النساء · الآية 37

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا

«الَّذِينَ يَبْخَلُونَ»: وَصفٌ يَأخُذُ مَكانَه بَعدَ «مُختالاً فَخوراً»

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«الَّذينَ» بِلا عاطِفٍ قَبلَه، ولا يَأتي لَه فيها خَبَر: يَمضي الكَلامُ من «يَبخَلونَ» إلى «مِن فَضلِه»، ثُمَّ يَنفَتِحُ كَلامٌ جَديدٌ بِالواوِ في «وأعتَدنا». فأقرَبُ ما يَتَعَلَّقُ بِه «الَّذينَ» ما خُتِمَت بِه الآيةُ السّادِسةُ والثَّلاثون: «إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُختالاً فَخوراً»، فيَكونُ بَدَلاً من «مَن» يُسَمّي المَوصوفينَ هُناكَ بِأفعالِهِم هُنا، وهذا وَجهٌ لا يُقَدَّرُ فيه لَفظٌ مَحذوف. وقد جاءَ التَّرتيبُ نَفسُه في مَوضِعٍ واحِدٍ آخَرَ من الكِتاب، تَلي فيه «الَّذينَ يَبخَلونَ ويَأمُرونَ النّاسَ بِالبُخلِ» قَولَه وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، ولا خَبَرَ لَها هُناكَ أيضاً. غَيرَ أنَّ «الَّذينَ» اسمٌ لا تَظهَرُ عَلَيه حَرَكةُ إعراب، فلَفظُه يَحتَمِلُ كذلك أن يَكونَ مَقطوعاً عمّا قَبلَه على الذَّمّ، أو مُبتَدَأً تُرِكَ خَبَرُه لِيَدُلَّ عَلَيه ما يَليه، وكُلٌّ من الوَجهَينِ يُقَدِّرُ لَفظاً غائباً. فيَبقى مَفتوحاً: أهُمُ المُختالونَ الفَخورونَ أنفُسُهُم سُمّوا بِما يَصنَعون، أم كَلامٌ جَديدٌ يَضَعُهُم إلى جانِبِهِم.

والبُخلُ من ب-خ-ل، وحُروفُه تَصِفُ يَداً تَلتَصِقُ بِالمَنفَذِ الذي يَنبَغي أن يَخرُجَ مِنه الشَّيءُ، فتَحبِسُه عِندَه وتَحوزُه لِصاحِبِه. وجاءَ «يَبخَلونَ» مُضارِعاً بِلا مَفعول، فالإمساكُ في الآيةِ عادةٌ جاريةٌ مُطلَقةٌ تَعُمُّ كُلَّ ما يَنبَغي أن يَخرُج. ويَقِفُ هذا الإمساكُ قُبالةَ ما سَبَقَه في الآيةِ السّادِسةِ والثَّلاثين: هُناكَ إحسانٌ يُلصَقُ بِالوالِدَينِ ثُمَّ يَتَّسِعُ حتّى يَبلُغَ ابنَ السَّبيلِ والمَملوك، وهُنا يَدٌ تُمسِكُ فلا يَخرُجُ مِنها إلى تِلكَ الدَّوائرِ شَيء.

«وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ»: إمساكٌ يَخرُجُ من اليَدِ إلى النّاس

ثُمَّ يَتَعَدّى الإمساكُ صاحِبَه: «ويَأمُرونَ النّاسَ بِالبُخل». والأمرُ طَلَبٌ يُوَجَّهُ إلى الغَير، و«النّاسَ» اسمٌ عامٌّ يَشمَلُ كُلَّ مَن يَبلُغُه قَولُهُم، و«البُخلُ» مَصدَرٌ جاءَ بَعدَ فِعلِه، فما كانَ فِعلاً في أيديهِم صارَ اسماً يُحمَلُ إلى غَيرِهِم ويُدعى إلَيه. والباءُ في «بِالبُخلِ» تَصِلُ المَأمورينَ بِما أُمِروا بِه، وقد كانَتِ الباءُ في الآيةِ السّابِقةِ تَصِلُ الإحسانَ بِالوالِدَينِ وبِذي القُربى ومَن بَعدَهُم، فالحَرفُ الواحِدُ يَربِطُ هُناكَ الفِعلَ الجَميلَ بِأهلِه، ويَربِطُ هُنا النّاسَ بِالإمساك. والفِعلانِ مُضارِعانِ مُتَعاطِفانِ يَجريانِ مَعاً، يُمسِكونَ ويَأمُرونَ بِالإمساك، فالبُخلُ في الآيةِ يُمارَسُ ويُعَلَّمُ في وَقتٍ واحِد.

«وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ»: زِيادةٌ تُحبَسُ في الصُّدور

والفِعلُ الثّالِثُ «يَكتُمونَ»، من ك-ت-م، وهو أن يُحبَسَ الشَّيءُ في الباطِنِ ويُطبَقَ عَلَيه فلا يَظهَر. ووَقَعَ الكِتمانُ على «ما آتاهُمُ اللهُ من فَضلِه»، و«ما» اسمٌ عامٌّ يَشمَلُ كُلَّ ما أُعطوه، مالاً كانَ أو عِلماً أو غَيرَهُما، والمُعطي مُسَمّىً في الجُملةِ نَفسِها: «آتاهُمُ الله». و«مِن» تَجعَلُ ما في أيديهِم بَعضاً من فَضلِه، والفَضلُ من ف-ض-ل ما يَفيضُ عن المِقدارِ فيَخرُجُ مِنه ويَتَمَيَّز. فالمَكتومُ في الآيةِ زِيادةٌ شَأنُها أن تَفيضَ وتُرى، حُبِسَت في الصُّدورِ فلم تَظهَرْ على أصحابِها.

وقد جاءَتِ العِبارةُ نَفسُها مَفعولاً لِلبُخلِ في مَوضِعٍ آخَر: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، فالعَطاءُ هُناكَ مَحبوسٌ عن الخُروج، وهُنا تُرِكَ «يَبخَلونَ» مُطلَقاً وانتَقَلَتِ العِبارةُ إلى الكِتمان. فالآيةُ تَجمَعُ على العَطاءِ الواحِدِ فِعلَين: حَبسَه عن أن يَخرُج، وحَبسَه عن أن يُعرَف.

«وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا»: كِتمانٌ يُلاقي السَّتر، وتَعاظُمٌ يَنتَهي إلى هَوان

ثُمَّ يَتَحَوَّلُ الكَلامُ من ذِكرِ اللهِ بِاسمِه في «آتاهُمُ الله» إلى المُتَكَلِّمِ نَفسِه: «وأعتَدنا». والإعتادُ من ع-ت-د، أن يُهَيَّأَ الشَّيءُ ويُتَمَّمَ ثُمَّ يُحبَسَ حاضِراً لِوَقتِه، وقد جاءَ الفِعلُ نَفسُه في الآيةِ الثّامِنةَ عَشرةَ من هذه السّورة. ووَقَعَ الإعتادُ «لِلكافِرين»، وأوثِرَ الاسمُ الظّاهِرُ على ضَميرٍ يَعودُ على المَوصوفين. والكُفرُ من ك-ف-ر سَترٌ يُغلِقُ مَنفَذَ الظُّهورِ ويَدومُ على ما تَحتَه، فيَلتَقي في الآيةِ الكِتمانُ والسَّتر: الأوَّلُ حَبسٌ لِما في الدّاخِل، والثّاني غِطاءٌ على المَنفَذ. ويَبقى مَفتوحاً أن يَكونَ «الكافِرين» اسماً يُسَمّى بِه أصحابُ الكِتمانِ بِما آلَ إلَيه فِعلُهُم، أو حُكماً عامّاً يوضَعُ إلى جانِبِهِم.

و«مُهيناً» من ه-و-ن، خِفّةٌ في القَدرِ تَسكُنُ الباطِنَ ثُمَّ تَظهَرُ على صاحِبِها، وبِه وُصِفَ العَذابُ في الآيةِ الرّابِعةَ عَشرةَ من هذه السّورةِ أيضاً. وبِه يَنتَهي الكَلامُ الذي بَدَأَ بِـ«مُختالاً فَخوراً»: صورةٌ تَتَضَخَّمُ وتَمشي في خَيالِها وتُعلِنُ مَناقِبَها، ثُمَّ عَذابٌ يُظهِرُ الخِفّةَ على مَن يَقَعُ عَلَيه. فيَقَعُ في طَرَفَيِ الكَلامِ لَفظانِ مُتَقابِلان: تَعاظُمٌ في أوَّلِه، وهَوانٌ في آخِرِه.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ بِأفعالِهِم فَريقاً يُذكَرُ بَعدَ «مَن كانَ مُختالاً فَخوراً»، و«الَّذينَ» في صَدرِها بِلا خَبَر: أقرَبُ ما يَتَعَلَّقُ بِه «مَن» بَدَلاً لا يُقَدَّرُ فيه شَيء، ويَحتَمِلُ لَفظُه أن يَكونَ مَقطوعاً على الذَّمّ أو كَلاماً جَديداً تُرِكَ خَبَرُه. وأفعالُهُم ثَلاثةٌ مُضارِعةٌ جارية: بُخلٌ من ب-خ-ل، يَدٌ تَلتَصِقُ بِالمَنفَذِ فتَحبِسُ ما يَنبَغي أن يَخرُج، ثُمَّ أمرٌ يَحمِلُ هذا الإمساكَ إلى النّاس، ثُمَّ كِتمانٌ من ك-ت-م يَحبِسُ في الباطِنِ «ما آتاهُمُ اللهُ من فَضلِه»، وهو زِيادةٌ من ف-ض-ل شَأنُها أن تَفيض. ثُمَّ يَتَكَلَّمُ اللهُ بِضَميرِ «نا» فيُخبِرُ بِعَذابٍ أُعِدَّ من قَبلُ «لِلكافِرين»، وفي هذا الاسمِ الظّاهِرِ يَلتَقي الكِتمانُ والسَّتر، ويَبقى مَفتوحاً أهُوَ تَسميةٌ لَهُم أم حُكمٌ عامٌّ إلى جانِبِهِم. ويُختَمُ العَذابُ بِـ«مُهيناً» من ه-و-ن، فالكَلامُ الذي بَدَأَ بِتَعاظُمٍ يَنتَهي إلى هَوان.