النساء · الآية 38

﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا

«وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ»: مالٌ يَخرُجُ ووِجهَتُه أعيُنُ النّاس

تَبدَأُ الآيةُ بِواوٍ تَصِلُها بِما قَبلَها، و«الَّذينَ» بَعدَها يَحتَمِلُ ثَلاثةَ وُجوه: أن يُعطَفَ على «الَّذينَ» في صَدرِ الآيةِ السّابِعةِ والثَّلاثين، فيَنضَمَّ فَريقٌ ثانٍ إلى الأوَّلِ في الوَصفِ نَفسِه ويَبقى لَه من وُجوهِ التَّعَلُّقِ ما بَقِيَ لِذاك، أو على «لِلكافِرين» في آخِرِها، فيَدخُلَ في مَن أُعتِدَ لَهُمُ العَذابُ المُهين، أو أن يَبدَأَ كَلاماً جَديداً تُرِكَ خَبَرُه. والفَريقانِ مُتَقابِلانِ في الظّاهِر: الأوَّلُ يُمسِكُ فلا يُخرِج، والثّاني يُخرِجُ مالَه. والإنفاقُ من ن-ف-ق، أن يَخرُجَ ما يَحتَويه الجَوفُ من مَنفَذٍ ثُمَّ يَنقَطِعَ عن صاحِبِه، ومنه «النَّفَق» سَرَبٌ لَه مَخرَج، و«نَفَقَتِ السِّلعةُ» خَرَجَت من يَدِ صاحِبِها بِالبَيع. و«أموالَهُم» مُضافةٌ إلَيهِم، فالمالُ في الآيةِ مالُهُم، يَخرُجُ من أيديهِم حَقّاً ويَنقَطِعُ عَنها.

ثُمَّ جاءَ ما يُعَيِّنُ وِجهةَ هذا الإخراج: «رِئاءَ النّاس». والرِّئاءُ مَصدَرُ «راءى» على فاعَل، من ر-أ-ي، وبِناءُ فاعَلَ يَجعَلُ الرُّؤيةَ مُتَبادَلة: يُري النّاسَ نَفسَه لِيَرَوه، ويَرقُبُ رُؤيَتَهُم لَه. ونَصبُ «رِئاءَ» يَجعَلُه غايةَ الإنفاقِ أو هَيئَتَه، والمَعنى في الوَجهَينِ واحِد: الإنفاقُ مُوَجَّهٌ إلى أعيُنِ النّاس. فالمالُ يَخرُجُ من اليَد، وما يُطلَبُ بِه يَعودُ إلى صاحِبِه: أن يُرى. وبِهذا يَلتَقي الفَريقانِ على اختِلافِ فِعلَيهِما، فكِلاهُما يَدورُ حَولَ نَفسِه: الأوَّلُ يَحبِسُ المالَ عِندَه، والثّاني يُرسِلُه لِيَرجِعَ إلَيه نَظَراً. وقد ذُكِرا بَعدَ «مُختالاً»، وهو من خ-ي-ل الذي يَمشي في صورةٍ يَتَخَيَّلُها، والرِّئاءُ صورةٌ تُعرَضُ على العُيون.

«وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ»: نَفيٌ يُعادُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ من الاثنَين

وعُطِفَ على الإنفاقِ لِلأعيُنِ نَفيُ الإيمان. والإيمانُ من أ-م-ن، أمانٌ يَسكُنُ الباطِنَ ثُمَّ يَنبَعِثُ مِنه، فمَن آمَنَ بِشَيءٍ سَكَنَ إلَيه وأعطاه ثِقَتَه. وقد أُعيدَت «لا» وأُعيدَتِ الباءُ في «ولا يُؤمِنونَ بِاللهِ ولا بِاليَومِ الآخِر»، فكُلُّ واحِدٍ من الاثنَينِ مَنفيٌّ على حِدَتِه. وفي مَوضِعٍ آخَرَ يوصَفُ المُنفِقُ رِئاءَ النّاسِ بِنَفيٍ واحِدٍ يَضُمُّهُما: كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وأمّا هُنا فالنَّفيُ مُعادٌ مَعَ كُلٍّ مِنهُما.

و«اليَومُ الآخِرُ» من أ-خ-ر، اليَومُ الذي يَأتي بَعدَ الأيّامِ كُلِّها. ويَتَجاوَرُ في الآيةِ الرِّئاءُ ونَفيُ الثِّقةِ بِهذا اليَوم، فالإنفاقُ الذي يُطلَبُ جَزاؤه من أعيُنِ النّاسِ في حينِه يَقتَرِنُ بِغِيابِ يَومٍ يُنتَظَرُ فيه جَزاءٌ آخَر. فالآيةُ تَضَعُ الأمرَينِ في نَسَقٍ واحِد: عَينٌ تُطلَبُ الآن، ويَومٌ آخِرٌ لا يُعطى ثِقة.

«وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا»: البَعيدُ في جِذرِه قَرينٌ مَشدود

ثُمَّ خُتِمَتِ الآيةُ بِكَلامٍ عامٍّ يَبدَأُ بِـ«مَن»: «ومَن يَكُنِ الشَّيطانُ لَهُ قَريناً فساءَ قَريناً». و«يَكُنِ» مَجزومٌ بِالشَّرط، حُرِّكَ آخِرُه بِالكَسرِ لِلِقاءِ ساكِنَين، و«الشَّيطانُ» اسمُه، و«قَريناً» خَبَرُه، و«لَهُ» تَجعَلُ القَرينَ مُلازِماً لِصاحِبِه مَنسوباً إلَيه. والقَرينُ من ق-ر-ن، ما يُشَدُّ إلى نَظيرِه فيَجريانِ مَعاً، ومنه «القَرَن» الحَبلُ يُقرَنُ بِه البَعيران. والشَّيطانُ من ش-ط-ن، وحُروفُه امتِدادٌ يَذهَبُ بَعيداً، ومنه «شَطَنَتِ الدّارُ» بَعُدَت، و«الشَّطَن» الحَبلُ الطَّويل. فيَجتَمِعُ في الآيةِ ما أصلُه البُعدُ وما أصلُه الشَّدُّ والمُلازَمة: البَعيدُ صارَ قَريناً مَشدوداً إلى صاحِبِه.

و«فساءَ قَريناً» ذَمٌّ بِفِعلِ «ساءَ» يَتلوهُ تَمييزٌ يُعَيِّنُ المَذموم، على هَيئةِ ما في الآيةِ الثّانيةِ والعِشرينَ من هذه السّورة: «وساءَ سَبيلاً»، فالسّورةُ تَذُمُّ هُناكَ طَريقاً، وتَذُمُّ هُنا صاحِباً. وفي الكِتابِ مَوضِعٌ يُجعَلُ فيه الشَّيطانُ قَريناً لِمَن يَعشو عن الذِّكر: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. والخِتامُ هُنا عامٌّ بِـ«مَن»، يَقَعُ بَعدَ وَصفِ الفَريقَينِ فيَشمَلُ مَن كانَ هذا شَأنَه مِنهُم ومن غَيرِهِم. وقد عَدَّتِ الآيةُ السّادِسةُ والثَّلاثونَ «الصّاحِبَ بِالجَنبِ» في مَن يُحسَنُ إلَيهِم، ويَقِفُ في آخِرِ هذا الوَصفِ صاحِبٌ من نَوعٍ آخَر: قَرينٌ مَشدودٌ يُذَمُّ بِـ«ساءَ».


حَصيلة

تَذكُرُ الآيةُ بَعدَ الباخِلينَ فَريقاً يُنفِقُ أموالَه، مَعطوفاً عَلَيهِم أو على «لِلكافِرين» أو مُبتَدَأً بِه كَلامٌ جَديد، والإنفاقُ من ن-ف-ق خُروجُ المالِ من اليَدِ وانقِطاعُه عَنها، غَيرَ أنَّ وِجهَتَه «رِئاءَ النّاس»، مَصدَرُ «راءى» من ر-أ-ي، رُؤيةٌ مُتَبادَلةٌ يُري فيها المُنفِقُ نَفسَه لِيُرى، فالمالُ يَخرُجُ وما يُطلَبُ بِه يَعودُ إلَيه. ويَتَّصِلُ بِذلك نَفيُ الإيمانِ من أ-م-ن، مُعاداً مَعَ اللهِ ومَعَ اليَومِ الآخِرِ كُلٍّ على حِدَتِه، فالعَينُ المَطلوبةُ في حينِها تُجاوِرُ يَوماً آخِراً لا ثِقةَ بِه. ثُمَّ يُختَمُ بِحُكمٍ عامٍّ في القَرين: الشَّيطانُ من ش-ط-ن، أصلُه البُعد، يَصيرُ قَريناً من ق-ر-ن، مَشدوداً إلى صاحِبِه، ويُذَمُّ بِـ«ساءَ» كما ذُمَّ السَّبيلُ في الآيةِ الثّانيةِ والعِشرين. فالمُمسِكُ والمُنفِقُ لِلأعيُنِ يَقِفانِ مَعاً بَعدَ المُختالِ الفَخور، ويَقِفُ في خِتامِهِما قَرينٌ يُقابِلُ الصّاحِبَ بِالجَنبِ الذي ذُكِرَ في الإحسان.