النساء · الآية 92

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

«وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً»: اسمٌ واحِدٌ على طَرَفَيِ الفِعل

تَأتي الآيةُ بَعدَ أمرٍ بِالأخذِ والقَتلِ جاءَ في الآيَتَينِ التّاسِعةِ والثَّمانينَ والحاديةِ والتِّسعين، فتَبدَأُ بِحَدٍّ يُحيطُ بِقَتلِ المُؤمِنِ مُؤمِناً: «وما كانَ لِمُؤمِنٍ أن يَقتُلَ مُؤمِناً». وتَركيبُ «ما كانَ لِـ... أن...» يَنفي أن يَكونَ الفِعلُ مِمّا يَنتَسِبُ إلى المَذكورِ أو يَصدُرُ عن حالِه، فهو يُخرِجُ القَتلَ من الأفعالِ التي تَكونُ لِلمُؤمِنِ بِوَصفِه مُؤمِناً. والمُؤمِنُ من أ-م-ن، مَن يَسكُنُ فيه الأمنُ ثُمَّ يَنبَعِثُ مِنه إلى مَن حَولَه فيَأمَنونَ بِه، وقد وَقَعَ الاسمُ في العِبارةِ على الطَّرَفَين: على مَن يَقتُلُ وعلى مَن يُقتَل. فالقَتلُ الذي تَنفيه الآيةُ فِعلٌ يَنقَلِبُ فيه الاسمُ على نَفسِه، إذ يَأخُذُ مَن يَأمَنُ النّاسُ بِه حَياةَ مَن يَأمَنونَ بِه.

ثُمَّ استُثنِيَ من هذا الحَدِّ وَجهٌ واحِد: «إلّا خَطَأً»، والاستِثناءُ يَحتَمِلُ وَجهَين: أن يَكونَ مُنقَطِعاً، فالمَعنى أنَّ القَتلَ لَيسَ لِلمُؤمِنِ بِحال، غَيرَ أنَّ الخَطَأَ قد يَقَعُ مِنه؛ وأن يَكونَ «خَطَأً» وَصفاً لِلهَيئةِ التي يَقَعُ عَلَيها القَتل، فالمَعنى: إلّا قَتلاً يَقَعُ خَطَأً. والوَجهانِ يَلتَقِيانِ في أنَّ الاستِثناءَ يُسَمّي الصّورةَ الوَحيدةَ التي تَخرُجُ من هذا الحَدّ: فِعلٌ لم يَقصِدْه. والخَطَأُ من خ-ط-أ، امتِدادٌ يَنتَهي في غَيرِ المَوضِعِ الذي تَوَجَّهَ إلَيه، كالسَّهمِ يُرمى إلى غَرَضٍ فيَقَعُ في سِواه. وفي الكِتابِ من الجِذرِ نَفسِه «خِطْء» بِكَسرِ الخاءِ اسماً لِقَتلِ الأولادِ خَشيةَ الإملاق، وهو قَتلٌ يُقصَد: إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾، وفيه يُقابَلُ ما يَقَعُ خَطَأً بِما تَقصِدُه القُلوب: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. وعلى هذا التَّقابُلِ تَقومُ هذه الآيةُ والتي تَليها: «خَطَأً» هُنا، و«مُتَعَمِّداً» هُناك.

«وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ»: عُنُقٌ مَشدودٌ يُخَلَّصُ إلى جَرَيانِه

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ من الحَدِّ إلى ما يَتبَعُ وُقوعَ الخَطَأ: «ومَن قَتَلَ مُؤمِناً خَطَأً». و«مَن» تَعُمُّ كُلَّ قاتِلٍ على هذا الوَجه، والفِعلُ بَعدَها ماضٍ يَفرِضُ القَتلَ واقِعاً ثُمَّ يُرَتِّبُ عَلَيه ما يَلزَم. وجاءَ الجَوابُ بِالفاءِ اسماً لا فِعلاً: «فتَحريرُ رَقَبةٍ مُؤمِنة»، فالآيةُ تُسَمّي ما يَجِبُ بِاسمِه. والتَّحريرُ من ح-ر-ر، والحُرُّ من كُلِّ شَيءٍ خالِصُه الذي لا يُخالِطُه ما يُمسِكُه، يُقالُ «طينٌ حُرّ» لِما لا رَملَ فيه، و«حَرَّرَ الكِتابَ» قَوَّمَه وأقامَ حُروفَه، وفي الكِتابِ نَذرُ ما في البَطنِ خالِصاً لِمَن نُذِرَ لَه: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. فالتَّحريرُ على التَّفعيلِ إخراجُ الشَّيءِ من المُمسِكِ الذي يَحبِسُه إلى خُلوصِه وجَرَيانِه.

والرَّقَبةُ من ر-ق-ب، وهو الجِذرُ الذي خُتِمَت بِه أوَّلُ آيةٍ في السّورة: «إنَّ اللهَ كانَ عَلَيكُم رَقيباً». والرَّقَبةُ العُنُقُ الذي يَمتَدُّ ويَنتَصِبُ حينَ يَرقُبُ صاحِبُه، وهي المَوضِعُ الذي يُشَدُّ مِنه المَأسورُ ويُقاد، وبِها تُسَمّى الذّاتُ المَملوكةُ في الكِتاب: فَكُّ رَقَبَةٍ﴾. فتَحريرُ الرَّقَبةِ فَكُّ المَشدودِ من عُنُقِه وإطلاقُه إلى جَرَيانِه الخالِص. و«تَحريرُ رَقَبةٍ» في الكِتابِ خَمسَ مَرّات: ثَلاثاً في هذه الآية، ومَرّةً في المائدة، ومَرّةً في المُجادَلة، ولا تُوصَفُ الرَّقَبةُ بِـ«مُؤمِنة» إلّا في هذه الآيةِ بِمَرّاتِها الثَّلاث. فالاسمُ الذي وَقَعَ في صَدرِ الآيةِ على القاتِلِ والمَقتولِ يَقَعُ على الرَّقَبةِ التي تُحَرَّر: مُؤمِنٌ ذَهَبَت حَياتُه بِخَطَأ، ورَقَبةٌ مُؤمِنةٌ يُفَكُّ ما يُمسِكُها.

«وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا»: ما يَسيلُ إلى أهلِ المَقتول، وما يَترُكونَه صَدَقة

ثُمَّ عُطِفَت على التَّحريرِ «دِيَةٌ مُسَلَّمةٌ إلى أهلِه». والدِّيةُ من و-د-ي على «فِعْلة»، سَقَطَت واوُها من أوَّلِها وجاءَتِ التّاءُ في آخِرِها عِوَضاً مِنها، كما في «عِدَة» من الوَعد و«صِلة» من الوَصل. ومن هذا الجِذرِ «الوادي»، المُنخَفِضُ الذي يَجري فيه السَّيل، وقد جاءَ في الكِتاب: إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾، و«وَدى الشَّيءُ» سالَ، و«وَدى القَتيلَ» أعطى أهلَه ما يَجِبُ لَه. فالدِّيةُ ما يَسيلُ من جِهةِ القَتلِ حتّى يَبلُغَ جِهةَ المَقتول.

ووُصِفَتِ الدِّيةُ بِأنَّها «مُسَلَّمة»، اسمُ مَفعولٍ من «سَلَّمَ» على التَّفعيل، والجِذرُ س-ل-م جَرَيانٌ مُنسابٌ يَنتَهي إلى مَن يَحوزُه كامِلاً، وقد جاءَ في هذه السّورةِ في «ويُسَلِّموا تَسليماً». فالدِّيةُ المُسَلَّمةُ تَنتَقِلُ حتّى تَقَعَ في أيدي أهلِ المَقتولِ تامّةً غَيرَ مَنقوصة. والهاءُ في «أهلِه» عائدةٌ على المَقتول، والأهلُ من أ-ه-ل، الحَيِّزُ الذي يَختَصُّ بِه قَومٌ فيَحوزونَه، فالدِّيةُ تَسيلُ إلى الذينَ كانَ المَقتولُ من حَيِّزِهِم. وقد سَمَّتِ الآيةُ الدِّيةَ ومَقصِدَها وحالَها حينَ تَصِل.

ثُمَّ جاءَ الاستِثناء: «إلّا أن يَصَّدَّقوا». و«أن» مَعَ الفِعلِ في تَأويلِ مَصدَر، فالمَعنى: إلّا تَصَدُّقَهُم. و«يَصَّدَّقوا» أصلُه «يَتَصَدَّقوا»، أُدغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ فظَهَرَ ذلك في تَشديدِها، وفاعِلُه واوُ جَمعٍ عائدةٌ على «أهلِه»، فالذينَ تَسيلُ إلَيهِمُ الدِّيةُ هُمُ الذينَ يَقدِرونَ على تَركِها. والصَّدَقةُ من ص-د-ق، والصِّدقُ صَلابةٌ مَعقودةٌ في العُمقِ لا يَنثَني فيها الظّاهِرُ عن الباطِن، والصَّدَقةُ عَطاءٌ يُصَدِّقُ ظاهِرُه ما في نَفسِ مُعطيه. وبِالفِعلِ نَفسِه سَمّى الكِتابُ تَركَ الدَّينِ لِمَن هو في عُسرة: وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، فتَركُ الحَقِّ لِمَن هو عَلَيه يُسَمّى في المَوضِعَينِ تَصَدُّقاً. والاستِثناءُ يَلي الدِّيةَ مُباشَرةً، وفاعِلُه مَن تَسيلُ إلَيهِم، فأظهَرُ ما يَقَعُ عَلَيه ما يَبلُغُهُم من هذا المال.

«فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»: المَقتولُ بَينَ قَومِه ونَفسِه

ثُمَّ تُفَصِّلُ الآيةُ بِحَسَبِ القَومِ الذي كانَ مِنه المَقتول، واسمُ «كانَ» عائدٌ عَلَيه، وهو الذي سُمِّيَ «مُؤمِناً» في صَدرِ الأحكام. والصّورةُ الأولى: «فإن كانَ من قَومٍ عَدُوٍّ لَكُم وهو مُؤمِن». والعَدُوُّ من ع-د-و، اندِفاعٌ يَجري فيُجاوِزُ حَدَّه إلى غَيرِه، وجاءَ مُفرَداً في لَفظِه وَصفاً لِقَومٍ كامِلين، والكِتابُ يَصِفُ الجَماعةَ بِهذا اللَّفظِ المُفرَد: وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾، فالقَومُ كُلُّهُم جِهةٌ واحِدةٌ تَندَفِعُ إلى المُخاطَبين. ثُمَّ جاءَ «وهو مُؤمِن» يَصِفُ الرَّجُلَ نَفسَه، فالآيةُ تَفصِلُ بَينَ ما يُنسَبُ إلَيه من قَومِه وما يَقومُ في ذاتِه: من قَومٍ عَدُوٍّ لَكُم، وهو مُؤمِن. وجاءَ الحُكمُ في هذه الصّورةِ واحِداً: «فتَحريرُ رَقَبةٍ مُؤمِنة».

والصّورةُ الثّانيةُ: «وإن كانَ من قَومٍ بَينَكُم وبَينَهُم ميثاقٌ فدِيَةٌ مُسَلَّمةٌ إلى أهلِه وتَحريرُ رَقَبةٍ مُؤمِنة». والميثاقُ من و-ث-ق، رَبطٌ مُحيطٌ يُعقَدُ في العُمقِ فلا يَنفَكّ، وبِه سَمَّتِ السّورةُ ما أخَذَتْه النِّساءُ من الرِّجال: وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾. و«بَينَكُم وبَينَهُم» تَضَعُ الميثاقَ في المَسافةِ التي تَفصِلُ القَومَين، والعِبارةُ كُلُّها، «قَومٍ بَينَكُم وبَينَهُم ميثاق»، جاءَت في الآيةِ التِّسعين. وفي هذه الصّورةِ عادَ الحُكمانِ مَعاً وانعَكَسَ تَرتيبُهُما: في أوَّلِ الأحكامِ جاءَ التَّحريرُ ثُمَّ الدِّية، وجاءَتِ الدِّيةُ هُنا أوَّلاً، في الصّورةِ التي عُلِّقَت بِرِباطٍ قائمٍ بَينَ القَومَين.

ولم تَقُلِ الآيةُ في هذه الصّورةِ «وهو مُؤمِن» كما قالَتها في التي قَبلَها. واسمُ «كانَ» عائدٌ على المَقتولِ الذي سُمِّيَ مُؤمِناً في صَدرِ الأحكام، فوَصفُه في هذه الصّورةِ يَحتَمِلُ أن يَكونَ مَحمولاً من ذلك الصَّدر، ويَحتَمِلُ أن يَكونَ مَفتوحاً لِغَيرِه، واللَّفظُ يَسَعُ الوَجهَين.

«فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ»: إمساكٌ يَطولُ، يُسَمّى رُجوعاً من الله

ثُمَّ جاءَ شَرطٌ جَديد: «فمَن لم يَجِد». والوِجدانُ من و-ج-د، لِقاءٌ يَنعَقِدُ على الشَّيءِ فيَثبُتُ عِندَه، والفِعلُ هُنا بِلا مَفعولٍ في اللَّفظ. وأقرَبُ ما يَتَعَلَّقُ بِه «تَحريرُ رَقَبةٍ مُؤمِنة»، وهو الحُكمُ الذي جاءَ في الصُّوَرِ الثَّلاثِ جَميعاً، وحَدُّ ما يَصِلُ إلَيه «لم يَجِد» مَفتوحٌ في لَفظِ الآية. وجاءَ الصِّيامُ اسماً في جَوابِ «فمَن لم يَجِد» كما جاءَ التَّحريرُ اسماً في جَوابِ «ومَن قَتَلَ مُؤمِناً خَطَأً»، فالشَّرطانِ يُسَمِّيانِ مَن يَلزَمُه الحُكمُ على قالَبٍ واحِد.

والصِّيامُ من ص-و-م، إمساكٌ صُلبٌ يَطولُ في الوَقت، ومنه «صامَتِ الرّيحُ» رَكَدَت، وفي الكِتابِ صَومٌ عن الكَلام: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾. وجاءَ هُنا بِالاسمِ الذي كُتِبَ بِه على الذينَ آمَنوا: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، فالآيةُ تُحيلُ على صِيامٍ مَعروفٍ في الكِتاب، وتُعَيِّنُ مُدَّتَه وهَيئَتَه: «شَهرَينِ مُتَتابِعَين». والتَّتابُعُ من ت-ب-ع، سَيرٌ خَلفَ شَيءٍ يَتَقَدَّمُ ولُحوقٌ بِأثَرِه، وجاءَ على التَّفاعُل، فكُلُّ يَومٍ من الشَّهرَينِ يَلحَقُ بِالذي قَبلَه ولا يَنفَصِلُ عَنه. والعِبارةُ «فمَن لم يَجِدْ فصِيامُ شَهرَينِ مُتَتابِعَين» تَرِدُ مَرّةً أُخرى في الكِتاب، في المُجادَلة، بَعدَ «فتَحريرُ رَقَبة»، على التَّرتيبِ نَفسِه.

وخُتِمَ الحُكمُ بِقَولِه «تَوبةً من الله»، وهي مَنصوبةٌ على وَجهَين: أن تَكونَ عِلّةً لِما شُرِع، فالمَعنى أنَّ ذلك جُعِلَ لِأجلِ تَوبةٍ من الله، وأن تَكونَ مَصدَراً لِفِعلٍ مَطويّ، فالمَعنى: تابَ اللهُ عَلَيه تَوبة. والتَّوبةُ من ت-و-ب، إفلاتٌ لِما كانَ مُمسَكاً يَتلوه رُجوعٌ يَمتَدّ، وقد جاءَ في الآيةِ السّابِعةَ عَشرةَ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾، وجاءَ هُنا «تَوبةً من الله»، فالرُّجوعُ هُناكَ مَوضوعٌ على الله، وهو هُنا صادِرٌ من عِندِه. وتَلي الكَلِمةُ الصِّيامَ مُباشَرةً، فقد تُسَمّيه وَحدَه، وقد تُسَمّي كُلَّ ما رُتِّبَ على القَتلِ في الآية، واللَّفظُ يَحمِلُ الوَجهَين. ثُمَّ خُتِمَتِ الآيةُ بِـ«وكانَ اللهُ عَليماً حَكيماً»، وهو خِتامُ الآيةِ السّابِعةَ عَشرةَ نَفسُه، فالتَّوبةُ في المَوضِعَينِ يَعقُبُها عِلمٌ يُحيطُ بِما وَقَعَ وبِما قُصِدَ مِنه، وإحكامٌ يَضَعُ كُلَّ حُكمٍ في مَوضِعِه.


حَصيلة

تَضَعُ الآيةُ حَدّاً يُحيطُ بِقَتلِ المُؤمِنِ مُؤمِناً: لَيسَ لِمُؤمِنٍ أن يَقتُلَ مُؤمِناً، والاسمُ من أ-م-ن واقِعٌ على الطَّرَفَين، فالفِعلُ يَنقَلِبُ على الاسمِ نَفسِه، ويُستَثنى الخَطَأُ وَحدَه، وهو من خ-ط-أ امتِدادٌ يَنتَهي في غَيرِ ما قُصِد، يُقابِلُه في الآيةِ التّاليةِ «مُتَعَمِّداً». ثُمَّ تُرَتِّبُ على القَتلِ خَطَأً أحكاماً تُسَمّيها بِأسمائها: تَحريرَ رَقَبةٍ مُؤمِنة، أي فَكَّ عُنُقٍ مَشدودٍ إلى خُلوصِه، بِالاسمِ الذي وَقَعَ على القاتِلِ والمَقتول، ودِيَةً من و-د-ي تَسيلُ إلى أهلِ المَقتولِ تامّةً، ولِأهلِه أن يَترُكوها فيُسَمّى تَركُهُم صَدَقة. وتُفَصِّلُ بِحَسَبِ قَومِ المَقتول: من قَومٍ عَدُوٍّ وهو مُؤمِنٌ فالتَّحريرُ وَحدَه، ومن قَومٍ بَينَهُم وبَينَ المُخاطَبينَ ميثاقٌ فالدِّيةُ والتَّحريرُ، والدِّيةُ مُقَدَّمةٌ في الذِّكر، ووَصفُ المَقتولِ في هذه الصّورةِ يَسَعُ وَجهَين. ومَن لم يَجِدْ فإمساكٌ يَطولُ شَهرَينِ يَلحَقُ فيهِما اليَومُ بِاليَوم، ثُمَّ يُسَمّى ذلك تَوبةً من الله، رُجوعاً صادِراً من عِندِه، وتُختَمُ الآيةُ بِالعِلمِ والإحكامِ كما خُتِمَتِ الآيةُ السّابِعةَ عَشرة.