النساء · الآية 174

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم»: نِداءٌ يَعودُ إلى النّاسِ كافّةً بِخَبَرِ ما حَضَر

يُنادى النّاسُ هُنا بِاللَّفظِ الذي نودوا بِه في أوَّلِ آيةٍ من السّورة: «يا أيُّها النّاس»، وهو فيها ثَلاثُ مَرّات: في أوَّلِها، وفي الآيةِ السَّبعينَ بَعدَ المِئة، وفي هذه الآية. والنّاسُ اسمٌ يَجمَعُ المُخاطَبينَ كُلَّهُم ولا يُفرِدُ مِنهُم فَريقاً بِوَصف، فما يَأتي بَعدَه يَتَوَجَّهُ إلى الجَميع. و«قد» مَعَ الفِعلِ الماضي تُثبِتُ أنَّ المَجيءَ وَقَعَ وتَمّ، و«جاءَكُم» من ج-ي-ء، مُجتَمِعٌ يَسيرُ حتّى يَنبَثِقَ حاضِراً في مَوضِعٍ لم يَكُن فيه، وضَميرُ المُخاطَبينَ يَجعَلُهُمُ المَوضِعَ الذي حَضَرَ فيه. فالآيةُ تُخبِرُ النّاسَ بِشَيءٍ صارَ بَينَهُم.

والآيةُ السَّبعونَ بَعدَ المِئةِ قائمةٌ على الإطارِ نَفسِه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ﴾، نِداءٌ ثُمَّ «قد جاءَكُم» ثُمَّ «من رَبِّكُم». وفاعِلُ المَجيءِ هُناكَ «الرَّسولُ»، والباءُ في «بِالحَقّ» تُعَدّي فِعلَه إلى الحَقّ فهو الذي أحضَرَه، وتَبِعَ ذلك أمرٌ: فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾، وفاعِلُ المَجيءِ هُنا «بُرهانٌ» يَحضُرُ بِنَفسِه، ويَتبَعُه نُورٌ يُنزَل، ثُمَّ تَصِفُ الآيةُ التّالِيةُ الذينَ آمَنوا. فالإطارُ الواحِدُ يَضَعُ ما جاءَ في الآيَتَينِ جَنباً إلى جَنب، ويُبقي لِكُلٍّ مِنهُما اسمَه في لَفظِ آيَتِه.

«بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ»: حُجّةٌ تَأتي النّاسَ بَعدَ أن كانَت تُطلَبُ من المُدَّعين

والبُرهانُ الحُجّةُ الفاصِلةُ البَيِّنة، وحُروفُه الأربَعةُ، ب-ر-ه-ن، تَرسُمُ شَيئاً يَخرُجُ ويَجري في مَجرىً مَفتوحٍ لا يَعتَرِضُه شَيءٌ حتّى يَنفُذَ ظاهِراً لِمَن يُلقى إلَيه. وقد جاءَ اللَّفظُ في الكِتابِ في ثَماني آيات، أربَعٌ مِنها طَلَبٌ يُوَجَّهُ إلى أصحابِ الدَّعاوى: هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾، والبُرهانُ فيها مُضافٌ إلَيهِم مَطلوبٌ مِنهُم. وجاءَ مَرّةً مَنفِيّاً عمَّن يَدعو مَعَ اللهِ إلهاً آخَر: لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾، ومَرّةً شَيئاً يُرى: لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، ومَرّةً اسماً لِآيَتَينِ شوهِدَتا بِالعَين، عَصاً تَهتَزُّ ويَدٍ تَخرُجُ بَيضاء: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ﴾. فالبُرهانُ في لِسانِ الكِتابِ يُطلَبُ ويُؤتى بِه ويُرى، ويَتَّسِعُ لِلحُجّةِ التي تُقالُ ولِلآيةِ التي تُشاهَد.

والبُرهانُ في هذه الآيةِ نَكِرة، يُسَمّى بِما يَفعَلُه، ويَبقى تَعيينُه مَفتوحاً في لَفظِها. وقَيدُه «من رَبِّكُم» يَعكِسُ ما جَرى في آياتِ الطَّلَب: هُناكَ يُطلَبُ البُرهانُ من المُدَّعينَ ويُضافُ إلَيهِم، «بُرهانَكُم»، وهُنا يَأتي البُرهانُ إلى النّاسِ جَميعاً ويُنسَبُ إلى رَبِّهِم. والرَّبُّ من ر-ب-ب، مَن يَتَعَهَّدُ الشَّيءَ ويُلازِمُه حتّى يَستَوي، وقد وُصِفَ في أوَّلِ السّورةِ بِأنَّه الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، فالحُجّةُ تَأتي النّاسَ من الذي تَعَهَّدَهُم من أصلِهِم.

«وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا»: إنزالٌ يَنتَهي إلى النّاسِ أنفُسِهِم

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ من الغَيبةِ في «رَبِّكُم» إلى المُتَكَلِّم: «وأنزَلنا»، فيُسنِدُ المُتَكَلِّمُ الإنزالَ إلى نَفسِه بِنونِ العَظَمة. ويَختَلِفُ فِعلا الآية: البُرهانُ فاعِلُ «جاءَ»، يَسيرُ هو حتّى يَحضُر، والنُّورُ مَفعولُ «أنزَلنا»، يُنزَلُ من عُلُوّ. والإنزالُ من ن-ز-ل، وحُروفُه تَرسُمُ ما يُحفَظُ في عُلُوٍّ ثُمَّ يَنحَدِرُ حتّى يَستَقِرَّ في مَوضِعٍ أدنى، و«إلَيكُم» تُسَمّي هذا المَوضِع: النّاسَ الذينَ نودوا. وقد ذَكَرَتِ السّورةُ الإنزالَ «إلَيكَ» لِلمُخاطَبِ المُفرَدِ في غَيرِ مَوضِع، كما في إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، و«أنزَلنا إلَيكُم» لا تَجيءُ فيها إلّا في هذه الآية، فالنُّورُ هُنا نازِلٌ إلى النّاسِ كافّة.

والنُّورُ من ن-و-ر، طاقةٌ تَخرُجُ من داخِلٍ فتَسري فيما حَولَها، فما يَقَعُ عَلَيه النُّورُ يُرى، وما يَغيبُ عَنه يَبقى في مَوضِعِه غَيرَ مَرئيّ. ولَيسَ في السّورةِ نُورٌ غَيرُ هذا: فبَعدَ آياتٍ كَثيرةٍ فَصَّلَتِ الحُقوقَ والأحكامَ ووَصَفَتِ الفِرَق، يُسَمّى ما أُنزِلَ إلى النّاسِ بِاسمِ ما تُرى بِه الأشياء. وجاءَ «نُوراً» نَكِرةً كما جاءَ «بُرهانٌ» نَكِرة، والتَّنكيرُ فيهِما يُبقي كُلّاً مِنهُما مُسَمّىً بِما يَفعَل.

«مُّبِينًا»: نُورٌ يَبينُ في نَفسِه ويُبينُ ما يَقَعُ عَلَيه

و«مُبيناً» اسمُ فاعِلٍ من «أبانَ»، والفِعلُ في كَلامِ العَرَبِ لازِمٌ ومُتَعَدٍّ: «أبانَ الشَّيءُ» إذا ظَهَرَ واتَّضَح، و«أبانَه» إذا أظهَرَه. وقد جاءَ الوَصفُ في الآيةِ بِلا مَفعول، فيَصدُقُ فيه المَعنَيان: نُورٌ ظاهِرٌ في نَفسِه، ونُورٌ يُظهِرُ ما يَقَعُ عَلَيه، وهُما مَعاً طَبيعةُ النُّور. والجِذرُ ب-ي-ن انفِتاحٌ يُخرِجُ الباطِنَ إلى الظُّهورِ فيَنفَصِلُ الشَّيءُ عمّا حَولَه، ومنه «البَيْن» الفاصِلُ بَينَ شَيئَين، فالمُبينُ يَفصِلُ الأشياءَ بَعضَها عن بَعضٍ حتّى يُعرَفَ كُلٌّ مِنها بِحَدِّه.

وقد جاءَ «مُبيناً» في السّورةِ ثَمانيَ مَرّاتٍ قَبلَ هذه: وَصفاً لِلإثمِ ثَلاثاً، ولِلسُّلطانِ ثَلاثاً، ولِلعَدُوِّ مَرّةً، ولِلخُسرانِ مَرّة، وكانَ في كُلِّ مَوضِعٍ وَصفاً لِما يَظهَرُ فلا يُجحَد. وآخِرُ ما وُصِفَ بِه في السّورةِ النُّور، وهو ما يَظهَرُ بِه غَيرُه. ويَعودُ الجِذرُ في آخِرِ آيةٍ مِنها فِعلاً: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا﴾، فالإبانةُ التي وُصِفَ بِها النُّورُ هُنا تَصيرُ هُناكَ فِعلاً يَجري في قِسمةِ ما يَترُكُه المَيِّت.


حَصيلة

تُنادي الآيةُ النّاسَ كافّةً بِما نودوا بِه في أوَّلِ السّورة، وتُخبِرُهُم بِأمرَينِ حَضَرا عِندَهُم: بُرهانٌ جاءَهُم من رَبِّهِم، ونُورٌ أنزَلَه المُتَكَلِّمُ إلَيهِم. والبُرهانُ من ب-ر-ه-ن حُجّةٌ تَخرُجُ ظاهِرةً لا يَعتَرِضُها شَيء، وهو في الكِتابِ يُطلَبُ من المُدَّعينَ ويُرى بِالعَين، ويَأتي هُنا إلى النّاسِ مَنسوباً إلى رَبِّهِم. والنُّورُ من ن-و-ر طاقةٌ تَخرُجُ من داخِلٍ فتَسري فيما حَولَها، وهو النُّورُ الوَحيدُ في السّورة، نازِلٌ «إلَيكُم» إلى النّاسِ أنفُسِهِم. ووَصفُه «مُبيناً» من ب-ي-ن يَجمَعُ الظُّهورَ والإظهار، فهو بَيِّنٌ في نَفسِه ويُبينُ ما يَقَعُ عَلَيه، وبِه يُختَمُ ما وَصَفَتهُ السّورةُ بِالإبانة، ثُمَّ يَعودُ جِذرُه فِعلاً في آيَتِها الأخيرة. ويَبقى البُرهانُ والنُّورُ في لَفظِ الآيةِ مُسَمَّيَينِ بِفِعلِهِما، في إطارٍ أحضَرَ فيه الرَّسولُ الحَقَّ من قَبل.