النساء · الآية 90

﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا

«إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ»: عَهدٌ يَمتَدُّ إلى مَن بَلَغَ أهلَه

تَفتَتِحُ الآيةُ بِـ«إلّا»، فهي استِثناءٌ مِمّا في الآيةِ السّابِقة، وتَترُكُ ما يَتَّصِلُ بِه مَفتوحاً: قد يَكونُ الأمرَ «فخُذوهُم واقتُلوهُم حَيثُ وَجَدتُموهُم»، ويَشهَدُ لَه خِتامُ هذه الآية: «فما جَعَلَ اللهُ لَكُم عَلَيهِم سَبيلاً»، فيَكونُ السَّبيلُ المَنفيُّ هُنا هو الأخذَ والقَتلَ المَأمورَ بِهِما هُناك، وقد يَكونُ النَّهيَ الذي هو أقرَبُ إلَيه: «ولا تَتَّخِذوا مِنهُم وَليّاً ولا نَصيراً». والصِّنفُ الأوَّلُ من المُستَثنَينَ «الذينَ يَصِلونَ إلى قَوم»، و«يَصِلون» من و-ص-ل، سَقَطَت واوُه في المُضارِعِ كما تَسقُطُ في «يَعِدُ» من «وَعَدَ»، والوُصولُ إلى الشَّيءِ بُلوغُه والانتِهاءُ إلَيه حتّى يَتَّصِلَ بِه، وقد جاءَ الفِعلُ بِهذا المَعنى في فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾.

فهؤلاءِ يَبلُغونَ قَوماً ويَنتَهونَ إلَيهِم، والآيةُ تَترُكُ صورةَ هذا البُلوغِ مَفتوحة: قد يَكونُ لُجوءاً إلَيهِم، وقد يَكونُ دُخولاً في عَهدِهِم، وقد يَكونُ نَسَباً يَصِلُهُم بِهِم. والذي تُعَيِّنُه الآيةُ صِفةُ القَوم: «بَينَكُم وبَينَهُم ميثاق». والميثاقُ من و-ث-ق، عَهدٌ مَعقودٌ يُشَدُّ بِه الطَّرَفانِ فلا يَنفَكّان، وقد مَرَّ في هذه السّورةِ في مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾. فالعَهدُ الذي يَشُدُّ المُخاطَبينَ إلى أولئكَ القَومِ يَمتَدُّ إلى مَن بَلَغَهُم. وتَتَكَرَّرُ العِبارةُ «قَومٍ بَينَكُم وبَينَهُم ميثاق» في الآيةِ الثّانيةِ والتِّسعينَ من هذه السّورة، وفي الآيةِ الثّانيةِ والسَّبعينَ من سورةِ الأنفال، ولا تَرِدُ في غَيرِ هذه المَواضِعِ الثَّلاثة.

«أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ»: صُدورٌ ضاقَت عن قِتالَين

ثُمَّ يُعطَفُ بِـ«أو» صِنفٌ ثانٍ: «أو جاؤوكُم حَصِرَت صُدورُهُم». والحَصَرُ من ح-ص-ر ضيقٌ يُحيطُ بِالشَّيءِ ويَحبِسُه فلا يَنطَلِق، ومنه «الحَصير» لِما يُحبَسُ فيه، كما في وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾، و«حَصِرَ صَدرُه» ضاقَ. وجُملةُ «حَصِرَت صُدورُهُم» تَصِفُ هَيئَتَهُم ساعةَ مَجيئِهِم: جاؤوا وصُدورُهُم ضَيِّقةٌ مَحبوسة. و«أن يُقاتِلوكُم أو يُقاتِلوا قَومَهُم» تُعَيِّنُ ما ضاقَت عَنه الصُّدور: قِتالُ المُخاطَبين، وقِتالُ قَومِهِم.

والقِتالُ على «فاعَلَ» من ق-ت-ل، فِعلٌ يَتَبادَلُه طَرَفان، كُلٌّ مِنهُما يَطلُبُ أن يَقطَعَ الآخَر، وقد جاءَ الجِذرُ في هذه الآيةِ أربَعَ مَرّاتٍ على هذا الوَزن. وهؤلاءِ بَينَ طَرَفَين: قَومٍ هُم مِنهُم، وجَماعةٍ جاؤوها، والقَومُ من ق-و-م، الجِذرِ الذي سُمِّيَ بِه يَومُ القِيامةِ في الآيةِ السّابِعةِ والثَّمانين، وهُمُ الجَماعةُ التي يَقومُ أهلُها مَعاً، فضاقَت صُدورُهُم عن أن يَكونوا يَداً على أحَدِ الجانِبَين. و«أو» في الآيةِ تَحتَمِلُ وَجهَين: أن تَعطِفَ «جاؤوكُم» على «يَصِلون» فتَفصِلَ بَينَ صِنفَين، مَن وَصَلَ إلى قَومٍ مُعاهَدين، ومَن جاءَ المُخاطَبينَ بِصَدرٍ مَحصور، وأن تَعطِفَه على صِفةِ القَوم، فيَكونَ المُستَثنَونَ مَن وَصَلوا إلى قَومٍ مُعاهَدينَ أو إلى قَومٍ جاؤوا المُخاطَبينَ بِصُدورٍ مَحصورة.

«وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ»: قُدرةٌ لم يَشَأْها الله

ثُمَّ تُذَكِّرُ الآيةُ بِما كانَ مُمكِناً: «ولَو شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُم عَلَيكُم فلَقاتَلوكُم». والتَّسليطُ من س-ل-ط، نُفوذٌ يَعلو الشَّيءَ ويُطبِقُ عَلَيه، و«سَلَّطَه عَلَيه» جَعَلَ لَه عَلَيه يَداً عالِية. و«لَو» تَذكُرُ أمراً لم يَقَع: لم يُسَلَّطوا على المُخاطَبين، ولَو شاءَ اللهُ لَكانَ ذلك. فالجُملةُ تَرُدُّ ما لم يَقَعْ من قِتالِهِم إلى مَشيئةِ الله، ثُمَّ يَأتي الحُكمُ بَعدَها.

«فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ»: ثَلاثةُ أفعالٍ يَنتَفي بِها السَّبيل

ثُمَّ يَأتي الحُكم: «فإنِ اعتَزَلوكُم فلَم يُقاتِلوكُم وألقَوا إلَيكُمُ السَّلَم». والاعتِزالُ من ع-ز-ل، تَنَحٍّ إلى جانِبٍ ومُفارَقةٌ لِلمَوضِع، و«اعتَزَلوكُم» تَنَحَّوا عَنكُم فصاروا في جانِبٍ غَيرِ جانِبِكُم. والفاءُ في «فلَم يُقاتِلوكُم» تَجعَلُ تَركَ القِتالِ ثَمَرةً لِهذا التَّنَحّي. و«ألقَوا إلَيكُمُ السَّلَم»: والإلقاءُ طَرحُ الشَّيءِ إلى الغَيرِ حتّى يَقَعَ بَينَ يَدَيه، والسَّلَمُ من س-ل-م انقِيادٌ ومُسالَمةٌ يَخلو بِها الأمرُ من النِّزاع، فهُم يَطرَحونَ بَينَ أيدي المُخاطَبينَ ما يُنهي الخُصومة.

وجَوابُ الشَّرط: «فما جَعَلَ اللهُ لَكُم عَلَيهِم سَبيلاً». والسَّبيلُ الطَّريقُ المَسلوك، و«عَلَيهِم» تَجعَلُه طَريقاً يُسلَكُ إلَيهِم بِأخذٍ أو قَتل، والجَعلُ مُسنَدٌ إلى الله، فالطَّريقُ مَنفيٌّ من أصلِه. وقد خُتِمَتِ الآيةُ الثّامِنةُ والثَّمانونَ بِـ«فلَن تَجِدَ لَه سَبيلاً»، وتُختَمُ هذه بِـ«فما جَعَلَ اللهُ لَكُم عَلَيهِم سَبيلاً»: هُناكَ سَبيلٌ لا يُوجَدُ لِمَن أضَلَّه الله، وهُنا سَبيلٌ لم يَجعَلْه اللهُ لِلمُخاطَبينَ على مَن ألقى إلَيهِمُ السَّلَم. وفي الآيةِ الرّابِعةِ والثَّلاثينَ من هذه السّورةِ حُكمٌ على هذه الهَيئة: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾، فالمَوضِعانِ يَتَّفِقانِ على أنَّ مَن انتَهى عمّا كانَ يُخشى مِنه لا يُبتَغى عَلَيه سَبيل.


حَصيلة

تَستَثني الآيةُ صِنفَينِ مِمّا في الآيةِ السّابِقة، من الأمرِ بِالأخذِ والقَتلِ أو من النَّهيِ عن اتِّخاذِ وَليٍّ مِنهُم، وتَترُكُ ذلك مَفتوحاً: مَن يَصِلونَ، من و-ص-ل، إلى قَومٍ يَشُدُّهُم إلى المُخاطَبينَ ميثاق، فيَمتَدُّ إلَيهِمُ العَهد، والآيةُ تَترُكُ صورةَ هذا الوُصولِ مَفتوحة، ومَن جاؤوا المُخاطَبينَ وقد حَصِرَت صُدورُهُم، من ح-ص-ر، عن قِتالِهِم وقِتالِ قَومِهِم، والقِتالُ، من ق-ت-ل، يَتَرَدَّدُ في الآيةِ أربَعَ مَرّات. ثُمَّ تُذَكِّرُ بِأنَّ اللهَ لَو شاءَ لَسَلَّطَهُم، من س-ل-ط، على المُخاطَبينَ فقاتَلوهُم، وتَضَعُ الحُكمَ في ثَلاثةِ أفعال: أن يَعتَزِلوا، من ع-ز-ل، وألّا يُقاتِلوا، وأن يُلقوا السَّلَم، من س-ل-م، فإذا اجتَمَعَت لم يَجعَلِ اللهُ لِلمُخاطَبينَ عَلَيهِم سَبيلاً، وهو سَبيلٌ يُقابِلُ السَّبيلَ الذي لا يُوجَدُ في خِتامِ الآيةِ الثّامِنةِ والثَّمانين.