرِ (لَحمٌ مُستَعِدٌّ للفَسادِ السَّريع)، وما أُهِلَّ به لِغَيرِ الله. والتَّحريمُ الرّابِعُ أهَمُّها لأنَّه الوحيدُ المُعلَّقُ بالوَلاءِ دونَ الجِسم، ووَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ يَعني رَفعَ صَوتٍ (ه-ل-ل: إهلالٌ كإهلالِ الهِلال) باسمٍ غيرِ اسمِ الله عندَ الذَّبح، فيَصيرُ الطَّعامُ عَلامَةَ وَلاءٍ لا مادَّةَ غِذاء. والأصلُ الكُلّيُّ أنَّ الأطعِمَةَ مُباحَةٌ والتَّحريمُ استِثناء. ثمَّ يَفتَحُ الاستِثناءَ المَرِن: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، و«اضطُرَّ» مبنيٌّ للمجهول على افتِعالٍ، أي أنَّ الضَّرورَةَ وَقَعَت عليه قَهراً لا اختِياراً. ويَضبُطُ الإذنَ قَيدان: «غَيرَ باغٍ» أي غَيرَ طالِبٍ للزِّيادَةِ (البُعدُ الدّاخِليُّ للقَصد)، «ولا عادٍ» أي غَيرَ مُتَجاوِزٍ للمِقدارِ اللازِم (البُعدُ الخارِجيُّ للكَمِّيَّة). والخِتامُ بِـإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ طَمأنينَةٌ لا تَهديد، والمَغفِرَةُ (غ-ف-ر) فيه سِتارٌ يَحجُبُ الأثَر، والرَّحمَةُ (ر-ح-م) سَعَةٌ صافِيَةٌ تَحتَوي.