النساء · الآية 175

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا

«فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ»: تَفصيلٌ يَأخُذُ من النّاسِ مَن أعطى ثِقَتَه

تَصِلُ الفاءُ هذه الآيةَ بِالتي قَبلَها: حُجّةٌ جاءَتِ النّاسَ ونُورٌ أُنزِلَ إلَيهِم، ثُمَّ «فأمّا الذينَ آمَنوا بِالله». و«أمّا» حَرفُ تَفصيلٍ يُفرِدُ من الجُملةِ فَريقاً، وقد جاءَ في الآيةِ الثّالِثةِ والسَّبعينَ بَعدَ المِئةِ مَرَّتَينِ لِفَريقَين: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ثُمَّ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾، ويَقِفُ هُنا عِندَ فَريقٍ واحِد. فالجَمعُ الذي نودِيَ بِـ«يا أيُّها النّاس» يُؤخَذُ مِنه الذينَ أعطَوا ثِقَتَهُم واعتَصَموا، والآيةُ كُلُّها في شَأنِهِم.

والإيمانُ من أ-م-ن، وحُروفُه تَرسُمُ طُمَأنينةً تَسكُنُ في الباطِنِ ثُمَّ تَخرُجُ إلى مَن تُعطى لَه، فالذي آمَنَ بِشَيءٍ أسكَنَ إلَيه ثِقَتَه، والباءُ في «بِالله» تُلصِقُ هذه الثِّقةَ بِاسمِه. وقد أمَرَتِ الآيةُ السَّبعونَ بَعدَ المِئةِ النّاسَ: فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾، وأمَرَتِ الحادِيةُ والسَّبعونَ بَعدَ المِئةِ أهلَ الكِتاب: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، والفِعلُ هُنا ماضٍ يَصِفُ مَن فَعَلَ ما أُمِرَ بِه، فالأمرُ الذي تَرَدَّدَ في هذا المَقطَعِ يَصيرُ في آخِرِه صِفةً لِفَريقٍ قائم.

«وَاعْتَصَمُوا بِهِ»: قَبضةٌ تَشتَدُّ على ما يَحمي

ثُمَّ «واعتَصَموا بِه»، والاعتِصامُ من ع-ص-م، والجِذرُ يَرسُمُ ما يَنغَلِقُ على ما فيه انغِلاقاً صُلباً فيَحفَظُه ويَمنَعُه، وعلى «افتَعَلَ» يَتَّخِذُ الفاعِلُ هذا الانغِلاقَ لِنَفسِه، فالمُعتَصِمُ يَشُدُّ يَدَه على ما يَحميه. وقد جاءَ الفِعلُ في الآيةِ السّادِسةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئةِ ثالِثَ أربَعةِ أفعالٍ وُصِفَ بِها الذينَ تابوا، ويَقتَرِنُ هُنا بِالإيمانِ وَحدَه. وفي مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتابِ يُسَمّى ما يُعتَصَمُ بِه حَبلاً: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾، فالاعتِصامُ في لِسانِ الكِتابِ قَبضةٌ على شَيءٍ يُمسَكُ كما يُمسَكُ الحَبل.

والضَّميرُ في «بِه» أقرَبُ ما يَعودُ عَلَيه اسمُ «الله» الذي قَبلَه، ويَحتَمِلُ اللَّفظُ أن يَعودَ على «النُّور» الذي أُنزِلَ في الآيةِ السّابِقة، وكِلاهُما مُذَكَّرٌ مُفرَد. فالاعتِصامُ على الوَجهِ الأوَّلِ احتِماءٌ بِالله، وعلى الثّاني تَمَسُّكٌ بِما أنزَلَه، والوَجهانِ يَلتَقِيانِ في أنَّ الاعتِصامَ يَنتَهي على كِلَيهِما إلى الله. ويَجمَعُ الكِتابُ العِصمةَ والرَّحمةَ في قَولِه: لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾، وتَجمَعُهُما هذه الآيةُ في تَرتيبٍ آخَر: مُعتَصِمونَ يُدخَلونَ في رَحمة.

«فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ»: رَحمةٌ يُدخَلُ فيها كما يُدخَلُ المَوضِع

ويَأتي الجَزاءُ بِفِعلٍ مُضارِعٍ دَخَلَتهُ السّين: «فسَيُدخِلُهُم»، فهو وَعدٌ يَقَعُ في ما يُستَقبَل. والإدخالُ من د-خ-ل، وحُروفُه تَرسُمُ نافِذاً يَعبُرُ إلى الدّاخِلِ ثُمَّ يَعلَقُ بِما بَلَغَه، و«في» تَجعَلُ الرَّحمةَ مَوضِعاً يُنفَذُ إلَيه ويُقامُ فيه. والرَّحمةُ من ر-ح-م، والرَّحِمُ من هذا الجِذرِ وِعاءٌ رَقيقٌ يَنضَمُّ على ما فيه، فالدّاخِلُ في رَحمةٍ داخِلٌ في مَوضِعٍ يَحتَويه ويَرِقُّ لَه. وفي أوَّلِ آيةٍ من السّورةِ عُطِفَتِ «الأرحامُ» على اسمِ اللهِ في الأمرِ بِالوِقاية، ويُسَمّي الجِذرُ نَفسُه هُنا ما يُدخَلُ فيه المُعتَصِمون. والكِتابُ يَذكُرُ الإدخالَ في الرَّحمةِ في غَيرِ مَوضِع، كما في سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾، ويَجعَلُها في مَوضِعٍ آخَرَ مُقاماً يُخلَدُ فيه: فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

و«مِنه» تَرُدُّ الرَّحمةَ إلى الله، ويَحتَمِلُ اللَّفظُ أن يَمتَدَّ هذا القَيدُ إلى «فَضلٍ» المَعطوفِ عَلَيها، فتَكونَ الرَّحمةُ والفَضلُ كِلاهُما من عِندِه. والفَضلُ من ف-ض-ل، والجِذرُ يَرسُمُ ما يَزيدُ على الحاجةِ فيَفيضُ عَنها قائماً بِنَفسِه. وفي الآيةِ الثّالِثةِ والسَّبعينَ بَعدَ المِئةِ جاءَ الفَضلُ زيادةً على أُجورٍ تُوَفّى: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾، وهُنا يَقتَرِنُ الفَضلُ بِالرَّحمةِ ويُدخَلُ فيهِما مَعاً، فالجَزاءُ في هذه الآيةِ رَحمةٌ وفَضلٌ وهِداية.

«وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا»: غايةٌ تُسَمّيها «إلَيه» وطَريقٌ يُفضي إلَيها

ثُمَّ «ويَهديهِم»، والهِدايةُ من ه-د-ي، وحُروفُها تَرسُمُ نَفَساً يَخرُجُ من الجَوفِ ثُمَّ يَندَفِعُ إلى الأمام، فالهادي يَسبِقُ مَن يَهديه ويُمضيه في وِجهَتِه. وأخَذَ الفِعلُ هُنا أمرَين: «إلَيه» تُسَمّي الغايةَ التي يَنتَهي إلَيها المَسير، و«صِراطاً» يُسَمّي الطَّريقَ الذي يُسلَك. وفي نَصبِ «صِراطاً» ثَلاثةُ أوجُه: أن يَكونَ مَفعولاً ثانِياً لِـ«يَهدي»، وهو فِعلٌ يَتَعَدّى إلى مَفعولَيه، وأن يَكونَ مَنصوباً بِفِعلٍ يَدُلُّ عَلَيه «يَهديهِم»، كأنَّه: ويُعَرِّفُهُم صِراطاً، وأن يَكونَ حالاً. وعلى الأوجُهِ كُلِّها تَبقى الغايةُ في «إلَيه» والطَّريقُ في «صِراطاً».

والضَّميرُ في «إلَيه» يَحتَمِلُ أن يَعودَ على اللهِ الذي عادَ عَلَيه «مِنه»، وأن يَعودَ على الرَّحمةِ والفَضلِ جُملةً، كأنَّهُما شَيءٌ واحِد، أو على الفَضلِ وَحدَه. وقد خُتِمَتِ الآيةُ الثّانيةُ والسَّبعونَ بَعدَ المِئةِ بِـفَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، فجاءَ «إلَيه» هُناكَ مُنتَهىً يُجمَعُ إلَيه الجَميع، ويَجيءُ هُنا غايةَ طَريقٍ يُهدى إلَيها المُعتَصِمون. وفي الآيةِ الثّامِنةِ والسِّتّينَ وَقَعَتِ الهِدايةُ على الطَّريقِ وَحدَه: وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾، وتُضيفُ هذه الآيةُ إلى الطَّريقِ غايَتَه. وجاءَ في سورةِ المائدةِ بَعدَ ذِكرِ نُورٍ جاءَ من الله: وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، و«إلى» هُناكَ تَدخُلُ على الصِّراط، وهُنا تَدخُلُ على ضَميرِ الغايةِ ويَأتي الصِّراطُ بَعدَها مَنصوباً، فالطَّريقُ هُنا مَسلَكٌ يُفضي إلى ما يُهدى إلَيه.

ويَجمَعُ الكِتابُ الاعتِصامَ والصِّراطَ المُستَقيمَ في قَولِه: وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، وهُما في هذه الآيةِ في أوَّلِها وآخِرِها. والمُستَقيمُ من ق-و-م على «استَفعَل»، والجِذرُ يَرسُمُ ما يُمسَكُ مَجموعاً من باطِنِه حتّى يَنتَصِب، فالطَّريقُ المُستَقيمُ قائمٌ على هَيئةٍ واحِدةٍ لا يَنعَطِفُ بِسالِكِه عن غايَتِه. وإذا عادَ الضَّميرانِ في «بِه» و«إلَيه» كِلاهُما على الله، افتُتِحَتِ الآيةُ بِاحتِماءٍ بِه وخُتِمَت بِطَريقٍ إلَيه، فالمُعتَصِمُ بِه في أوَّلِها هو السّائرُ إلَيه في آخِرِها.


حَصيلة

تَأخُذُ الآيةُ من النّاسِ الذينَ نودوا، بَعدَ مَجيءِ البُرهانِ ونُزولِ النُّور، فَريقاً واحِداً: الذينَ آمَنوا بِالله، من أ-م-ن، فأسكَنوا إلَيه ثِقَتَهُم، واعتَصَموا بِه، من ع-ص-م، فشَدّوا أيدِيَهُم على ما يَحميهِم، والضَّميرُ في «بِه» لِلّهِ أو لِلنُّورِ الذي أنزَلَه. وتَعِدُهُم بِإدخالٍ في رَحمةٍ من ر-ح-م، مَوضِعٍ يَحتَويهِم كما يَحتَوي الرَّحِمُ ما فيه، وفي فَضلٍ من ف-ض-ل يَفيضُ على المِقدار، ثُمَّ بِهِدايةٍ تُسَمّي الغايةَ بِـ«إلَيه» والطَّريقَ بِـ«صِراطاً»، على أيِّ الأوجُهِ نُصِب، طَريقٍ قائمٍ من ق-و-م لا يَنعَطِفُ بِسالِكِه. وتَجمَعُ الآيةُ ما جَمَعَه الكِتابُ في غَيرِ مَوضِع: العِصمةَ والرَّحمة، والاعتِصامَ والصِّراطَ المُستَقيم.