النساء · الآية 6

﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا

«وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ»: اختِبارٌ مُمتَدٌّ إلى غاية

بَعدَ أن أمسَكَتِ الآيةُ السّابِقةُ المالَ عَن السُّفَهاء، تَرسُمُ هذه الآيةُ طَريقَ عَودَتِه إلى أهلِه من اليَتامى، وتَبدَأُ بِالاختِبار: «وابتَلوا اليَتامى». والابتِلاءُ من ب-ل-و، مُلازَمةُ الشَّيءِ وتَقليبُه حتّى يَنكَشِفَ ما فيه، ومنه «البَلاءُ» لِلاختِبارِ بِالخَيرِ والشَّرّ. و«ابتَلى» على افتَعَل، فالاختِبارُ يَتَوَلّاهُ المُخاطَبُ بِنَفسِه ويَطولُ مَعَه، وبِهذا الوَزنِ جاءَ في وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، حَيثُ يَعقُبُ الابتِلاءَ إتمامٌ يَظهَرُ بِه ما كانَ في المُبتَلى. فاليَتيمُ في الآيةِ يُختَبَرُ ويُنتَظَرُ ما يُسفِرُ عَنه اختِبارُه، والحُكمُ في أمرِه يَأتي بَعدَ الاختِبارِ وبِه.

و«حتّى إذا بَلَغوا النِّكاحَ» تَمُدُّ الاختِبارَ إلى غاية، فهو قائِمٌ طُوالَ الصِّغَرِ ويَنتَهي إلى هذا الحَدّ. والبُلوغُ من ب-ل-غ، امتِدادٌ يَنتَهي إلى حَدٍّ يَظهَرُ عِندَه ما كانَ كامِناً، وقد سُمِّيَ الحَدُّ هُنا بِالنِّكاحِ نَفسِه، أي بِما يَصيرُ صاحِبُه أهلاً لَه من الاقتِرانِ بِغَيرِه. والسّورةُ قَرَنَتِ اليَتامى بِالنِّكاحِ في آيَتِها الثّالِثة، ويَعودُ النِّكاحُ هُنا عَلامةً على طَورٍ جَديدٍ من حَياةِ اليَتيمِ يُنظَرُ عِندَه في أمرِ مالِه.

«فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ»: رُشدٌ يُبصَرُ فيُدفَعُ المال

ثُمَّ عُلِّقَ الدَّفعُ بَعدَ البُلوغِ بِأمرٍ ثانٍ: «فإن آنَستُم مِنهُم رُشداً». والإيناسُ من أ-ن-س، إبصارُ شَيءٍ يَظهَرُ فيَسكُنُ إلَيه المُبصِرُ ويَطمَئِنّ، وبِه وَصَفَ الكِتابُ إبصارَ نارٍ تُرجى عِندَها الهِداية: إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾. و«مِنهُم» تَجعَلُ الرُّشدَ شَيئاً يَبدو من اليَتامى أنفُسِهِم، فالقائِمُ على المالِ يَرقُبُ ما يَظهَرُ مِنهُم ويَبني عَلَيه، ومَدارُ الحُكمِ فيهِم ما يُبصَرُ من تَدبيرِهِم.

والرُّشدُ من ر-ش-د، إصابةُ وَجهِ الأمرِ بِتَدبيرٍ يَلمَسُ دَقائقَه ثُمَّ يَثبُتُ عَلَيها، ويُقابِلُه في الكِتابِ الغَيُّ: قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. وهو في هذا المَوضِعِ ضِدُّ السَّفَهِ الذي أُمسِكَ المالُ بِسَبَبِه في الآيةِ قَبلَها: هُناكَ خِفّةٌ تُطَيِّرُ ما في اليَد، وهُنا تَدبيرٌ دَقيقٌ يَثبُت. وجاءَ «رُشداً» نَكِرة، فيَكفي أن يُؤنَسَ مِنهُم رُشدٌ يُطمَأَنُّ إلَيه في شَأنِ المال. ثُمَّ جاءَ الجَوابُ بِالفاء: «فادفَعوا إلَيهِم أموالَهُم»، والدَّفعُ من د-ف-ع، إزاحةُ الشَّيءِ عَن يَدٍ إلى أُخرى بِحَرَكةٍ نافِذة، والفاءُ تَصِلُه بِالإيناسِ بِلا مُهلة. وعادَتِ الإضافةُ إلى أصحابِ المال، «أموالَهُم»، بَعدَ أن كانَت في آيةِ السُّفَهاءِ «أموالَكُم»، فالإضافةُ تَتبَعُ اليَدَ التي يَصلُحُ المالُ فيها.

«وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا»: أكلٌ يُسابِقُ نُموَّ اليَتيم

ويَعودُ النَّهيُ عَن أكلِ مالِ اليَتامى الذي جاءَ في آيَتِهِمُ الأولى، ويوصَفُ الأكلُ هُنا بِوَصفَين: «إسرافاً وبِداراً أن يَكبَروا». والإسرافُ من س-ر-ف، جَرَيانٌ يَمضي حتّى يُفارِقَ حَدَّه، فهو أكلٌ يُجاوِزُ الحاجة. والبِدارُ من ب-د-ر، المُسارَعةُ إلى الشَّيءِ لِإدراكِه قَبلَ أن يَفوت، ولا يَرِدُ هذا اللَّفظُ في الكِتابِ في غَيرِ هذا المَوضِع. و«أن يَكبَروا» تُسَمّي ما يُسابِقُه الآكِل: كِبَرَ اليَتامى، والكِبَرُ من ك-ب-ر، نُموٌّ يَتَراكَمُ حتّى يُجاوِزَ ما كانَ عَلَيه، فكُلُّ يَومٍ يَمضي يُقَرِّبُ اليَومَ الذي يُدفَعُ فيه المالُ إلى صاحِبِه، والمُبادِرُ يَسبِقُه إلى المال. فالآيةُ تَجمَعُ في النَّهيِ صورَتَينِ لِلأكل: أكلاً يُجاوِزُ القَدرَ في كَمِّه، وأكلاً يُسابِقُ الوَقتَ في عَجَلَتِه، والأوَّلُ يُقاسُ بِالحاجة، والثّاني يُقاسُ بِنُموِّ اليَتيم.

«وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ»: القائِمُ على المالِ بَينَ الكَفِّ والأكلِ المَعروف

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ إلى القائِمِ على المالِ نَفسِه، فيَقسِمُ القائِمينَ عَلَيه بِحَسَبِ حاجَتِهِم: «ومَن كانَ غَنِيّاً فليَستَعفِف، ومَن كانَ فَقيراً فليَأكُل بِالمَعروف». والاستِعفافُ من ع-ف-ف، والجِذرُ يَدورُ على إمساكٍ يَضيقُ مَنفَذُه فلا يَخرُجُ مِنه إلّا القَليل، ومنه «العِفّة» الكَفُّ عَمّا لا يَحِلّ، و«العُفافة» بَقيّةُ اللَّبَنِ في الضَّرع. وجاءَ على استَفعَل، فالغَنِيُّ يَطلُبُ العِفّةَ من نَفسِه ويَحمِلُها عَلَيها، فيَكُفُّ يَدَه عَن مالٍ هو قائِمٌ عَلَيه وفي مُتَناوَلِه كُلَّ يَوم. وقد اقتَرَنَ الجِذرُ بِالغِنى في وَصفِ فُقَراءَ مُتَعَفِّفين: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾، فالتَّعَفُّفُ هُناكَ يُلبِسُ الفَقيرَ هَيئةَ الغَنِيّ، ويُطلَبُ هُنا من الغَنِيِّ نَفسِه.

والفَقيرُ يَأكُلُ «بِالمَعروف»، فأُذِنَ لَه في الأكلِ وقُيِّدَ الإذنُ بِما يَعرِفُه النّاسُ ويَرَونَه مُستَقيماً، وقَدرُه مَوكولٌ إلى هذا المَعروفِ نَفسِه. وبِهذا يَجتَمِعُ في الآيةِ أكلانِ من فِعلٍ واحِد: أكلٌ مَنهِيٌّ عَنه «إسرافاً وبِداراً»، وأكلٌ مَأذونٌ فيه «بِالمَعروف»، والفارِقُ بَينَهُما القَدرُ والوَقتُ والحاجة.

«فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا»: شُهودٌ على الدَّفعِ وحَسيبٌ فَوقَ الشُّهود

ثُمَّ يَعودُ الكَلامُ إلى الدَّفعِ مَرّةً ثانِية: «فإذا دَفَعتُم إلَيهِم أموالَهُم فأشهِدوا عَلَيهِم». والإشهادُ من ش-ه-د، إحضارُ مَن يَرى ويَعلَمُ حتّى يَثبُتَ عِندَه ما جَرى، و«عَلَيهِم» تَجعَلُ الشَّهادةَ واقِعةً على اليَتامى أنفُسِهِم بِأنَّهُم قَبَضوا أموالَهُم، فيَصيرُ الدَّفعُ أمراً مَشهوداً قائِماً بَعدَ انقِضائِه. وفي آيةِ الدَّينِ أمرٌ مِثلُه عِندَ المُبايَعة: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، فالمالُ حينَ يَنتَقِلُ من يَدٍ إلى يَدٍ يُطلَبُ لَه شاهِد.

وخُتِمَتِ الآيةُ بِما هو فَوقَ الشُّهود: «وكَفى بِاللهِ حَسيباً». والحَسيبُ من ح-س-ب، مَن يَحصُرُ الدَّقائقَ فلا يَفوتُه مِنها شَيءٌ ويُمسِكُها على أصحابِها، و«كَفى» تَجعَلُ حِسابَه قائِماً بِنَفسِه غَيرَ مُحتاجٍ إلى غَيرِه. والشُّهودُ يَشهَدونَ ما حَضَروه من لَحظةِ الدَّفع، والحَسيبُ يُحصي ما سَبَقَها من سِنينِ القِيامِ على المال، ما أُكِلَ مِنه بِالمَعروفِ وما أُكِلَ إسرافاً وبِداراً. وقد جاءَ هذا التَّركيبُ في الكِتابِ لِلنَّفسِ حينَ تَقرَأُ كِتابَها: كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾.


حَصيلة

تَرسُمُ الآيةُ طَريقَ مالِ اليَتيمِ من يَدِ القائِمِ عَلَيه إلى صاحِبِه: ابتِلاءٌ يُلازِمُ اليَتيمَ حتّى يَنكَشِفَ ما فيه، والجِذرُ ب-ل-و مُلازَمةٌ وتَقليب، يَمتَدُّ إلى بُلوغِ النِّكاح، ثُمَّ إيناسُ رُشدٍ يَبدو من اليَتامى أنفُسِهِم فيُبصَرُ ويُطمَأَنُّ إلَيه، والرُّشدُ من ر-ش-د تَدبيرٌ دَقيقٌ يَثبُت، ضِدُّ السَّفَهِ الذي أُمسِكَ المالُ بِسَبَبِه، ثُمَّ دَفعٌ بِلا مُهلةٍ تَعودُ بِه الإضافةُ إلى «أموالَهُم». وتَنهى في أثناءِ ذلك عَن أكلٍ يُجاوِزُ القَدرَ أو يُسابِقُ كِبَرَ اليَتيم، وتَقسِمُ القائِمينَ على المالِ إلى غَنِيٍّ يَحمِلُ نَفسَه على العِفّةِ وفَقيرٍ يَأكُلُ بِما يُعرَف، ثُمَّ تَطلُبُ شُهوداً على الدَّفع، وتَختِمُ بِحَسيبٍ يُحصي ما كانَ قَبلَ الشُّهودِ وما غابَ عَنهُم.