النساء · الآية 16

﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا

«وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ»: اثنانِ يُعرَفانِ بِما أتَيا

تَعطِفُ الآيةُ على سابِقَتِها وتَأخُذُ مِنها فِعلَها وما وَقَعَ عَلَيه: «يَأتِيانِها»، والهاءُ في آخِرِه تَرجِعُ إلى «الفاحِشة» التي سُمِّيَت في الآيةِ قَبلَها، فالفِعلُ واحِدٌ والآتي تَغَيَّر. هُناكَ «اللّاتي»، جَمعٌ من النِّساء، وهُنا «اللَّذانِ»، مُثَنًّى، فالآيةُ تَنظُرُ إلى الفِعلِ نَفسِه من جِهةِ اثنَينِ يَشتَرِكانِ فيه. والمُثَنّى المُذَكَّرُ في العَرَبيّةِ يَصدُقُ على رَجُلَين، ويَصدُقُ على رَجُلٍ وامرأةٍ يُجمَعانِ في لَفظٍ واحِدٍ يَغلِبُ فيه المُذَكَّر، واللَّفظُ في الآيةِ يَتَّسِعُ لِلوَجهَينِ مَعاً.

و«مِنكُم» تُعيدُ ما قالَتهُ الآيةُ السّابِقةُ في الشُّهود: «أربَعةً مِنكُم»، فالآتِيانِ هُنا من الجَماعةِ نَفسِها التي يَخرُجُ مِنها الشُّهودُ هُناك، والآيَتانِ تَجعَلانِ الفِعلَ والشَّهادةَ عَلَيه والحُكمَ فيه داخِلَ جَماعةٍ واحِدة. ويُعَرِّفُهُما لَفظُ «اللَّذانِ» بِما فَعَلا، فهُما في الآيةِ «اللَّذانِ يَأتِيانِها»، وهذا وَصفُهُما ما دامَ الفِعلُ قائماً فيهِما، حتّى إذا تابا وأصلَحا انتَقَلَ وَصفُهُما إلى فِعلٍ آخَرَ يُسنَدُ إلَيهِما.

«فَآذُوهُمَا»: أذىً يُسَمّى بِأثَرِه

والأمرُ فيهِما «فآذوهُما»، والأذى من أ-ذ-ي، وهو ما يُصيبُ الحِسَّ أو النَّفسَ فيُؤلِمُ ويُبقي صاحِبَه، والكِتابُ يَضَعُه دونَ الضَّرَرِ في قَولِه لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. فالأذى في جِذرِه إصابةٌ تَنالُ من المَرءِ ولا تَبلُغُ هَلاكَه. وقد جاءَ الأمرُ بِالفِعلِ العامّ، فالآيةُ تُسَمّي ما يُفعَلُ بِالاثنَينِ بِأثَرِه فيهِما وتَترُكُ صورتَه مَفتوحة، والفاءُ في «فآذوهُما» تَرُدُّه إلى الإتيانِ الذي قَبلَه، فهو جَزاءٌ مُرَتَّبٌ على الفِعل.

ويَتَقابَلُ الحُكمانِ في الآيَتَين: هُناكَ إمساكٌ في البُيوتِ لَه حَدّان، وهُنا أذىً لَه حَدٌّ واحِدٌ يَأتي من جِهةٍ أُخرى. فالإمساكُ يَنتَهي بِما يَأتي من خارِجِ المُمسَكات: مَوتٌ يَستَوفي، أو سَبيلٌ يَجعَلُه الله، والأذى يَنتَهي بِما يَصدُرُ عن المُؤذَيَينِ أنفُسِهِما: أن يَتوبا ويُصلِحا. فالشَّرطُ «فإن تابا» يَضَعُ آخِرَ الأذى في يَدِ مَن يَقَعُ عَلَيه، ويَجعَلُ رُجوعَهُما هو الذي يَرفَعُه.

«فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا»: رُجوعٌ يُقابِلُه انصِراف

والتَّوبةُ من ت-و-ب، وهي الرُّجوعُ بَعدَ الذَّهاب، يُقالُ «تابَ» إذا رَجَعَ عمّا كانَ فيه، ومنه «المَتاب» لِلمَرجِع. وقد قُرِنَت في الآيةِ بِالإصلاح: «تابا وأصلَحا»، والإصلاحُ من ص-ل-ح، إعادةُ الشَّيءِ إلى حالٍ يَستَقيمُ فيها ويَنفَعُ صاحِبَه، وهو ما يُقابِلُ الفَسادَ الذي يَتَفَكَّكُ بِه الشَّيء. فالرُّجوعُ في الآيةِ يَقتَرِنُ بِفِعلٍ ثانٍ يَبني ما انكَسَر، والفِعلانِ كِلاهُما مُسنَدانِ إلى الاثنَين، يَصدُرانِ عَنهُما.

والجَوابُ «فأعرِضوا عَنهُما»، والإعراضُ من ع-ر-ض، والعُرضُ الجانِب، فأعرَضَ عن الشَّيءِ أي وَلّاه عُرضَه وانصَرَفَ عَنه إلى غَيرِه. فالأمرُ هُنا أن يَنصَرِفَ المُخاطَبونَ عن الاثنَينِ ويَكُفّوا عَنهُما الأذى، فتَتبَعُ الجَماعةُ في فِعلِها فِعلَ الاثنَين: رَجَعا فانصَرَفَت عَنهُما. والإعراضُ يَرِدُ في الكِتابِ ذَمّاً لِمَن يُوَلّي جانِبَه عن الذِّكر: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾، ويَرِدُ هُنا أمراً مَطلوباً، فالفِعلُ واحِدٌ ويَتَغَيَّرُ حُكمُه بِما يُعرَضُ عَنه: الإعراضُ عن الذِّكرِ إدبار، والإعراضُ عن التّائبَينِ كَفٌّ وتَرك.

«إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا»: رُجوعٌ من الأعلى يَلقى رُجوعَ الاثنَين

وتُختَمُ الآيةُ بِالجِذرِ الذي رَجَعَ بِه الاثنان: «تَوّاباً»، على بِناءٍ يَدُلُّ على الكَثرةِ والتَّكرار، فاللهُ في الآيةِ كَثيرُ الرُّجوعِ على مَن يَرجِع، والوَصفُ يَلي «فإن تابا» في الآيةِ نَفسِها، فيَتَّصِلُ رُجوعُ العَبدِ بِرُجوعٍ يُقابِلُه. و«إنَّ» تَجعَلُ الخاتِمةَ تَعليلاً لِما قَبلَها: يَكُفُّ النّاسُ عمَّن رَجَعَ لِأنَّ اللهَ تَوّابٌ عَلَيه، و«كانَ» تُثبِتُ الصِّفةَ قائمةً غَيرَ مَحصورةٍ في زَمَن. ثُمَّ «رَحيماً»، من ر-ح-م، الجِذرِ الذي سَمّى بِه أوَّلُ السّورةِ «الأرحام»، والرَّحمةُ رِقّةٌ تَحتَضِنُ ما تَنضَمُّ عَلَيه، فالآيةُ تَنتَهي بَعدَ الأذى إلى رُجوعٍ واحتِضان.


حَصيلة

تَعطِفُ الآيةُ على سابِقَتِها وتَأخُذُ فِعلَها، فالهاءُ في «يَأتِيانِها» تَعودُ إلى الفاحِشة، والاثنانِ «مِنكُم» من الجَماعةِ التي يَخرُجُ مِنها الشُّهود، ولَفظُ المُثَنّى يَتَّسِعُ لِرَجُلَينِ ولِرَجُلٍ وامرأة. والأمرُ فيهِما أذىً، من أ-ذ-ي، إصابةٌ تُؤلِمُ ولا تُهلِك، تُسَمّيه الآيةُ بِأثَرِه وتَترُكُ صورتَه مَفتوحة، وحَدُّه يَأتي من الاثنَينِ أنفُسِهِما: أن يَتوبا، من ت-و-ب، فيَرجِعا، ويُصلِحا، من ص-ل-ح، فيَبنِيا ما انكَسَر. فإذا فَعَلا أُمِرَ المُخاطَبونَ بِالإعراضِ عَنهُما، من ع-ر-ض، انصِرافاً يَكُفُّ الأذى، وخُتِمَت الآيةُ بِالجِذرِ الذي رَجَعا بِه، «تَوّاباً»، ثُمَّ بِـ«رَحيماً» من جِذرِ الأرحام. فرُجوعُ الاثنَينِ يَلقاهُ انصِرافُ الجَماعةِ عَنهُما ورُجوعُ اللهِ عَلَيهِما مَعاً.