النساء · الآية 141

﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا

«الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ»: انتِظارٌ مَعقودٌ بِالمُخاطَبين

تَبدَأُ الآيةُ بِالمَوصولِ «الذينَ» ولا فِعلَ قَبلَه في الآيةِ نَفسِها، ويَحتَمِلُ اللَّفظُ أن يَكونَ وَصفاً لِـ«المُنافِقينَ» الذينَ ذُكِروا في خِتامِ الآيةِ السّابِقة، وأن يَكونَ ابتِداءَ كَلامٍ في ذَمِّهِم على تَقديرِ «هُمُ الذينَ»، وعلى الوَجهَينِ تُعَرِّفُ الآيةُ قَوماً بِصَنيعِهِم. و«يَتَرَبَّصونَ» من ر-ب-ص، ومادّتُه لُزومُ مَوضِعٍ في تَرَقُّبٍ مَشدودٍ إلى غاية، يُقالُ «تَرَبَّصَ بِه» إذا انتَظَرَ أن يَحُلَّ بِه خَيرٌ أو شَرّ. والفِعلُ على تَفَعَّل، فالتَّرَبُّصُ عَمَلٌ يَتَوَلّاهُ صاحِبُه ويَصبِرُ عَلَيه، وهو مُضارِعٌ يَجعَلُه حالاً قائمةً تَتَجَدَّد.

والباءُ في «بِكُم» تَعقِدُ هذا الانتِظارَ بِالمُخاطَبين، فما يَرقُبُه القَومُ شَيءٌ يَحُلُّ بِهِم، والمُنتَظَرُ في صَدرِ الآيةِ مُبهَمٌ لا اسمَ لَه. وفي الآيةِ الثّامِنةِ والتِّسعينَ من سورةِ التَّوبةِ يَرِدُ الفِعلُ نَفسُه مَعقوداً بِالمُخاطَبينَ بِالباءِ نَفسِها، ومَفعولُه مُسَمًّى: وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾، أمّا هُنا فالمُنتَظَرُ يَنكَشِفُ في الشَّرطَينِ اللَّذَينِ يَليانِ الفِعل: فَتحٌ يَكونُ لِلمُخاطَبين، أو نَصيبٌ يَكونُ لِلكافِرين. فالآيةُ تُقَسِّمُ الانتِظارَ على عاقِبَتَين، وتَجعَلُ لِكُلِّ عاقِبةٍ قَولاً يُقالُ عِندَها.

«فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ» و«نَصِيبٌ»: عاقِبَتانِ تُسَمّيهِما الآيةُ بِاسمَين

والشَّرطانِ مُتَقابِلانِ في بِنائِهِما: «فإن كانَ لَكُم فَتحٌ مِنَ الله»، «وإن كانَ لِلكافِرينَ نَصيبٌ». و«إنْ» مَعَ الماضي «كانَ» تَفرِضُ أمراً قد يَقَع، ولا تُخبِرُ بِأنَّه وَقَع، فالآيةُ تَصِفُ صَنيعاً يَتَكَرَّرُ كُلَّما جاءَت إحدى العاقِبَتَين. والفَتحُ من ف-ت-ح، شَقٌّ يَتِمُّ فيَعبُرُ مِنه العابِرُ إلى ما وَراءَه، ومنه «فَتَحَ البابَ» أزالَ ما يَمنَعُ العُبور، والنَّصيبُ من ن-ص-ب، حِصّةٌ تُقامُ لِصاحِبِها وتُشَدُّ إلَيه.

والآيةُ هي التي تُسَمّي العاقِبَتَينِ قَبلَ أن تَحكِيَ ما يَقولُه القَوم، فتُعطي المُخاطَبينَ «فَتحاً» وتَصِلُه بِاللهِ بِـ«مِن»، وتُعطي الكافِرينَ «نَصيباً» مُجَرَّداً من ذِكرِ مَصدَرِه. فالفَتحُ انفِتاحٌ يُعبَرُ مِنه وجِهَتُه مُسَمّاة، والنَّصيبُ حِصّةٌ مَحدودةٌ تُقامُ لِأصحابِها. وتُخاطِبُ الآيةُ أصحابَ الفَتحِ بِـ«لَكُم»، وتَذكُرُ أصحابَ النَّصيبِ بِاسمِهِم «لِلكافِرين»، فيَقَعُ المُخاطَبونَ في المَوضِعِ الذي يُقابِلُ الكافِرين، وهو المَوضِعُ الذي تُسَمّيه الآيةُ نَفسُها بَعدَ ذلك «المُؤمِنين».

وقد جاءَ الجِذرُ ف-ت-ح في مَواضِعَ من الكِتابِ فَصلاً يُفتَحُ بَينَ فَريقَين، كما في الآيةِ التّاسِعةِ والثَّمانينَ من سورةِ الأعراف: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. والفَتحُ في هذه الآيةِ مَوصولٌ بِاللّامِ في «لَكُم»، و«بَينَ» تُعطى في آخِرِها لِفِعلٍ آخَر: «فاللهُ يَحكُمُ بَينَكُم»، فما يُصيبُ المُخاطَبينَ في حينِه فَتحٌ لَهُم، والفَصلُ بَينَ الفَريقَينِ حُكمٌ يُرجَأُ إلى يَومٍ مُسَمّى.

«أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ» و«أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ»: قَولانِ على قالَبٍ واحِد

وجَوابُ الشَّرطَينِ قَولانِ على بِناءٍ واحِد: «قالوا» ثُمَّ هَمزةُ استِفهامٍ داخِلةٌ على «لَم»، والاستِفهامُ إذا دَخَلَ على النَّفيِ طَلَبَ من المَسؤولِ أن يُقِرَّ بِما يُثبِتُه السّائل، فكُلٌّ من القَولَينِ دَعوى تُعرَضُ في صورةِ سُؤال. ويَختَلِفُ ما يُدَّعى فيهِما: لِأصحابِ الفَتحِ «ألَم نَكُن مَعَكُم»، دَعوى صُحبةٍ تَقِفُ عِندَ «مَعَ»، ولِأصحابِ النَّصيبِ «ألَم نَستَحوِذْ عَلَيكُم ونَمنَعْكُم مِنَ المُؤمِنين»، دَعوى يَدٍ تَعلو بِـ«على» ثُمَّ تَحجُزُ عَنهُم فَريقاً تُسَمّيه. فالقالَبُ واحِد، والمَقولُ يَتَبَدَّلُ بِحَسَبِ مَن كانَت لَه العاقِبة.

و«نَستَحوِذْ» على استَفعَلَ من ح-و-ذ، ومادّتُه السَّوقُ الشَّديد، يُقالُ «حاذَ الإبِلَ» إذا ساقَها سَوقاً شَديداً، و«استَحوَذَ عَلَيه» إذا غَلَبَه فمَلَكَ أمرَه. ولِلفِعلِ في الكِتابِ مَوضِعٌ واحِدٌ غَيرُ هذا، مَعَ «على» نَفسِها، في الآيةِ التّاسِعةَ عَشرةَ من سورةِ المُجادَلة: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾. ويَحتَمِلُ اللَّفظُ في فَمِ القائلينَ هُنا وَجهَين: يَداً غَلَبَت على الكافِرينَ فمَلَكَت أمرَهُم، أو يَداً أحاطَت بِأمرِهِم فتَوَلَّته، وعلى الوَجهَينِ يَعرِضونَ على الكافِرينَ يَداً كانَت لَهُم عَلَيهِم، ويَعطِفونَ عَلَيها الحَجز: «ونَمنَعْكُم مِنَ المُؤمِنين»، والمَنعُ من م-ن-ع حَجزٌ يُقبَضُ بِه على الشَّيءِ فلا يَصِلُ إلَيه مَن يَطلُبُه.

وفي الكِتابِ مَوضِعٌ آخَرُ يَرِدُ فيه السُّؤالُ الأوَّلُ بِحُروفِه، هو الآيةُ الرّابِعةَ عَشرةَ من سورةِ الحَديد، والمُنادونَ فيها مُسَمَّونَ في الآيةِ التي قَبلَها: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾، ثُمَّ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾، والجَوابُ هُناكَ يُقِرُّ ثُمَّ يَستَدرِك: قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ﴾. فيَلتَقي في ذلك المَوضِعِ ما يَلتَقي هُنا: دَعوى «مَعَكُم»، والجِذرُ ر-ب-ص نَفسُه. وقد سَبَقَ في هذه السّورةِ قَولٌ يُقاسُ بِـ«مَعَ» على عاقِبَتَينِ كذلك، في الآيَتَينِ الثّانيةِ والسَّبعينَ والثّالِثةِ والسَّبعين: إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾ عِندَ المُصيبة، ويَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ﴾ عِندَ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ﴾.

«فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»: فَصلٌ يُرجَأُ إلى مَوعِدِه

ثُمَّ تَأتي الفاءُ بِالحُكم: «فاللهُ يَحكُمُ بَينَكُم يَومَ القِيامة». والحُكمُ من ح-ك-م، إحاطةٌ تُمسِكُ الشَّيءَ على وَجهِه فلا يَخرُجُ عَنه، والحُكمُ بَينَ النّاسِ فَصلٌ يَقطَعُ تَنازُعَهُم. و«بَينَكُم» تَضَعُ هذا الفَصلَ في جَماعةٍ مُختَلِطةٍ يُمَيَّزُ فيها ما كانَ مِمّا ادُّعِيَ أنَّه كان، و«يَومَ القِيامة»، من ق-و-م، يَجعَلُ لِلفَصلِ مَوعِداً يُسَمّى بِالقِيام. فالقَولانِ اللَّذانِ حَكَتهُما الآيةُ يَبقَيانِ دَعوَيَينِ قائمَتَينِ إلى أن يَقَعَ ذلك الحُكم، والآيةُ تَرُدُّ الفَصلَ فيهِما إلى الله.

«وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا»: قالَبٌ تَنفَرِدُ بِه السّورة

وتُختَمُ الآيةُ بِنَفيٍ يَمتَدُّ فيما يُستَقبَل: «ولَن يَجعَلَ اللهُ لِلكافِرينَ على المُؤمِنينَ سَبيلاً». و«لَن» تَنفي ما يُستَقبَل، و«سَبيلاً» نَكِرةٌ في سِياقِ النَّفيِ فتَعُمُّ كُلَّ طَريق، والسَّبيلُ من س-ب-ل مَجرىً مَمدودٌ مَفتوحٌ يُسلَكُ إلى غايَتِه، و«على» تَجعَلُ هذا المَجرى طَريقاً يَعلو المُؤمِنينَ ويَبلُغُهُم من فَوقِهِم. والجُملةُ تَلي ذِكرَ يَومِ القِيامةِ في تَرتيبِ الكَلام، و«لَن» تَمُدُّ النَّفيَ فيما يُستَقبَلُ إلى غَيرِ حَدٍّ مُسَمّى، فيَبقى مَداه مَفتوحاً في اللَّفظ: يَتَّصِلُ بِالحُكمِ الذي ذُكِرَ قَبلَه، ويَتَّسِعُ لِما وَراءَه.

وهذا القالَبُ، «جَعَلَ» ولامٌ لِمَن يُجعَلُ لَه و«على» لِمَن يُجعَلُ عَلَيه، يَرِدُ في الكِتابِ في أربَعِ آياتٍ كُلُّها من هذه السّورة: الآيةِ التِّسعين فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾، والحادِيةِ والتِّسعين جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾، وهذه الآية، والرّابِعةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئة أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾. فالسَّبيلُ الذي نُفِيَ في الآيةِ التِّسعينَ لِلمُخاطَبينَ على قَومٍ اعتَزَلوهُم يُنفى هُنا لِلكافِرينَ على المُؤمِنين، ويَعودُ القالَبُ في الآيةِ الرّابِعةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئةِ بِـ«سُلطاناً» في مَوضِعِ «سَبيلاً»، ويَصيرُ الجاعِلُ فيها المُخاطَبينَ أنفُسَهُم.


حَصيلة

تُعَرِّفُ الآيةُ قَوماً يَتَرَبَّصونَ، من ر-ب-ص، بِالمُخاطَبين، ويَبقى المُنتَظَرُ في صَدرِها مُبهَماً ثُمَّ يَنكَشِفُ في شَرطَينِ مُتَقابِلَين: فَتحٌ، من ف-ت-ح، يُضافُ إلى اللهِ ويَكونُ لِلمُخاطَبين، أو نَصيبٌ، من ن-ص-ب، يَكونُ لِلكافِرين. ولِكُلِّ عاقِبةٍ قَولٌ على البِناءِ نَفسِه: «ألَم نَكُن مَعَكُم» لِأصحابِ الفَتح، و«ألَم نَستَحوِذْ عَلَيكُم ونَمنَعْكُم مِنَ المُؤمِنين» لِأصحابِ النَّصيب، من ح-و-ذ ومن م-ن-ع، وكِلاهُما دَعوى في صورةِ سُؤال، ويَعودُ السُّؤالُ الأوَّلُ بِحُروفِه في سورةِ الحَديدِ مَقروناً بِالتَّرَبُّص. ثُمَّ تَرُدُّ الآيةُ الفَصلَ بَينَ الدَّعوَيَينِ إلى حُكمِ اللهِ يَومَ القِيامة، وتَختِمُ بِنَفيٍ مَفتوحِ المَدى: سَبيلٌ، من س-ب-ل، يَنفي اللهُ أن يَجعَلَه لِلكافِرينَ على المُؤمِنين، في قالَبٍ لا يَرِدُ في الكِتابِ إلّا في أربَعِ آياتٍ من هذه السّورة.