الإسراء · الآية 111

﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا

«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي»: الطَّرَفُ الآخَرُ من مَطلَعِ السّورة

افتُتِحَتِ السّورةُ بِـسُبْحَانَ الَّذِي﴾، وتُختَمُ بِـ«الحَمدُ لِلّهِ الَّذي»، وفي كُلٍّ مِنهُما مَصدَرٌ ثُمَّ مَوصول، فالبِنيَةُ واحِدةٌ في الطَّرَفَينِ وإن فَصَلَ «لِلّهِ» في الثّاني.

ثُمَّ يَفتَرِقُ ما بَعدَ المَوصول، فصِلَتُه في المَطلَعِ فِعلٌ مُثبَتٌ هو «أسرى»، وصِلَتُه في الخِتامِ ثَلاثةُ أفعالٍ مَنفِيّة: «لم يَتَّخِذْ»، «ولم يَكُنْ»، «ولم يَكُنْ»، فقد فُتِحَتِ السّورةُ بِما فُعِل، وتُغلَقُ بِما لم يَكُن.

و س-ب-ح مُرورٌ لا يَعلَقُ بِصاحِبِه مِنه شَيء، و ح-م-د احتِواءٌ يَنضَبِطُ فيَثبُتُ ولا يَتَفَلَّت، فالأوَّلُ يُخَلّي والآخِرُ يُقيم، والسّورةُ تَبدَأُ بِغَسلِ المَجرى وتَنتَهي بِوَضعِ ما يَستَقِرُّ فيه.

واقتِرانُ اللَّفظَينِ من داخِلِ السّورة، غَيرُ مُستَورَدٍ عَلَيها، فهي التي جَمَعَتْهُما في وَسَطِها: يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، وما جاءَ مَقروناً في الوَسَطِ افتَرَقَ على الطَّرَفَين.

وثَمَّ فَرقٌ آخَرُ لا يُغفَل، فقد جاءَت «سُبحان» في المَطلَعِ بِلا أمر، والكِتابُ هو الذي قالَها، وأمّا «الحَمدُ» فيَسبِقُها هُنا «وقُلِ»، فآخِرُ كَلامٍ في السّورةِ يُوضَعُ في فَمِ قارِئِها، وقد بَدَأَت تَتَكَلَّمُ عَنه، وانتَهَت تُكَلِّمُه.

«لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا»: النَّفيُ واقِعٌ على الأخذِ لا على الوُجود

و«اتَّخَذَ» على وَزنِ افتَعَل، وفي هذا البابِ تَكَلُّفٌ ذاتيٌّ وسَحبٌ إلى النَّفس، فالمَنفِيُّ فِعلٌ يَصدُرُ عن فاعِلٍ يَجذِبُ شَيئاً إلى حَوزَتِه، زيادةً على وُجودٍ يَقَع.

وقد جَرى هذا الفِعلُ بِعَينِه في السّورةِ قَبلَ هذا، ومِن مَواضِعِه واحِدٌ مَحكِيٌّ في مَعرِضِ الإنكار: وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾، فرُفِعَ اللَّفظُ هُناكَ سُؤالاً، ويُوضَعُ هُنا نَفياً، وما سُئِلَ عنه في الوَسَطِ يُقضى فيه في الخِتام.

و«وَلَداً» نَكِرةٌ في سِياقِ النَّفي، فتَعُمُّ كُلَّ ما يَقَعُ عَلَيه الاسم. والوَلَدُ من و-ل-د، وأصلُه وَصلٌ يَتَعَلَّقُ ثُمَّ يَثبُتُ مَضبوطاً، أي ما يَنفَصِلُ عن الذّاتِ ويَبقى مَربوطاً بِها، فالمَنفِيُّ رِباطٌ يَخرُجُ من الدّاخِلِ ولا يُفارِق.

«وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ»: يَنتَقِلُ النَّفيُ من الفِعلِ إلى الكَون

وبَقِيَتِ الأداةُ «لَم» وتَبَدَّلَ الفِعلُ بَعدَها، فكانَ النَّفيُ أوَّلاً عن فِعلٍ يُفعَل، وصارَ الآنَ عن كَونٍ يَكون، والأوَّلُ يَنفي أن يَأخُذ، والثاني يَنفي أن يوجَدَ أصلاً ما يُؤخَذ.

و«لَه» جارٌّ ومَجرورٌ مُقَدَّمٌ على اسمِ «كانَ» المُؤَخَّر، فالنَّفيُ يَقَعُ أوَّلَ ما يَقَعُ على النِّسبة، ومَحَلُّه أنَّ الشَّريكَ ليسَ لَه، وليسَ مَحَلُّه أنَّ شَريكاً غَيرُ مَوجودٍ في ذاتِه.

والشِّركُ من ش-ر-ك، وأصلُه انتِشارٌ يَجري ثُمَّ يُحبَسُ ويُمسَكُ في مَوضِعٍ واحِد، فالشَّريكُ طَرَفٌ ثانٍ يُدخَلُ في مَحَلٍّ لا يَقبَلُ إلّا واحِداً. و«في المُلك» ظَرفٌ يُعَيِّنُ المَحَلّ، و م-ل-ك ضَمٌّ يَتَعَلَّقُ ويَحوزُ ثُمَّ يُقبَضُ عَلَيه فيُكتَم، فهو قَبضةٌ تُحيطُ ثُمَّ تُطبِق، وما أُطبِقَ عَلَيه لا يُقسَم.

«وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ»: قَيدٌ يُغَيِّرُ النَّفيَ كُلَّه

والجُملةُ الثالِثةُ تُخالِفُ أُختَيها، فالنَّفيانِ قَبلَها لا يُسَمِّيانِ مَخرَجاً، وهذا النَّفيُ يَنتَهي بِجارٍّ ومَجرور: «مِنَ الذُّلِّ»، والقَيدُ في النَّفيِ يُضَيِّقُه ولا يُوَسِّعُه.

ولَو أُريدَ نَفيُ الوَلِيِّ مُطلَقاً لَانتَهى الكَلامُ حَيثُ انتَهى في الجُملةِ التي قَبلَها، إذ لم يَأتِ فيها «شَريكٌ مِن كَذا»، ووُضِعَ في الأولى ظَرفٌ يُعَيِّنُ المَحَلَّ، ووُضِعَ في هذه حَرفٌ يُعَيِّنُ المَصدَر.

و«مِن» ابتِدائِيّةٌ تُسَمّي المَكانَ الذي يَخرُجُ الشَّيءُ مِنه، فالمَنفِيُّ وَلِيٌّ يَكونُ الذُّلُّ هو الذي أخرَجَه، أي نَصيرٌ يُلتَمَسُ لِأنَّ صاحِبَه لا يَقدِر، وعُدِلَ في الآيةِ عن نَفيِ الوَلِيِّ مُطلَقاً إلى نَفيِ وَلِيٍّ من هذا المَخرَج.

وقد مَرَّ هذا الحَرفُ نَفسُه مَعَ هذا الجَذرِ نَفسِه في هذه السّورة: جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، فهُناكَ خَفضٌ مَأمورٌ بِه ومَصدَرُه مُسَمّىً: مِن الرَّحمة، وهُنا وَلِيٌّ مَنفِيٌّ ومَصدَرُه مُسَمّىً: مِن الذُّلّ، و«مِن» في المَوضِعَينِ تَدُلُّ على شَيءٍ واحِد، هو المَخرَجُ الذي خَرَجَ مِنه الشَّيء، والسّورةُ تَأمُرُ بِخَفضٍ يَخرُجُ من رَحمة، وتَنفي نُصرةً تَخرُجُ من هَوان.

والذُّلُّ من ذ-ل-ل، وهو نُفوذٌ حادٌّ يَتَعَلَّقُ ويَلتَصِقُ ثُمَّ يُقيمُ فلا يُنزَع، ومِنه «الذَّلول» لِما نَفَذَت فيه إرادةُ غَيرِه حتّى لانَ لَه، فالذُّلُّ في أصلِه دُخولُ إرادةٍ أُخرى وإقامَتُها. والوَلِيُّ من و-ل-ي، وهو وَصلٌ يَتَعَلَّقُ ويَسري لَيِّناً مُلازِماً، فإذا كانَ الوَصلُ خارِجاً من ذلك الدُّخولِ فهو وَصلُ مَن لم يَبقَ لَه من نَفسِه شَيء.

ولا يُجعَلُ في هذه السّورةِ لِوَلِيٍّ شَيءٌ إلّا في مَوضِعٍ واحِد: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾، وهو وَلِيٌّ يَقومُ مَقامَ مَن لم يَعُدْ يَستَطيعُ أن يَقومَ بِنَفسِه، فقد أرَتِ السّورةُ مِن أينَ يَجيءُ الوَلِيُّ قَبلَ أن تَنفِيَه بِثَمانٍ وسَبعينَ آية، وحَرفٌ واحِدٌ يُبقي الوَلايةَ ويَنفي الحاجةَ إلَيها.

«وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا»: فِعلٌ يُؤَكَّدُ بِمَصدَرِه

و«كَبِّرْ» على وَزنِ فَعَّل، وفي هذا البابِ مَعنى النِّسبة، فكَبَّرَه أي نَسَبَ إلَيه الكِبَر، والمَأمورُ بِه إثباتُ وَصفٍ، لا إحداثُ قَدر، فالمُكَبِّرُ لا يَزيدُ في المُكَبَّرِ شَيئاً، وإنَّما يَضَعُ الاسمَ في مَوضِعِه.

و«تَكبيراً» مَفعولٌ مُطلَقٌ من لَفظِ الفِعل، فالحَدَثُ يُقالُ مَرَّتَين: مَرّةً أمراً ومَرّةً اسماً. وهذا يُطابِقُ ما فُتِحَتْ بِه السّورة، فإنَّ «سُبحان» مَصدَرٌ أيضاً، ففي أوَّلِها مَصدَرٌ وفي آخِرِها مَصدَر، غَيرَ أنَّ الأوَّلَ نَطَقَ بِه الكِتابُ عن قارِئِه، والآخِرَ أُمِرَ بِه القارِئُ نَفسُه.

و ك-ب-ر تَداخُلٌ غائِرٌ يَتَّصِلُ ويَتَمَسَّكُ ثُمَّ يَجري فيَمتَدُّ ويَنمو، وقد وُصِفَ بِهذا الجَذرِ في وَسَطِ السّورةِ عُلُوٌّ: عُلُوًّا كَبِيرًا﴾، فهو في ذلك المَوضِعِ خَبَرٌ يُقالُ عنه، وفي هذا أمرٌ يُقالُ لِلمُخاطَب، وآخِرُ ما في السّورةِ فِعلٌ في يَدِه.


حَصيلة

تَنغَلِقُ السّورةُ على البِنيَةِ التي فُتِحَت بِها: مَصدَرٌ ثُمَّ مَوصول، «سُبحانَ الَّذي» أوَّلاً و«الحَمدُ لِلّهِ الَّذي» آخِراً. وصِلةُ المَوصولِ في المَطلَعِ فِعلٌ مُثبَتٌ واحِد، وفي الخِتامِ ثَلاثةُ أفعالٍ مَنفِيّة. و س-ب-ح مُرورٌ لا يَعلَقُ، و ح-م-د احتِواءٌ يَنضَبِطُ فيَثبُت: تُخَلّى القَناةُ في الأوَّلِ ويوضَعُ فيها في الآخِر، وقد جَمَعَتِ السّورةُ اللَّفظَينِ في وَسَطِها يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ قَبلَ أن تُفَرِّقَهُما على طَرَفَيها. والفارِقُ الأكبَرُ أنَّ الأولى قيلَت بِلا أمر، وهذه سَبَقَها «وقُلِ»، فخِتامُ السّورةِ يُنقَلُ إلى فَمِ قارِئِها. ثُمَّ ثَلاثةُ نُفِيّ: «لم يَتَّخِذْ» تَنفي فِعلاً يُفعَلُ بِتَكَلُّفٍ ذاتيّ، وقد رُفِعَ هذا اللَّفظُ سُؤالاً في وَسَطِ السّورة؛ و«لم يَكُنْ لَه شَريكٌ» تَنفي كَوناً لا فِعلاً، والنَّفيُ واقِعٌ على النِّسبةِ لِتَقَدُّمِ «لَه»، والمُلكُ قَبضةٌ تُطبِقُ فلا تُقسَم؛ والثّالِثةُ وَحدَها مُقَيَّدةٌ بِمَخرَج: «وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ»، و«مِن» ابتِدائِيّةٌ تُسَمّي المَخرَج، فالمَنفِيُّ نَصيرٌ يُلتَمَسُ عن عَجز، لا الوَلايةُ نَفسُها. وقد قالَتِ السّورةُ «مِن» مَعَ الذُّلِّ مَرّةً أُخرى، جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، فأمَرَت بِخَفضٍ يَخرُجُ من رَحمة، وأرَت مِن أينَ يَجيءُ الوَلِيُّ حينَ جَعَلَت لِوَلِيِّ مَن قُتِلَ مَظلوماً سُلطاناً فلَم يَبقَ لَه قِيامٌ بِنَفسِه. ثُمَّ يُختَمُ بِـ«وكَبِّرْهُ تَكبيراً»، وهو فَعَّلَ لِنِسبةِ الوَصفِ لا لِإحداثِ القَدر، ومَصدَرٌ يُؤَكِّدُ فِعلَه. فمَصدَرٌ فَتَحَ السّورةَ ومَصدَرٌ أغلَقَها، والأوَّلُ نَطَقَ بِه الكِتاب، والآخِرُ وُضِعَ في يَدِ قارِئِها.