البقرة · الآية 213

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

(أ م م) مَع (و ح د): الوَحدةُ الأصليّةُ كَحالٍ أوّليّ

مَدارُ (أ م م) على الجَماعةِ التي تَقصِدُ وِجهةً واحِدة، ومَدارُ (و ح د) على الانفِرادِ بالعَدَد. و«كانَ النَّاسُ أُمّةً واحِدة» وَصفٌ لِبَساطةٍ بِنيويّةٍ في مَراحِلَ مُبَكِّرةٍ من الاجتِماعِ البَشَريّ، قَبلَ التَّعَقُّداتِ التي تَنشَأُ مَع تَراكُمِ الفَوارِق، أكثَرَ مِمّا هو وَصفٌ لِدينيّةٍ أوَّليّةٍ متَجانِسة. ولاستِدعاءِ هذه الحالِ الأوّليّةِ غَرَضٌ دَقيق، هو تَبيينُ أنَّ الاختِلافَ الحاليَّ بين النَّاسِ نَتيجةٌ لِعَمَليّةٍ تاريخيّة، وليس طَبيعةً في البَشَر، وبالتَّالي هو قابِلٌ لِلمُعالَجة.

(ب ع ث) مَع (ن ب أ): البَعثُ لا الاستِدعاء

والبَعثُ من (ب ع ث)، وهو إثارةُ الشَّيءِ من حالِ سُكونٍ إلى حالِ حَرَكةٍ لِغَرَضٍ مَحدود. وصِيغةُ «بَعَثَ النَّبيّينَ» تُشيرُ إلى أنَّ النُّبوّةَ إطلاقُ إنسانٍ كانَ بينهم في حالٍ عاديّةٍ لِمُهمّةٍ خاصّة، وليست مَنصِباً يَتَرَشَّحُ له النَّاس. والمؤكَّدُ أنَّ هذا مُهمٌّ لِفَهمِ وَظيفةِ النَّبيّ: هو يُبعَثُ من الجَماعةِ ليَعمَلَ فيها، ولا يَأتي بسُلطةٍ فَوقيّةٍ مُنفَصِلةٍ عنها.

(ك ت ب) مَع «معهم» مَع (ح ق ق): الكِتابُ كَحَكَمٍ لا كَمَغنَم

والحَرفُ «مَع» في «أنزَلَ مَعهُمُ الكِتاب» دَقيقُ الدَّلالة، وقد عُدِلَ فيه عن «إليهم»، أي لِيَكونَ الكِتابُ مِلكاً لَهم، وعن «عَليهم»، أي لِيَكونوا مَحكومينَ به حَصراً، إلى «مَعهم» بمَعنى رَفيقاً مُصاحباً، فَهُم حَمَلَةٌ لا أصحابُ مِلكيّة. وقَولُه «بالحَقّ» يَضمُّ الكِتابَ إلى المُطابَقةِ الواقِعيّة دونَ الهُويّةِ الجَماعيّة، فَمَن خالَفَ الواقِعَ خالَفَ الكِتابَ ولو كانَ يَحمِلُ اسمَه.

(خ ل ف) مَع (ب غ ي): الاختِلافُ بَعدَ البَيِّنةِ عَينُه البَغي

و(خ ل ف) يَدُلُّ على مَجيءِ شَيءٍ بَعدَ شَيءٍ لا يَتَّفِقُ معه، و(ب غ ي) يَدُلُّ على تَجاوُزِ الحَدِّ طَلَباً لِشَيءٍ أكبرَ من المُستَحَقّ. والجُملةُ «وما اختَلَفَ فيه إلاّ الَّذينَ أُوتوهُ من بَعدِ ما جاءَتهُم البَيِّناتُ بَغياً بَينَهم» تُحَدِّدُ بالضَّبطِ مَنشَأَ الاختِلاف، وهو البَغي، دونَ الجَهلِ والغُموض. والمُختَلِفونَ هُنا هُمُ الذين «أُوتوا» الكِتاب، أي صاحَبوه فَترةً من الزَّمن، ثُمَّ اختَلَفوا فيه عِندَما تَعَلَّقَ الأمرُ بِسُلطانٍ اجتِماعيّ. فالبَغيُ إذَن استِعمالٌ مُحَرَّفٌ لِلنَّصِّ أداةً لِلسُّلطة، وليس ضَعفاً فيه.

(ه د ي) مَع (أ ذ ن): الهِدايةُ بإذنٍ خاصّ

و(ه د ي) يَدُلُّ على الدَّلالةِ الدَّقيقةِ على الطَّريقِ بِلُطف، و(أ ذ ن) على الإباحةِ المُشتَرَطةِ بعِلم. وفي قَولِه «فَهَدى اللهُ الَّذينَ آمَنوا لِما اختَلَفوا فيه من الحَقِّ بإذنِه» قُيِّدَ فِعلُ الهِدايةِ بِـ«بإذنِه»، وهذا القَيدُ غَيرُ حَشوٍ لُغَويّ. والمَعنى على التَّحقيقِ أنَّ الوُصولَ إلى الحَقِّ في سِياقِ البَغيِ يَتِمُّ بإذنٍ إلَهيٍّ يَتَنَزَّلُ على مَن اختارَ تَركَ البَغي، ولا يَتِمُّ بقُوّةِ الذَّكاءِ الفَرديِّ ولا بتَحَزُّبٍ اجتِماعيّ. وبِهذه الكَلِمةِ تَخرُجُ الهِدايةُ من كَونِها جائزةً فِكريّة، وتَدخُلُ في حَقلِ الأخلاقِ الأدَبيّة.

(ص ر ط) مَع (ق و م): الصِّراطُ المُستَقيم

ومَعنى (ص ر ط) الطَّريقُ الواسِعُ الواضِحُ المَعالم، ومَعنى (ق و م) الاعتِدالُ والاستِواء. وخِتامُ الآيةِ «واللهُ يَهدي من يَشاءُ إلى صِراطٍ مُستَقيم» يُعيدُ الأمرَ إلى بَساطَته: الطَّريقُ المُستَقيمُ وِجهةٌ يَصِلُ إليها مَن شاءَ اللهُ هِدايَته، وليس مُلكَ طائفة. وهذا الخِتامُ يَنفي بالضَّبطِ ما كانَت تَدَّعيه الطَّوائفُ المُتَنازِعةُ على الكِتاب، وهو أنَّ الطَّريقَ مُلكٌ لِأُمّةٍ تَوارَثَته، والآيةُ تُعيدُ السَّماحَ بدُخولِ الطَّريقِ لِكُلِّ مَن يَأذَنُ اللهُ بدُخولِه، وتُلغي احتِكارَ التَّوريث.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: النَّبيُّ اسمٌ لِدَورِ مَن بُعِثَ من داخِلِ الجَماعةِ لِمُهمّةِ تَبليغِ الكِتاب، وليس مَنصِباً فَوقيّاً، والكِتابُ شَريكٌ لا امتِياز، والاختِلافُ بعدَ البَيِّنةِ اسمٌ لِدَورِ البَغيِ الذي يُحاوِلُ تَحويلَ النَّصِّ إلى شارَةِ هُويّةٍ احتِكاريّة، والهِدايةُ بإذنٍ خاصٍّ تَنتَقي مَن تَرَكَ البَغيَ دونَ مَن تَوَرَّثَ الامتِياز.


حَصيلة

تَرسُمُ هذه الآيةُ الطَّويلةُ تاريخَ الوَحيِ في ثَلاثِ مَراحِل. الأُولى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، والأُمَّةُ من -أ-م-م- جَماعةٌ تَقصِدُ وِجهةً واحِدة، والواحِدة من -و-ح-د- تَصِفُ بَساطةً بِنيَويّةً أُوليّة قَبلَ تَراكُمِ الفَوارِق، وهذا يُبيِّنُ أنَّ الاختِلافَ اللَّاحِقَ نَتيجةُ مَسار، وليس طَبيعةَ البَشَر. والثَّانية: البَعثُ، وهو من -ب-ع-ث- إثارةُ إنسانٍ من حالِ السُّكونِ لِمُهمّةٍ مَحدودة، وقد أُنزِلَ الكِتابُ «معهم» دونَ «إليهم»، فهُم حَمَلَةٌ لا أصحابُ مِلكيّة. والثَّالثة: الصَّدمة، إذ نَشَأَ الاختِلافُ في الكِتابِ من -ب-غ-ي-، وهو الاستِعلاءُ والتَّعَدِّي بين من أُوتوه بَعدَ أن جاءَتهُمُ البَيِّناتُ الواضِحةُ في ذاتِها، ولم يَنشَأْ من غُموضِه. ويَختِمُ الجذرُ -ه-د-ي- بالتَّصحيح: الهِدايةُ «بإذنِه» لا بالتَّوارُث، وهذا يَنقِضُ مَنطِقَ الاحتِكار، والطَّريقُ مَفتوحٌ لِمَن تَرَكَ البَغيَ دونَ مَنِ ادَّعى الإرث.