النساء · الآية 39

﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا

«وَمَاذَا عَلَيْهِمْ»: سُؤالٌ يَزِنُ ما امتَنَعوا عَنه

تَأتي الآيةُ بَعدَ وَصفِ الباخِلينَ والمُنفِقينَ لِلأعيُنِ في الآيَتَينِ السّابِعةِ والثَّلاثينَ والثّامِنةِ والثَّلاثين بِسُؤال: «وماذا عَلَيهِم». و«على» تَضَعُ الشَّيءَ فَوقَ صاحِبِه حِملاً يَقَعُ عَلَيه، و«ماذا» تَسألُ عن هذا الحِمل: ما الذي كانَ سيَثقُلُ عَلَيهِم. والسُّؤالُ لا يَأتي بَعدَه جَواب، وهَيئَتُه تَحمِلُ جَوابَه، فهو سُؤالُ مَن يَعرِضُ أمراً خَفيفاً على مَن امتَنَعَ عَنه. والضَّميرُ في «عَلَيهِم» يَرجِعُ إلى مَن وُصِفوا قَبلُ، فالآيةُ تَضَعُ ما تَرَكوه في كَفّةٍ وتَسألُهُم عن وَزنِه.

«لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»: ثِقةٌ تَجمَعُ ما فُرِّق

و«لو» تَفرِضُ ما لم يَقَع، والفِعلُ بَعدَها ماضٍ: «آمَنوا»، فالكَلامُ يَفرِضُ لَهُم حالاً لم تَكُن. والإيمانُ من أ-م-ن، والجِذرُ يَجمَعُ الطُّمَأنينةَ في الدّاخِلِ وخُروجَها أماناً إلى الخارِج، فالإيمانُ بِاللهِ سُكونٌ إلَيه يَفيضُ على ما حَولَ صاحِبِه. وقد نُفِيَ في الآيةِ الثّامِنةِ والثَّلاثينَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ من مُتَعَلَّقَيه على حِدَتِه: «ولا يُؤمِنونَ بِاللهِ ولا بِاليَومِ الآخِر»، وهُنا يُعرَضُ بِباءٍ واحِدةٍ تَضُمُّ الاثنَين: «بِاللهِ واليَومِ الآخِر». فالثِّقةُ التي غابَت عَنهُم مُجَزَّأةً تُعرَضُ عَلَيهِم مَجموعةً في لَفظٍ واحِد.

و«اليَومُ الآخِرُ» من أ-خ-ر، والجِذرُ حَبسٌ عن التَّقَدُّمِ يَجعَلُ الشَّيءَ يَأتي بَعدَ غَيرِه، فاليَومُ الآخِرُ ما يَأتي حينَ تَنقَضي الأيّامُ التي قَبلَه. والثِّقةُ بِه في هذا المَوضِعِ تُقابِلُ الرِّئاءَ الذي سَبَق، إذ يَنتَظِرُ صاحِبُها جَزاءً في يَومٍ يَأتي بَعد، ولا يَأخُذُه من أعيُنِ النّاسِ ساعةَ الإنفاق.

«وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ»: إنفاقٌ يُسَمّي مُعطيه

ثُمَّ يُعطَفُ الإنفاقُ على الإيمان: «وأنفَقوا مِمّا رَزَقَهُمُ الله». والفِعلُ نَفسُه جاءَ في الآيةِ السّابِقة: «يُنفِقونَ أموالَهُم»، والمالُ هُناكَ مُضافٌ إلَيهِم، وأمّا هُنا فمَوضِعُ الإنفاقِ «ما رَزَقَهُمُ الله»، والمُعطي مُسَمّىً في الجُملةِ نَفسِها كما سُمِّيَ في «ما آتاهُمُ اللهُ من فَضلِه» في الآيةِ السّابِعةِ والثَّلاثين. والرِّزقُ من ر-ز-ق، مَدَدٌ يَجري ثُمَّ يُقطَعُ بِمِقدار، و«مِمّا» من «مِن» و«ما»، فالمَطلوبُ بَعضُ هذا المَدَدِ لا كُلُّه.

وبِهذا يُجيبُ الفِعلانِ ما سَبَقَهُما: «آمَنوا» يُقابِلُ «ولا يُؤمِنون»، و«أنفَقوا مِمّا رَزَقَهُمُ الله» يُقابِلُ البُخلَ في الآيةِ السّابِعةِ والثَّلاثينَ والإنفاقَ لِلأعيُنِ في الثّامِنةِ والثَّلاثينَ مَعاً: إخراجٌ من رِزقٍ يُسَمّى مُعطيه، مَقرونٌ بِثِقةٍ بِاللهِ وبِاليَومِ الآخِر. فالآيةُ تَعرِضُ فِعلاً واحِداً يُجيبُ ما وُصِفَ في الآيَتَين: حَبساً في الأُولى وإخراجاً لِلعُيونِ في الثّانية، ويَبقى مَفتوحاً أيَرجِعُ ضَميرُ «عَلَيهِم» إلى الفَريقَينِ أم إلى أقرَبِهِما.

«وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا»: عِلمٌ يَستَغني عن العَرض

وخُتِمَتِ الآيةُ بِالعِلم: «وكانَ اللهُ بِهِم عَليماً». والعِلمُ من ع-ل-م، أمرٌ يَبرُزُ من خَفائه فيُدرَكُ ويُمسَكُ في النَّفس، و«عَليم» على فَعيلٍ لِعِلمٍ ثابِتٍ مُتَمَكِّن، و«كانَ» تَرفَعُ الوَصفَ عن أن يَكونَ طارِئاً. وتَعَلَّقَ العِلمُ بِـ«بِهِم»، بِأشخاصِهِم، فهو عِلمٌ بِهِم أنفُسِهِم: بِما يُمسِكونَ ويَكتُمون، وبِما يُنفِقونَ ولِمَن يُنفِقون. ويَقَعُ هذا الخِتامُ بَعدَ ذِكرِ الرِّئاء، فالذينَ أنفَقوا لِيَراهُمُ النّاسُ مَعلومونَ عِندَ مَن لا يَحتاجُ عِلمُه إلى أن يُعرَضَ عَلَيه شَيء.


حَصيلة

تَزِنُ الآيةُ بِسُؤالٍ ما امتَنَعَ عَنه مَن وُصِفوا قَبلَها: «وماذا عَلَيهِم»، و«على» تَسألُ عن حِملٍ يَثقُل، والسُّؤالُ يَحمِلُ جَوابَه. ثُمَّ تَعرِضُ عَلَيهِم ما غابَ عَنهُم: إيماناً من أ-م-ن، طُمَأنينةً تَسكُنُ الدّاخِلَ وتَخرُجُ أماناً، بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ مَجموعَينِ بِباءٍ واحِدةٍ بَعدَ أن نُفِيَ مَعَ كُلٍّ مِنهُما على حِدَتِه، والآخِرُ من أ-خ-ر يَومٌ يَأتي بَعدَ الأيّام. وتَعرِضُ إنفاقاً «مِمّا رَزَقَهُمُ الله»، من ر-ز-ق، مَدَدٍ يَجري ويُقطَعُ بِمِقدار، يُسَمّي مُعطيه ويَأخُذُ بَعضَه، فيُجيبُ البُخلَ والرِّئاءَ مَعاً. وتُختَمُ بِعِلمٍ من ع-ل-م قائمٍ بِهِم، يُحيطُ بِما أمسَكوا وما أظهَروا، فيَقَعُ بَعدَ الرِّئاءِ عِلمٌ يَستَغني عن العَرض.