النساء · الآية 136

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا»: ثِقةٌ تُطلَبُ مِمَّن وُصِفوا بِها

يَعودُ في صَدرِ الآيةِ النِّداءُ الذي افتُتِحَت بِه الآيةُ قَبلَها، وكانَ المَطلوبُ هُناكَ قِياماً بِالقِسط: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، وهو هُنا ثِقةٌ تُطلَبُ بِالفِعلِ الذي نودوا بِه: «آمَنوا» ثُمَّ «آمِنوا». فالماضي يَصِفُ المُنادَيْنَ بِثِقةٍ كانَت مِنهُم، والأمرُ يَطلُبُها مِنهُم، ولا شَيءَ بَينَ النِّداءِ والأمر. وهذا المَوضِعُ وَحدَه في الكِتابِ يَلي فيه النِّداءَ أمرٌ من فِعلِه نَفسِه بِلا فاصِل، وقد طُلِبَتِ الثِّقةُ من المُنادَيْنَ بِهذا النِّداءِ في مَوضِعٍ آخَرَ بَعدَ أمرٍ بِالتَّقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾.

والثِّقةُ من أ-م-ن، سُكونٌ يَنعَقِدُ في الباطِنِ ثُمَّ يَخرُجُ أماناً يَأمَنُه مَن حَولَ صاحِبِه، والأمرُ بِها لم يَأتِ مُطلَقاً، إذ وَصَلَتْه الباءُ بِما تَقَعُ عَلَيه الثِّقة: «بِاللهِ ورَسولِه والكِتابِ... والكِتابِ...». فالمَطلوبُ يَتَعَيَّنُ بِما بَعدَه، ولَفظُ الأمرِ يَتَّسِعُ لِأكثَرَ من وَجه: أن يَدوموا على ثِقةٍ هي فيهِم، أو أن يَستَوفوها حتّى تَعُمَّ هذه المُتَعَلَّقاتِ كُلَّها، أو أن يَستَكمِلوها حتّى يُوافِقَ باطِنُها ظاهِرَها، والآيةُ تَحتَمِلُها جَميعاً. غَيرَ أنَّ بِناءَها يَضَعُ ثِقلَه على المُتَعَلَّقات، فقد سُمِّيَ فيها الرَّسولُ مَرَّتَين، وسُمِّيَ الكِتابُ مَرَّتَين.

«وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ»: كِتابٌ واحِدُ الاسمِ في زَمَنَين

ويَأتي الكِتابُ في المَرَّتَينِ مُعَرَّفاً، مَوصولاً بِـ«الذي» وفِعلٍ من ن-ز-ل، والجِذرُ ما كانَ مَكنوناً في عُلُوٍّ يُرسَلُ إلى ما تَحتَه حتّى يَحُلَّ بِمَوضِعِه. والفِعلُ الأوَّلُ «نَزَّلَ» على فَعَّل، والثّاني «أنزَلَ» على أفعَل، وهُما بِناءانِ مُتَعَدِّيانِ من جِذرٍ واحِد، والكِتابُ يَستَعمِلُ كُلّاً مِنهُما لِلكِتابِ النّازِلِ على المُخاطَبِ نَفسِه: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ في الآيةِ الثّالِثةِ من سورةِ آلِ عِمران، وهي تَقرِنُه بِـوَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ كما تَقرِنُ هذه الآيةُ الفِعلَين، وهُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ في السّابِعةِ مِنها، ويَستَعمِلُ «نُزِّلَ» فيما طُلِبَ أن يَنزِلَ جُملةً واحِدة: لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ في سورةِ الفُرقان. فالذي يَفرُقُ بَينَ الكِتابَينِ في هذه الآيةِ ما وَصَلَتْه بِكُلِّ فِعل: «على رَسولِه» لِلأوَّل، و«مِن قَبلُ» لِلثّاني.

و«على» تَجعَلُ الرَّسولَ مَوضِعاً يَقَعُ عَلَيه النّازِلُ من فَوق، والضَّميرُ في «رَسولِه» يَعودُ إلى الله، فالرَّسولُ الذي تُطلَبُ الثِّقةُ بِه في أوَّلِ الآيةِ هو الذي نَزَلَ عَلَيه الكِتابُ الأوَّل. و«قَبلُ» مَبنيّةٌ على الضَّمّ، إذ حُذِفَ ما تُضافُ إلَيه ونُوِيَ مَعناه، فالآيةُ تَقولُ «مِن قَبلُ» وتَترُكُ لِسِياقِها تَعيينَ ما كانَ الإنزالُ قَبلَه، والأقرَبُ فيه: قَبلَ الكِتابِ الذي سُمِّيَ لِلتَّوّ، وقد وُصِلَت بِضَميرِ المُخاطَبِ في الآيةِ السِّتّين: وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾. وسُمِّيَ ما أُنزِلَ من قَبلُ «الكِتابَ» بِالإفراد، ثُمَّ جاءَ في شَطرِ الآيةِ الثّاني «وكُتُبِه» جَمعاً، فالمُفرَدُ اسمٌ لِجِنسِ ما يُكتَبُ ويُنزَل، يَصدُقُ على كِتابٍ وعلى كُتُب، والآيةُ تُسَمّي الكِتابَ بِاسمٍ واحِدٍ في زَمَنَين: ما نَزَلَ على الرَّسول، وما أُنزِلَ قَبلَه.

«وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»: قائمةٌ تَتَّسِعُ حينَ يُذكَرُ الغِطاء

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ من الأمرِ إلى الشَّرط، ومن الثِّقةِ إلى الكُفر، والكُفرُ من ك-ف-ر غِطاءٌ يُلقى على الشَّيءِ فيَسُدُّ مَنفَذَ ظُهورِه ويَبقى عَلَيه. وتَتَّسِعُ القائمةُ في الشَّرط: كانَ في الأمرِ اللهُ ورَسولُه والكِتابان، وصارَ في الشَّرطِ اللهُ ومَلائكتُه وكُتُبُه ورُسُلُه واليَومُ الآخِر، فالرَّسولُ صارَ رُسُلاً، والكِتابانِ صارا كُتُباً، ودَخَلَ المَلائكةُ واليَومُ الآخِر. وقد اجتَمَعَتِ الأربَعةُ الأُولى بِهذا التَّرتيبِ في مَوضِعٍ واحِدٍ آخَرَ من الكِتاب، مُتَعَلَّقاتٍ لِلثِّقة: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾، وهي هُنا مُتَعَلَّقاتٌ لِلكُفر، ومَعَها اليَومُ الآخِر.

والمَلائكةُ من أ-ل-ك، والأَلوكُ الرِّسالة، فالمَلَكُ حامِلُ رِسالةٍ يُؤَدّيها، والكُتُبُ من ك-ت-ب كَلامٌ جُمِعَ وحُبِسَ في خَطٍّ يُبقيه، والرُّسُلُ من ر-س-ل مَبعوثونَ بِما يَصِلُ إلى غَيرِهِم، واليَومُ الآخِرُ ما يَأتي بَعدَ الأيّامِ كُلِّها. فإذا قُرِئَتِ القائمةُ بِجُذورِها سارَت مَعَ الرِّسالةِ من مُرسِلِها، إلى حامِليها، إلى ما ثَبَتَ مِنها مَكتوباً، إلى مَن يُبَلِّغونَها، ثُمَّ إلى اليَومِ الذي تَنتَهي إلَيه. وتَجمَعُها باءٌ واحِدةٌ في «بِاللهِ» والواوُ تَعطِفُ بَعضَها على بَعض، فيَقَعُ الكُفرُ في الشَّرطِ على الجُملةِ كُلِّها، ويَتَّسِعُ العَطفُ لِأن يَتِمَّ الشَّرطُ بِالكُفرِ بِها مُجتَمِعةً أو بِالكُفرِ بِأيٍّ مِنها. وتَعودُ السّورةُ في الآيةِ الخَمسينَ بَعدَ المِئةِ إلى مَن يُريدونَ أن يُفَرِّقوا بَينَ اللهِ ورُسُلِه ويَقولون: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾، ثُمَّ تُسَمّيهِم في الآيةِ التي تَليها: أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾.

«فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا»: ضَلالٌ يُقاسُ بِالمَسافة

وجَوابُ الشَّرطِ «فقد ضَلَّ»، والفاءُ تَربِطُه بِما قَبلَه، و«قد» مَعَ الماضي تُثبِتُ الضَّلالَ واقِعاً ساعةَ يَقَعُ الكُفر. والضَّلالُ من ض-ل-ل، سائرٌ يَخرُجُ إلى مُتَّسَعٍ مَكشوفٍ فيَمضي فيه، ولا شَيءَ يَرُدُّه إلى مَعالِمِ طَريقِه. وأُكِّدَ الفِعلُ بِمَصدَرِه «ضَلالاً»، ثُمَّ وُصِفَ المَصدَرُ بِـ«بَعيداً»، فصارَ الضَّلالُ مَسافةً تُقاس: بُعداً عن الطَّريقِ الذي تُرِك. ولا تَرِدُ «ضَلالاً بَعيداً» في الكِتابِ إلّا في هذه السّورة، في أربَعِ آيات: السِّتّينَ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، والسّادِسةَ عَشرةَ بَعدَ المِئة، وهذه، والسّابِعةِ والسِّتّينَ بَعدَ المِئة قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. ويَتَطابَقُ لَفظُ «فقد ضَلَّ ضَلالاً بَعيداً» في آيَتَينِ مِنها فَقَط: هُنا بَعدَ الكُفرِ بِهذه الجُملة، وفي السّادِسةَ عَشرةَ بَعدَ المِئةِ بَعدَ الإشراك: وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.


حَصيلة

تُعيدُ الآيةُ نِداءَ الذينَ آمَنوا وتَطلُبُ مِنهُم ما وُصِفوا بِه، ثِقةً من أ-م-ن تَسكُنُ الباطِنَ وتَخرُجُ أماناً، وتَصِلُها الباءُ بِاللهِ ورَسولِه وبِكِتابٍ سُمِّيَ مَرَّتَين: ما نَزَلَ على الرَّسول، وما أُنزِلَ من قَبلُ. والفِعلانِ «نَزَّلَ» و«أنزَلَ» بِناءانِ من ن-ز-ل يَستَعمِلُهُما الكِتابُ لِلكِتابِ الواحِد، فيَقَعُ الفَرقُ بَينَ الكِتابَينِ فيما وُصِلَ بِالفِعلَين: «على رَسولِه» و«مِن قَبلُ». ثُمَّ تَنتَقِلُ الآيةُ إلى الشَّرطِ فتَتَّسِعُ القائمة: اللهُ ومَلائكتُه وكُتُبُه ورُسُلُه واليَومُ الآخِر، وهي بِجُذورِها مَسارُ الرِّسالةِ من مُرسِلِها إلى يَومِ مُنتَهاها، ومَن ألقى عَلَيها غِطاءَ الكُفرِ، من ك-ف-ر، فقد خَرَجَ إلى مُتَّسَعٍ لا مَعلَمَ فيه، من ض-ل-ل، ضَلالاً يُقاسُ بِبُعدِه، لا يَرِدُ لَفظُه مَنصوباً «ضَلالاً بَعيداً» في الكِتابِ إلّا في هذه السّورة.