النساء · الآية 161

﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

«وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ»: أخذٌ سَبَقَه النَّهي

تَبدَأُ الآيةُ بِاسمٍ مَجرورٍ مَعطوفٍ على ما قَبلَه: «وأخذِهِم»، فهو داخِلٌ تَحتَ الباءِ التي في «وبِصَدِّهِم» من الآيةِ السّابِقة، ومَعدودٌ مَعَها في أسبابِ التَّحريم، ولِذلك جاءَ مَكسوراً. والأخذُ من أ-خ-ذ تَهَيُّؤٌ يَنفُذُ إلى الشَّيءِ حتّى يُماسَّه ويَنالَه، وقد تَنَقَّلَ الجِذرُ في هذا المَقطَعِ بَينَ فاعِلين: الصّاعِقةُ تَأخُذُ في الآيةِ الثّالِثةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾، وهُم يَتَّخِذونَ في الآيةِ نَفسِها، ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾، والمُتَكَلِّمُ يَأخُذُ الميثاقَ في التي تَليها، وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾، ثُمَّ عادَ الأخذُ هُنا فِعلَ الغائبينَ أنفُسِهِم: يَأخُذونَ الرِّبا.

والرِّبا من ر-ب-و، شَيءٌ يَتَراكَمُ فيَزيدُ على أصلِه ويَعلوه مَوصولاً بِه، ومنه «الرَّبوةُ» لِما عَلا من الأرض، و«رَبا المالُ» زادَ ونَما. وجاءَ مُعَرَّفاً، والضَّميرُ في «عَنه» يَعودُ إلَيه، فالمَأخوذُ هو الذي سَبَقَ النَّهيُ عَنه بِعَينِه. وقد سَمّى الكِتابُ تَناوُلَ الرِّبا في مَوضِعَينِ أكلاً: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ ولَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾، وسَمّاه هُنا أخذاً، ثُمَّ جَعَلَ الأكلَ لِأموالِ النّاسِ في الجُملةِ التّالِية، فوَصَفَتِ الآيةُ فِعلَين: يَداً تَمتَدُّ إلى الزِّيادةِ فتَنالُها، وجَوفاً يُدخِلُ مالَ غَيرِه فيُذهِبُ عَينَه.

وجُملةُ «وقد نُهوا عَنه» وَصفٌ لِحالِ الآخِذينَ ساعةَ الأخذ، و«قد» قَبلَ «نُهوا» تُثبِتُ النَّهيَ سابِقاً لِلأخذ، فالأخذُ وَقَعَ والنَّهيُ قائمٌ بَينَ أيديهِم. والنَّهيُ من ن-ه-ي حَبسٌ يَقِفُ عِندَ حَدٍّ فلا يُتَجاوَز، وقد بُنِيَ الفِعلُ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه: «نُهوا»، فثِقلُ الجُملةِ على وُقوعِ النَّهيِ عَلَيهِم، وبِه صارَ الأخذُ تَجاوُزاً لِحَدٍّ مَضروبٍ قَبلَه.

«وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ»: مالٌ يَنتَقِلُ من حائِزِه بِما لا يَثبُت

ثُمَّ يُعطَفُ الأكلُ على الأخذ: «وأكلِهِم أموالَ النّاسِ بِالباطِل». والأكلُ من أ-ك-ل إدخالُ الشَّيءِ في الجَوفِ حتّى تَذهَبَ عَينُه ويَصيرَ من آكِلِه، والمالُ من م-و-ل ما يُحازُ ويُمسَكُ مَنسوباً إلى صاحِبِه، وقد أُضيفَتِ الأموالُ إلى «النّاس»، فهي مُعَلَّقةٌ بِأصحابِها، والأكلُ يَنقُلُها من حَوزَتِهِم إلى أجوافِ الآكِلين. و«النّاسُ» اسمٌ عامّ، فالمَأكولُ مالُ غَيرِهِم أيّاً كانَ صاحِبُه.

والباءُ في «بِالباطِل» لِلوَسيلة، والباطِلُ من ب-ط-ل ما يَسقُطُ مُنبَسِطاً فلا يَقومُ لَه أثَرٌ يَثبُت، فالمالُ يُؤكَلُ بِطَريقٍ لا يَقومُ في مُقابِلِه شَيءٌ ثابِت. وقد نَهَتِ السّورةُ الذينَ آمَنوا عن هذا الأكلِ بِفِعلِه نَفسِه وبِلَفظِ «بِالباطِل» في الآيةِ التّاسِعةِ والعِشرين: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾، فالفِعلُ الذي نُهِيَ عَنه المُخاطَبونَ هُناكَ يُعَدُّ هُنا سَبَباً لِما نَزَلَ بِغَيرِهِم. ويَقتَرِنُ أكلُ أموالِ النّاسِ بِالباطِلِ بِالصَّدِّ عن سَبيلِ اللهِ في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتاب: لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، كما اقتَرَنا في هاتَينِ الآيتَين.

«وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا»: عَذابٌ مُهَيَّأٌ لِبَعضِ الجَماعة

ثُمَّ تَنتَقِلُ الآيةُ من الأسبابِ إلى ما هُيِّئ: «وأعتَدنا»، من ع-ت-د، شَيءٌ يُتَمَّمُ ثُمَّ يُحبَسُ حاضِراً لِوَقتِه، فالعَذابُ مُعَدٌّ قَبلَ أن يَصِلَ إلَيه أصحابُه. واللامُ في «لِلكافِرين» تُعَيِّنُ مَن أُعِدَّ لَهُم، والكُفرُ من ك-ف-ر غِطاءٌ يُسَدُّ بِه مَنفَذُ الظُّهور، ثُمَّ جاءَت «مِنهُم» فجَعَلَتِ المُغَطّينَ بَعضاً من الجَماعةِ التي عُدَّت أسبابُها. والعَذابُ من ع-ذ-ب قَبضةٌ يَنفُذُ مِنها ما يُؤلِمُ ويُحبَسُ على صاحِبِه، ووُصِفَ بِـ«أليماً»، من أ-ل-م، وَقعٌ حادٌّ يَعلَقُ بِالحِسّ.

وقد جاءَ «وأعتَدنا لِلكافِرين» في هذه السّورةِ ثَلاثَ مَرّات: في الآيةِ السّابِعةِ والثَّلاثين، وفي الحادِيةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة، مَتبوعاً فيهِما بِـعَذَابًا مُّهِينًا﴾، وفي هذه الآيةِ مَوصولاً بِـ«مِنهُم» ومَتبوعاً بِـ«عَذاباً أليماً». وبِهذا البَعضِ تَنفَتِحُ الآيةُ التّالِية، إذ تَبدَأُ بِـ«لكِنْ» وتَعودُ إلى «مِنهُم» نَفسِها: لَّٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾، فالجَماعةُ التي عُدَّت أسبابُها فيها مَن أُعِدَّ لَه العَذاب، وفيها مَن رَسَخَ في العِلم.


حَصيلة

تُكمِلُ الآيةُ عَدَّ الأسبابِ الذي بَدَأَ في الآيةِ قَبلَها، فتَعطِفُ على «بِصَدِّهِم» سَبَبَينِ مَجرورَين: أخذَهُمُ الرِّبا، والرِّبا من ر-ب-و زِيادةٌ تَتَراكَمُ على أصلِها، وقد نُهوا عَنه قَبلَ أن يَأخُذوه، ثُمَّ أكلَهُم أموالَ النّاسِ بِالباطِل، أي إدخالَهُم مالاً مَنسوباً إلى غَيرِهِم في أجوافِهِم بِطَريقٍ لا يَثبُتُ لَه أثَر. فالتَّناوُلُ في الآيةِ على وَجهَين: يَدٌ تَأخُذُ ما حُدَّ دونَه حَدّ، وجَوفٌ يَأكُلُ ما لَيسَ لَه، وقد نُهِيَ المُخاطَبونَ في هذه السّورةِ عن الأكلِ بِالباطِلِ في الآيةِ التّاسِعةِ والعِشرين. ثُمَّ تَذكُرُ الآيةُ عَذاباً أليماً أُعِدَّ من قَبلُ لِلمُغَطّينَ «مِنهُم»، وهذه الكَلِمةُ تَجعَلُهُم بَعضاً من الجَماعة، وتَفتَحُ البابَ لِلآيةِ التّالِيةِ التي تُسَمّي البَعضَ الآخَر: الرّاسِخينَ في العِلمِ مِنهُم.