النبأ · الآية 38

﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا

«يَوْمَ يَقُومُ … صَفًّا»: القِيامُ إمساكُ المَجموعِ لا رَفعُ القامة

«يَوم» مَنصوبٌ على الظَّرف، وهو ظَرفُ ما قيلَ في الآيةِ قَبلَه، فالنَّفيُ في «لا يَملِكونَ مِنه خِطاباً» مُقَيَّدٌ بِيَومٍ مَحدود، غَيرُ مُطلَق. والجِذرُ (ي و م) مُدّةٌ تَسري مُمتَدّةً ثُمَّ تَنضَمُّ عِندَ حَدِّها، فاليَومُ وِعاءٌ لا امتِدادٌ بِلا حافّة.

والجِذرُ (ق و م) عَقدٌ يَلتَئِمُ في العُمقِ ويُمسِكُ ما جَمَعَه من باطِنِه، فالقِيامُ في حُروفِه إمساكُ المَجموعِ لِئَلّا يَنفَرِط، ومِنه «قامَ بِالأمر» إذا أمسَكَ أطرافَه فلَم تَتَفَرَّق، لا إذا انتَصَبَ على قَدَمَيه.

ولِهذا جاءَ «صَفّاً» حالاً بَعدَه يُعَيِّنُ صورةَ الإمساك، والجِذرُ (ص ف ف) ضَمٌّ صَلبٌ يَنفَتِحُ على خَطٍّ مُستَوٍ لا اعوِجاجَ فيه، فالكَلِمَتانِ تَقولانِ الشَّيءَ مَرَّتَين: مَجموعٌ يُمسَك، وخَطٌّ لا يَتَعَرَّج، والمَشهَدُ كَثرةٌ لا تَنفَرِط، دونَ قاماتٍ تَرتَفِع.

«الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ»: يُقالُ ما يَقَعُ لَه، ويُسكَتُ عَمّا هو

والجِذرُ (ر و ح) جَرَيانٌ مُستَرسِلٌ يَحِلُّ في باطِنٍ يَحتَويه ويَسري فيه، وهذه هَيئةُ سَرَيانٍ لا جِرمٌ يُمسَك، فالحُروفُ تُسَمّي كَيفَ يَسري الشَّيءُ ولا تُخبِرُ بِما هو.

والآيةُ تَقِفُ عِندَ هذا الحَدِّ نَفسِه، فتُخبِرُ بِما يَقَعُ لَه، وهو أن يُمسَكَ في الصَّفِّ ويَدخُلَ تَحتَ النَّفيِ الذي بَعدَه، ولا تُخبِرُ عَنه في نَفسِه بِحَرف، ومَن سَألَها عن جِنسِه سَألَها ما لَم تَعرِضْ لَه.

ثُمَّ عُطِفَ «المَلائِكة» بِالواو، والجِذرُ (أ ل ك) حَملُ الرِّسالة، ومنه «الأَلوك»، و«المَلَك» أصلُه «مَلْأَك» تَظهَرُ هَمزتُه في الجَمعِ «المَلائِكة». فهُم حَمَلةُ قَولٍ لَيسَ لَهُم، وقد نَفَتِ الآيةُ قَبلَها مِلكَ الخِطاب، وتَنفي هذه الكَلامَ إلّا بِإذن، فحامِلُ الرِّسالةِ لا يَبتَدِئُ الكَلامَ من عِندِه، والرُّتبةُ التي تُسَمّيها الآيةُ أن يَحمِلوا القَولَ ولا يَملِكوه.

«لَّا يَتَكَلَّمُونَ»: يُرفَعُ تَناوُلُ الكَلامِ لا القُدرةُ عَلَيه

والجِذرُ (ك ل م) كَتمٌ يَتَعَلَّقُ بِما كَتَمَه ويَحوزُه، ثُمَّ ضَمٌّ يَجعَلُه صيغةً واحِدةً مُتَلاصِقة، فالكَلامُ في أصلِه مَعنىً حُبِسَ ثُمَّ أُخرِجَ في قالَبٍ يُمسِكُه، ومِنه «الكَلْم» لِلجُرح، وهو أثَرٌ يَبقى في مَحَلِّه.

و«تَكَلَّمَ» على تَفَعَّل، وهو بِناءُ المُعالَجةِ والتَّدَرُّج، فالمَنفِيُّ تَناوُلُ الكَلامِ ومُعالَجةُ إخراجِه، لا القُدرةُ عَلَيه، والصَّفُّ يُمسِكُ نَفسَه عن أن يَبتَدِئ، وليسَ عاجِزاً عن النُّطق.

وهذا يُتِمُّ ما بَدَأَته الآيةُ قَبلَه، فهُناكَ نُفِيَ المِلك، وهُنا يُنفى الفِعل: لا يَحوزونَ الخِطابَ فلا يَتَناوَلونَ الكَلام، فالنَّفيُ الثاني ثَمَرةُ الأوَّل، وليسَ تَكراراً لَه.

«إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ»: الاسمُ الذي أُغلِقَ عِندَه الفَمُ هو الذي يَفتَحُه

والاستِثناءُ يَجيءُ من الجِهةِ التي جاءَ مِنها المَنع، فالذي قيلَ عَنه «لا يَملِكونَ مِنه خِطاباً» هو نَفسُه «الرَّحمن» الذي يَأذَن، فاسمٌ واحِدٌ يَقِفُ على طَرَفَيِ المَنعِ والإطلاق، ولَم يُستَدعَ لِلإذنِ اسمٌ آخَر.

والجِذرُ (أ ذ ن) نُفوذٌ حادٌّ يُحتَوى في جَوفٍ فيَستَقِرُّ فيه، ومِنه الأُذُنُ، وهي ما يَنفُذُ إلَيه الصَّوتُ فيُحتَوى، فالإذنُ في حُروفِه إطلاقٌ يَصدُرُ عن إصغاءٍ استَقَرّ، لا رُخصةٌ توَقَّعُ من بَعيد، ومَن أُذِنَ لَه فقد أُصغِيَ إلَيه قَبلَ أن يَتَكَلَّم.

و(ر ح م) احتِواءٌ جارٍ يُحيطُ ويَلتَئِمُ كَإحاطةِ الرَّحِمِ بِما فيها، فالفَمُ الذي يُفتَحُ في هذا اليَومِ يُفتَحُ من داخِلِ الإحاطةِ لا من خارِجِها، إذ لا أحَدَ يُدَبِّرُ لِنَفسِه طَريقاً إلى الكَلام.

«وَقَالَ صَوَابًا»: شَرطٌ ثانٍ يَقَعُ على القَولِ بَعدَ وُقوعِ الأوَّلِ على القائِل

ولَم يَقِفِ الاستِثناءُ عِندَ الإذن، فقد عَطَفَ عَلَيه فِعلاً ثانِياً: «وقالَ صَواباً»، فالأوَّلُ شَرطٌ في صاحِبِ القَول، والثاني شَرطٌ في القَولِ نَفسِه، فلا يَكفي أن يُؤذَنَ لِلمُتَكَلِّم، ولا يَكفي أن يَكونَ ما يَقولُه حَسَناً.

والجِذرُ (ص و ب) شَيءٌ يَنصَبُّ من جِهةٍ فيَنزِلُ على مَوضِعٍ بِعَينِه ولا يُجاوِزُه، ومِنه «أصابَ الهَدَفَ» إذا وَقَعَ عَلَيه ولَم يَعدُه، و«الصَّوْب» لِنُزولِ المَطَرِ على مَوقِعِه، فالصَّوابُ في حُروفِه قَولٌ يَقَعُ على مَوضِعِه، لا قَولٌ جَميلٌ في نَفسِه.

وقد وُصِفَ المَوضِعُ الآخَرُ في هذه السّورةِ بِضِدِّ ذلك: لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾، فهُناكَ رُفِعَ القَولُ الذي لا يَنعَقِدُ والقَولُ الذي يَنعَقِدُ مُعوَجّاً، وهُنا يُشتَرَطُ القَولُ الذي يُصيب، فهي ثَلاثُ حالاتٍ لِلكَلامِ في سُورةٍ واحِدة، لا يُقبَلُ مِنها إلّا واحِدة.


حَصيلة

نَفيُ المِلكِ في الآيةِ السّابِقةِ يُعَلَّقُ بِظَرفٍ مَحدود: «يَومَ» من (ي و م)، وهو مُدّةٌ تَسري مُمتَدّةً ثُمَّ تَنضَمُّ عِندَ حَدِّها. و«يَقومُ» من (ق و م): عَقدٌ يَلتَئِمُ في العُمقِ ويُمسِكُ ما جَمَعَه، فالقِيامُ إمساكُ المَجموعِ لِئَلّا يَنفَرِط، و«صَفّاً» من (ص ف ف) حالٌ تُعَيِّنُ صورةَ الإمساك، وهي خَطٌّ لا يَتَعَرَّج. و«الرُّوحُ» من (ر و ح): جَرَيانٌ مُستَرسِلٌ يَحِلُّ في باطِنٍ يَحتَويه ويَسري فيه، وهي هَيئةُ سَرَيانٍ لا جِرمٌ يُمسَك، فتُخبِرُ الآيةُ بِما يَقَعُ لَه وتَسكُتُ عَمّا هو. و«المَلائِكة» من (أ ل ك): حَمَلةُ الرِّسالة، يَحمِلونَ القَولَ ولا يَملِكونَه، ومِلكُ الخِطابِ هو المَنفِيُّ في الآيةِ قَبلَها. ثُمَّ «لا يَتَكَلَّمون» من (ك ل م)، وهو حَبسُ المَعنى في صيغةٍ واحِدة، وتَفَعَّلُ بِناءُ المُعالَجة، فالمَرفوعُ تَناوُلُ الكَلامِ لا القُدرةُ عَلَيه. ثُمَّ يُستَثنى بِإذنٍ من الاسمِ نَفسِه الذي مَنَع: «الرَّحمن» من (ر ح م)، و«أذِنَ» من (أ ذ ن)، وهو إطلاقٌ يَصدُرُ عن إصغاءٍ استَقَرّ. ثُمَّ يُعطَفُ شَرطٌ ثانٍ على القَولِ لا على القائِل: «وقالَ صَواباً» من (ص و ب)، وهو ما يَنصَبُّ من جِهةٍ فيَنزِلُ على مَوضِعٍ بِعَينِه، فبِالإذنِ يُفتَحُ الفَم، وبِالإصابةِ يَبقى مَفتوحاً.