النبأ · الآية 39

﴿ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا

«ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ»: يُشارُ إلَيه بِأداةِ البُعدِ بَعدَ أن وُصِفَ حَتّى قَرُب

مَضَتِ الآيةُ قَبلَها تَصِفُ صَفّاً يُمسَك، وفَماً لا يُفتَح، وإذناً يَنزِل. ثُمَّ تَجيءُ هذه فتُشيرُ إلى ذلك كُلِّه بِـ«ذلك»، وهي أداةُ البَعيد. وُصِفَ حَتّى صارَ في العَين، ثُمَّ أُبعِدَ بِحَرفٍ واحِد.

و«اليَوم» بِأل بَعدَ أن جاءَ نَكِرةً مُضافاً إلى فِعلٍ في الآيةِ قَبلَها. صارَ مَعرِفةً لِأنَّه عُرِفَ ممّا وُصِفَ بِه. والسّورةُ سَمَّتهُ من قَبلُ بِاسمِ فِعلِه: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾، فهو يَومٌ يُعرَفُ بِما يُفعَلُ فيه لا بِمَوقِعِه من عَدَد.

والجِذرُ (ح ق ق) احتِواءٌ في مَضيقٍ يَنعَقِدُ في العُمقِ فلا يَتَحَلحَل، ثُمَّ قافٌ ثانِيةٌ تَقطَعُ في هذا المُنعَقِدِ قَطعاً فاصِلاً. فالحَقُّ في حُروفِه ثَباتٌ يَفصِل. ووَصفُ اليَومِ بِه يُتِمُّ ما ابتَدَأَتهُ السّورةُ من أوَّلِها: اختِلافٌ يُذكَر، ثُمَّ فَصلٌ يُوَقَّت، ثُمَّ يَومٌ يُوصَفُ بِأنَّه الفاصِلُ الثابِت.

«فَمَن شَاءَ»: تُفتَحُ المَشيئةُ في المَوضِعِ الذي أُغلِقَ فيه الكَلام

الفاءُ تُعَقِّب. وما قَبلَها فَمٌ لا يَنفَتِحُ إلّا بِإذن، وما بَعدَها مَشيئةٌ مَتروكةٌ لِصاحِبِها. أضيَقُ ما في السّورةِ يَليه أوسَعُ ما فيها، وبَينَهُما حَرفٌ واحِد.

والجِذرُ (ش ي أ) امتِدادٌ يَنفُذُ لَيِّناً ثُمَّ يَنحَسِمُ على مَقصودٍ بِعَينِه. فالمَشيئةُ في حُروفِها لَيست هَوىً يَتَقَلَّب، بَل إرادةٌ تَتَحَدَّدُ في مَوضوعِها فتَنقَطِعُ عَمّا سِواه. ومنه «الشَّيء» نَفسُه: ما تَعَلَّقَت بِه الإرادةُ فتَعَيَّن.

وهذا هو الفَرقُ بَينَ اليَومَينِ في هذه الآيةِ الواحِدة. هُناكَ لا يُملَكُ خِطاب، وهُنا يُملَكُ اختِيار. المَمنوعُ يَومَئِذٍ أن تَبتَدِئَ الكَلام، والمَبذولُ اليَومَ أن تَبتَدِئَ الطَّريق.

«اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا»: كَلِمةٌ كانَت تُوضَعُ لِأصحابِها فصارَت تُؤخَذُ بِاليَد

«مَآباً» لَفظٌ سَبَقَ في هذه السّورةِ: لِّلطَّاغِينَ مَآبًا﴾. هُناكَ جاءَ بِاللامِ فكانَ مَوضِعاً يُهَيَّأُ لِقَومٍ ويُساقونَ إلَيه، وهُنا جاءَ مَفعولاً لِـ«اتَّخَذَ» فصارَ شَيئاً يُتَناوَلُ بِاليَد. الكَلِمةُ واحِدة، والفَرقُ في مَن يَمُدُّ يَدَه.

والجِذرُ (أ و ب) قَطعٌ يَعقُبُه وَصلٌ يَلتَئِمُ بِالطَّرَفِ الأوَّلِ ثُمَّ يَتَمَسَّكُ بِه. فالمَآبُ رُجوعٌ إلى مَبدَإٍ كانَ مِنه الخُروج، لا انتِقالٌ إلى مَنزِلٍ جَديد. و«إلى رَبِّه» يُسَمّي المَبدَأَ الذي يُعادُ إلَيه: هو الذي كانَ يَتَعَهَّدُ (ر ب ب) من قَبلُ أن يُشاءَ شَيء.

و«اتَّخَذَ» على افتَعَل، وهو بِناءُ ما يَصنَعُه المَرءُ لِنَفسِه بِقَصد. ولِذلك جاءَ الفِعلانِ ماضِيَين مَعَ أنَّ اليَومَ آتٍ: «شاءَ» و«اتَّخَذَ». الأخذُ يَقَعُ قَبلَ اليَومِ لا فيه، والصّيغةُ تَقولُ ذلك قَبلَ أن يَقولَه المَعنى.


حَصيلة

يُشارُ إلى المَشهَدِ كُلِّه بِأداةِ البُعدِ بَعدَ أن وُصِفَ حَتّى قَرُب، ويُعَرَّفُ «اليَومُ» (ي و م) بِأل بَعدَ تَنكيرِه، فهو مُدّةٌ يَحُدُّها طَرَفانِ وقد عُرِفَت بِما يَقَعُ فيها. و«الحَقُّ» (ح ق ق): انعِقادٌ في العُمقِ يُقطَعُ بِه فَصلاً، فيَلتَقي الوَصفُ بِما سُمِّيَ بِه اليَومُ في صَدرِ السّورةِ حينَ قيلَ إنَّه يَومُ الفَصل. ثُمَّ تُعَقِّبُ الفاءُ فتَفتَحُ المَشيئةَ في المَوضِعِ الذي أُغلِقَ فيه الفَم: «شاءَ» (ش ي أ) امتِدادٌ يَنفُذُ ثُمَّ يَنحَسِمُ على مَقصودٍ بِعَينِه، فالإرادةُ تَحَدُّدٌ لا تَقَلُّب. و«اتَّخَذَ» (أ خ ذ) إطباقٌ يَنفُذُ فيَحوز، وافتَعَلُ بِناءُ ما يَصنَعُه المَرءُ لِنَفسِه. و«مَآباً» (أ و ب): انفِصالٌ يَعقُبُه رُجوعٌ يَلتَئِمُ بِمَبدَئِه، وهو اللَّفظُ الذي وُضِعَ في الجِهةِ الأُخرى لِلطّاغينَ بِاللامِ فكانَ مَوضِعاً يُساقونَ إلَيه، وهو هُنا مَفعولٌ يُتَناوَلُ بِاليَد. ومَجيءُ الفِعلَينِ ماضِيَينِ واليَومُ آتٍ يَضَعُ الأخذَ قَبلَ اليَومِ لا فيه. فالبابُ الذي يُغلَقُ هُناكَ مَفتوحٌ هُنا، ومِفتاحُه في يَدِ مَن يُريد.