النساء · الآية 176

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

«يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ»: سُؤالٌ يُسَمّي الجَوابُ مَوضوعَه

تُختَمُ السّورةُ بِالفِعلِ الذي افتُتِحَت بِه الآيةُ السّابِعةُ والعِشرونَ بَعدَ المِئة: «يَستَفتونَك»، والاستِفتاءُ من ف-ت-ي طَلَبُ الإبانةِ في مَسألةٍ مُنغَلِقةٍ على صاحِبِها، ثُمَّ «قُل»، ثُمَّ «اللهُ يُفتيكُم»، فالسّائلونَ يَقصِدونَ المُخاطَب، والجَوابُ يَرُدُّ الفُتيا إلى الله. وفي تِلكَ الآيةِ جاءَ مَوضوعُ السُّؤالِ مَعَ فِعلِه: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾، وهُنا يَأتي فِعلُ السُّؤالِ وَحدَه، ويُسَمّى المَوضوعُ في الجَواب: «يُفتيكُم في الكَلالة». وكِلا الفِعلَينِ يَطلُبُ «في الكَلالة»، فذُكِرَت مَرّةً واحِدةً بَعدَ الثّاني، وهي لِلسُّؤالِ والجَوابِ جَميعاً، فالمَسألةُ تُسَمّى في الكَلامِ ساعةَ تُفتَح.

والكَلالةُ من ك-ل-ل، قَرابةٌ تُحيطُ بِالمَيِّتِ من جَوانِبِه، والجِذرُ يَجمَعُ الإحاطةَ من الجَوانِب، ومنه «الإكليلُ» لِما يَستَديرُ حَولَ الرَّأس. وقد جاءَتِ الكَلِمةُ في الآيةِ الثّانيةَ عَشْرةَ نَكِرة: وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾، وتَأتي هُنا مُعَرَّفةً اسماً لِأمرٍ يُعرَفُ فيُسأَلُ عَنه، ولَيسَ لَها في الكِتابِ مَوضِعٌ ثالِث. وتُبَيِّنُ الآيةُ صورَتَها بِما يَليها: رَجُلٌ هَلَكَ ولَيسَ لَه وَلَد، ولَه أُخت، فالوارِثونَ المُسَمَّونَ فيها، أُختٌ وأخٌ وإخوة، يَقِفونَ كُلُّهُم إلى جانِبِ المَيِّت.

«إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ»: ذَهابٌ يُخلي مَكانَ صاحِبِه، وأُختٌ خَرَجَت مَعَه من أصلٍ واحِد

والصّورةُ التي تُفتي فيها الآيةُ: «إنِ امرُؤٌ هَلَك». والهَلاكُ من ه-ل-ك، وحُروفُه تَرسُمُ شَيئاً كانَ قائماً بِحَدِّه في مَوضِعِه ثُمَّ انقَطَعَ عَنه وخَرَجَ فبَقِيَ مَكانُه خالِياً. والكِتابُ يَقولُ «هَلَكَ» لِمَوتِ رَجُلٍ في حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾، ولِذَهابِ ما كانَ في يَدِ صاحِبِه في هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. فالرَّجُلُ في الآيةِ ذَهَب، وبَقِيَ بَعدَه «ما تَرَك»، والتَّركُ من ت-ر-ك، شَيءٌ تَنفَلِتُ عَنه يَدُ صاحِبِه حينَ يَمضي فيَبقى حَيثُ كان، فالجِذرانِ مَعاً يَرسُمانِ رَجُلاً خَلا مِنه مَكانُه، ومالاً باقِياً في مَكانِه يَنتَظِرُ مَن يَخلُفُه فيه.

و«لَيسَ لَه وَلَدٌ» وَصفٌ لِلرَّجُلِ ساعةَ هَلاكِه، والوَلَدُ من و-ل-د، مَن يَخرُجُ من الذّاتِ ويَبقى مَوصولاً بِها. ثُمَّ «ولَه أُخت»، والأُختُ من أ-خ-و، والجِذرُ يَرسُمُ نَفاذَينِ من أصلٍ واحِدٍ يَبقى بَينَهُما وَصل. فالوَلَدُ خارِجٌ من الرَّجُلِ نَفسِه، والأُختُ خارِجةٌ مَعَه من أصلٍ واحِد، والآيةُ إذ تَنفي الأوَّلَ وتُثبِتُ الثّانيةَ تَنتَقِلُ من الخَطِّ الذي يَنزِلُ من الرَّجُلِ إلى القَرابةِ التي تَقِفُ إلى جانِبِه، وهي الكَلالةُ التي سُئِلَ عَنها. ولِلأُختِ الواحِدةِ «نِصفُ ما تَرَك»، والنِّصفُ من ن-ص-ف الشَّطرُ الذي يَنقَسِمُ عِندَه الشَّيءُ من وَسَطِه، وهو الكَسرُ الذي سَمَّتهُ الآيةُ الحادِيةَ عَشْرةَ لِلبِنتِ الواحِدة: وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾.

«وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ»: وِراثةٌ تَجري في الجِهَتَين

ثُمَّ تَقلِبُ الآيةُ الصّورةَ في جُملةٍ واحِدة: «وهو يَرِثُها إن لم يَكُن لَها وَلَد». والضَّميرانِ في «هو» و«ها» يَعودانِ على لَفظِ «امرُؤٌ» و«أُخت» دونَ عَينِ الرَّجُلِ الهالِكِ وأُختِه الباقية، إذ الهالِكُ لا يَرِث، والحَيّةُ لا تُورَث، والمَعنى أنَّ الرَّجُلَ يَرِثُ أُختَه إذا كانَت هي الهالِكةَ ولا وَلَدَ لَها. و«يَرِثُها» من و-ر-ث، ما يَجري من ذاهِبٍ إلى مَن يَخلُفُه، والفِعلُ واقِعٌ على المَوروثةِ نَفسِها كما وَقَعَ «وَرِثَه» على المَيِّتِ في الآيةِ الحادِيةَ عَشْرة، ولا كَسرَ لِلأخِ في هذه الجُملة، فحَظُّه قائمٌ في الفِعلِ نَفسِه كما قامَ حَظُّ الأبِ في وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾. فالكَلالةُ في الآيةِ تَجري في الاتِّجاهَين: الأُختُ تَرِثُ أخاها والأخُ يَرِثُ أُختَه، والشَّرطُ في المَوضِعَينِ غِيابُ الوَلَد، جاءَ في الأوَّلِ وَصفاً «لَيسَ لَه وَلَد»، وفي الثّاني شَرطاً «إن لم يَكُن لَها وَلَد».

«فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ»: عَدَدٌ يَكبُرُ حتّى يَصيرَ رِجالاً ونِساءً

ثُمَّ يَكبُرُ العَدَد: «فإن كانَتا اثنَتَينِ فلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَك». وضَميرُ المُثَنّى المُؤَنَّثِ في «كانَتا» يَعودُ على أُختَينِ دَلَّ عَلَيهِما ذِكرُ «أُختٌ» قَبلَه، ثُمَّ جاءَ العَدَدُ «اثنَتَين» بِلَفظِه، فالحُكمُ مَعقودٌ بِالعَدَدِ مُسَمّىً. وفي الآيةِ الحادِيةَ عَشْرةَ سَمّى اللَّفظُ لِلبَناتِ حَدَّين: الواحِدةَ ولَها النِّصف، وما فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ ولَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَك، وبَقِيَ عَدَدُ الاثنَتَينِ بَينَ الحَدَّين، وتُسَمّي هذه الآيةُ لِلأخَواتِ الواحِدةَ ولَها النِّصف، والاثنَتَينِ ولَهُما الثُّلُثان. فالعَدَدُ الذي بَقِيَ بَينَ حَدَّي تِلكَ مُسَمّىً في لَفظِ هذه، وكُلُّ مَوضِعٍ يُسَمّي حُدودَه بِلَفظِه، والجَمعُ بَينَهُما مَفتوحٌ في لَفظِ الآيَتَين.

ثُمَّ «وإن كانوا إخوةً رِجالاً ونِساءً فلِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَين». والإخوةُ جَمعٌ من أ-خ-و، جاءَ فِعلُه بِضَميرِ الذُّكورِ «كانوا» ثُمَّ فُصِّلَ بِـ«رِجالاً ونِساءً»، فالجَمعُ يَضُمُّ الصِّنفَينِ واللَّفظُ يُسَمّيهِما. و«رِجالاً» لا يَجيءُ في السّورةِ إلّا في أوَّلِ آيةٍ مِنها وفي آخِرِ آية، ويَأتي بَعدَه في المَوضِعَينِ «ونِساءً»: وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾، فالسّورةُ التي بَدَأَت بِرِجالٍ ونِساءٍ بُثّوا من اثنَين تَنتَهي بِرِجالٍ ونِساءٍ إخوةٍ خَرَجوا من أصلٍ واحِدٍ يَقتَسِمونَ ما تَرَكَه واحِدٌ مِنهُم. والقِسمةُ بَينَهُم بِالمِقياسِ الذي افتُتِحَت بِه أنصِبةُ الأولادِ في الآيةِ الحادِيةَ عَشْرة: حَظُّ الأُنثى وَحدةٌ، ولِلذَّكَرِ مِثلاها. وفي كَلالةِ الآيةِ الثّانيةَ عَشْرةَ كانَ الأخُ والأُختُ سَواءً، لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُس، وإذا زادوا فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، وتَقسِمُ هذه الآيةُ بَينَ الإخوةِ فتَجعَلُ لِلذَّكَرِ مِثلَيِ الأُنثى، ولِكُلِّ مَوضِعٍ لَفظُه.

«يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»: إبانةٌ تَقومُ في وَجهِ التّيه

ثُمَّ تَقِفُ الأنصِبةُ ويَأتي ما جَرَت لَه: «يُبَيِّنُ اللهُ لَكُم أن تَضِلّوا». والتَّبيينُ من ب-ي-ن على «فَعَّلَ»، إخراجُ ما في الباطِنِ إلى الظُّهورِ حتّى يَنفَصِلَ كُلُّ شَيءٍ عمّا حَولَه، والمُضارِعُ يَجعَلُه فِعلاً جارِياً. وفي «أن تَضِلّوا» يَحتَمِلُ اللَّفظُ ثَلاثةَ أوجُه: أن يَكونَ على تَقديرِ «كَراهةَ أن تَضِلّوا»، وأن يَكونَ على تَقديرِ «لِئَلّا تَضِلّوا»، وأن يَكونَ هو نَفسُه ما يُبَيَّن، فيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الضَّلالَ فتَجتَنِبونَه. والأوجُهُ الثَّلاثةُ تَلتَقي في أنَّ الإبانةَ قائمةٌ في وَجهِ الضَّلال: تَدفَعُه على الأوَّلَين، وتَكشِفُ مَوضِعَه على الثّالِث. وقد جاءَ الفِعلُ في السّورةِ بَعدَ أحكامِ النِّكاحِ في الآيةِ السّادِسةِ والعِشرين: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، ويَعودُ هُنا بَعدَ آخِرِ أحكامِها.

والضَّلالُ من ض-ل-ل، سائرٌ يَخرُجُ إلى فَضاءٍ واسِعٍ يَنسابُ فيه حتّى يَغيبَ عَنه الطَّريق. وقد جاءَتِ الكَلِمَتانِ نَفسُهُما «أن تَضِلّوا» في الآيةِ الرّابِعةِ والأربَعين، مَفعولاً لِما يُريدُه الذينَ أوتوا نَصيباً من الكِتاب: وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، ولا تَجيئانِ في الكِتابِ في غَيرِ هاتَينِ الآيَتَين، فما يُرادُ لِلمُخاطَبينَ هُناكَ تَقِفُ الإبانةُ في وَجهِه هُنا. ثُمَّ «واللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَليم»: وقد خُتِمَتِ الآيَتانِ اللَّتانِ فَصَّلَتا الأنصِبةَ في أوَّلِ السّورةِ بِالعِلم، «عَليماً حَكيماً» و«عَليمٌ حَليم»، وتُختَمُ آيةُ الكَلالةِ الأخيرةُ بِعِلمٍ يَسَعُ كُلَّ شَيء. وفي الأولى مِنهُما خوطِبَ السّامِعونَ بِقَولِه لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾، فتُرَدُّ القِسمةُ في خِتامِ السّورةِ إلى عِلمٍ لا يَفوتُه شَيء.


حَصيلة

تُختَمُ السّورةُ بِسُؤالٍ ثانٍ من جِنسِ الاستِفتاء، يُسَمّي الجَوابُ مَوضوعَه: الكَلالة، والجِذرُ ك-ل-ل إحاطةٌ من الجَوانِب، وتُبَيِّنُ الآيةُ صورَتَها: رَجُلٌ هَلَكَ، من ه-ل-ك، فخَلا مِنه مَكانُه وبَقِيَ ما تَرَك، لا وَلَدَ لَه يَخرُجُ مِنه، ولَه أُختٌ خَرَجَت مَعَه من أصلٍ واحِد، فلَها النِّصف. ثُمَّ تَقلِبُ الصّورةَ فيَرِثُ الأخُ أُختَه إذا هَلَكَت ولا وَلَدَ لَها، وحَظُّه قائمٌ في الفِعل، وتُسَمّي لِلأُختَينِ الثُّلُثَين، ولِلإخوةِ رِجالاً ونِساءً مِقياسَ الأولادِ في أوَّلِ السّورة، وتَترُكُ الجَمعَ بَينَ مَواضِعِ الكَلالةِ والبَناتِ مَفتوحاً في ألفاظِها. وتَعودُ في آخِرِ آيةٍ إلى «رِجالاً» و«نِساءً» مَقرونَينِ كما قُرِنا في أوَّلِ آية، ثُمَّ تَختِمُ بِإبانةٍ تَقومُ في وَجهِ الضَّلالِ على أيِّ الأوجُهِ قُرِئَت «أن تَضِلّوا»، وبِعِلمٍ يَسَعُ كُلَّ شَيءٍ تُرَدُّ إلَيه القِسمة.