النبأ · الآية 40

﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا

«إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ»: يَعودُ الخِطابُ إلى الجَماعةِ في آخِرِ آية

«إنَّ» أربَعاً في هذه السّورة. وُضِعَت على يَومِ الفَصل، وعلى جَهَنَّم، وعلى الذينَ لا يَرجُونَ حِساباً، وعلى المُتَّقين. وتُختَمُ الآنَ بِواحِدةٍ خامِسةٍ لا تَقَعُ على غائِبٍ يُوصَف، بَل على مُتَكَلِّمٍ يُخبِرُ عن نَفسِه.

والفِعلُ ماضٍ: «أنذَرناكُم». الإنذارُ فَرَغَ مِنه قَبلَ أن تَنتَهيَ الآيةُ التي تُخبِرُ بِه. وما قُرِئَ من أوَّلِ السّورةِ إلى هُنا هو الإنذارُ نَفسُه، فالجُملةُ تُسَمّي ما سَبَقَها ولا تَعِدُ بِما بَعدَها.

والجِذرُ (ن ذ ر) انبِعاثٌ يَنفُذُ حادّاً ثُمَّ يَجري حتّى يَبلُغَ المُنذَر. فهو إخراجٌ من داخِلِ المُتَكَلِّمِ يَقطَعُ المَسافةَ إلى المُخاطَب. وكافُ الجَمعِ تَعودُ هُنا كما عادَت في فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾: هُناكَ خِطابٌ بَعدَ فَواتِ الوَقت، وهُنا خِطابٌ قَبلَ فَواتِه.

«عَذَابًا قَرِيبًا»: الوَصفُ في الجِذرِ دُنُوٌّ يَنتَهي إلى مُماسّة

الجِذرُ (ع ذ ب) نَفاذٌ من العُمقِ يَخرُجُ حادّاً إلى السَّطح، وهو الجِذرُ الذي وُصِفَت بِه الزِّيادةُ في الجِهةِ الأُخرى من السّورة. جاءَ هُناكَ آخِرَ ما يُزاد، ويَجيءُ هُنا أوَّلَ ما يُنذَرُ بِه.

و«قَريباً» من (ق ر ب): دُنُوٌّ مُحكَمٌ يَجري ويَتَكَرَّرُ حتّى يَنتَهيَ إلى اتِّصالٍ وتَمَسُّك. فلَيسَ القُربُ في الحُروفِ مَسافةً تَقصُرُ فَحَسب، بَل دُنُوٌّ يَنتَهي إلى مُماسّة. المُنذَرُ بِه لا يَقِفُ حَيثُ يُرى، وإنَّما يَدنو حتّى يَمَسّ.

وقد كانَ اليَومُ في الآيةِ قَبلَها «ذلك»، بِأداةِ البُعد. ثُمَّ يُوصَفُ في هذه بِالقُرب. أُبعِدَ لِيُرى كُلُّه، ثُمَّ أُدنِيَ لِيُحَسّ.

«يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ»: يُفرَدُ واحِدٌ بَعدَ أن خُوطِبَتِ الجَماعة

خُوطِبَ الجَمعُ بِـ«كُم»، ثُمَّ جاءَ الفاعِلُ مُفرَداً: «المَرء». والجِذرُ (م ر أ) تَلاحُمٌ يُمسِكُ ما جُمِعَ فيه ثُمَّ يَنحَسِمُ على ذاتٍ واحِدةٍ قائِمة. فالمَرءُ في حُروفِه ما استَقَلَّ عن غَيرِه بِما تَجَمَّعَ فيه.

والجِذرُ (ن ظ ر) انبِعاثٌ من الباطِنِ يُطبِقُ على ما بَلَغَه فيَغشاه، ثُمَّ جَرَيانٌ يُديمُ هذا الإطباق. فالنَّظَرُ إمعانٌ يَنعَقِدُ على المَنظورِ ويَبقى عَلَيه، لا وُقوعُ صورةٍ على بَصَرٍ ثُمَّ تَزول. المَرءُ في هذا اليَومِ لا يُلقي نَظرةً ويَمضي.

وهذا يُقابِلُ الصَّفَّ في الآيَتَينِ قَبلَه. هُناكَ كَثرةٌ تُمسَكُ على خَطٍّ واحِد، وهُنا واحِدٌ يُفرَدُ عن الخَطِّ فيَنظُر. يُجمَعُ الجَميعُ ثُمَّ يُترَكُ كُلُّ واحِدٍ وَحدَه.

«مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ»: يَقَعُ النَّظَرُ على المُرسَلِ لا على المُرسِل

ولَم يَقُلْ «يَنظُرُ المَرءُ نَفسَه». المَنظورُ إلَيه «ما قَدَّمَت يَداه»: شَيءٌ مُنفَصِلٌ عنه، صارَ أمامَه بَعدَ أن كانَ فيه.

والجِذرُ (ق د م) طَرَفٌ مُحكَمٌ يَسبِقُ ويَتَصَدَّر، و«قَدَّمَ» أرسَلَ الشَّيءَ أمامَه لِيَسبِقَه إلى مَوضِعٍ يَلقاهُ فيه. فالعَمَلُ في هذه الصّورةِ لَيسَ أثَراً يُترَكُ في الخَلف، بَل رَسولٌ يُبعَثُ إلى الأمامِ ويُنتَظَرُ عِندَه.

و«يَداه» من (ي د ي): امتِدادٌ لَيِّنٌ يَدفَعُ نافِذاً فيَبلُغُ ويُمسِك. اليَدُ آلَةُ الكَسبِ ومَوضِعُ الفِعل، وإسنادُ التَّقديمِ إلَيها لا إلى صاحِبِها يَجعَلُ المَنظورَ إلَيه ما خَرَجَ إلى العَمَلِ لا ما بَقِيَ نِيّةً في الصَّدر. والتَّثنِيَةُ تَذكُرُ الاثنَتَينِ مَعاً: لا يُنتَقى من العَمَلِ جانِبٌ ويُترَكُ جانِب.

«وَيَقُولُ الْكَافِرُ»: يُوصَفُ بِفِعلِه ولا يُسَمّى

الجِذرُ (ك ف ر) كَتمٌ يَحبِسُ ثُمَّ يُبعِدُ ما تَحتَه عن الظّاهِر، ثُمَّ جَرَيانٌ يُديمُ هذا السَّترَ حتّى يَعُمّ. ومنه الزّارِعُ يُسَمّى كافِراً لِأنَّه يَستُرُ الحَبَّ في الأرض. فالوَصفُ في حُروفِه فِعلُ تَغطِيَةٍ لا حالُ جَهل.

وجاءَ اسمَ فاعِلٍ مُعَرَّفاً بِأل: وَصفٌ انعَقَدَ على صاحِبِه حتّى صارَ يُعرَفُ بِه. ولم تُسَمِّ الآيةُ أحَداً، ووَقَفَت عِندَ الفِعلِ الذي جَعَلَه ما هو عليه. مَن عُرِفَ بِعَمَلِه لا يَحتاجُ إلى اسم.

والفِعلُ مُضارِعٌ «يَقول» بَعدَ ماضٍ «قَدَّمَت»: عَمَلٌ فَرَغَ مِنه، وقَولٌ يَتَجَدَّدُ عِندَ النَّظَرِ إلَيه. والجِذرُ (ق و ل) إخراجُ مَعنىً مُنعَقِدٍ مَمدودٍ إلى مَن يَسمَع. فما كانَ مَستوراً في الصَّدرِ يَخرُجُ الآنَ مَسموعاً.

«يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا»: أُمنِيّةُ السّاتِرِ أن يَصيرَ هو السِّتر

الجِذرُ (ت ر ب) مُلامَسةٌ دَقيقةٌ تَجري ولا تَنعَقِد، ثُمَّ لُصوقٌ بِما تَحتَها تَستَعيرُ مِنه ثَباتَها. فالتُّرابُ في حُروفِه الطَّبَقةُ التي لا تُمازِجُ ما تَحتَها ولا تَقومُ بِنَفسِها ولا تَثبُتُ إلّا بِغَيرِها.

وهو نَفسُه الجِذرُ الذي وُصِفَ بِه أهلُ الجِهةِ الأُخرى: وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾. هُناكَ سَمّى الجِذرُ استِواءَ المَنبَتِ بَينَ جَماعة، وهُنا يُتَمَنّى أن يَكونَ حالَ واحِد. لَفظٌ واحِدٌ يَصِفُ هُناكَ نِعمةً ويُطلَبُ هُنا مَهرَباً.

والذي يَتَمَنّى ذلك هو المَوصوفُ بِالسَّتر. أمضى عُمرَه يُغَطّي، فإذا هو يَطلُبُ أن يَصيرَ هو المادّةَ التي يُغَطّى بِها. آخِرُ ما يُريدُه السّاتِرُ أن يَنقَلِبَ سِتراً.

و«كُنتُ» من (ك و ن): حُصولٌ يَنعَقِدُ فيَثبُتُ في جَوفِه. جاءَ ماضِياً في التَّمَنّي، فالمَطلوبُ لَيسَ أن يَصيرَ تُراباً الآن، بَل أن يَكونَ لم يَزَلْ كذلك من قَبل. أُمنِيّةٌ لا تَطلُبُ مَخرَجاً بَل تَطلُبُ ألّا يَكونَ هُناكَ مَن يَخرُج.


حَصيلة

تُختَمُ السّورةُ بِـ«إنَّ» خامِسةٍ لا تَقَعُ على مَوصوفٍ غائِبٍ بَل على مُتَكَلِّمٍ يُخبِرُ عن نَفسِه، وبِفِعلٍ ماضٍ يُسَمّي ما سَبَقَه: «أنذَرناكُم» (ن ذ ر)، انبِعاثٌ يَنفُذُ حادّاً فيَجري حتّى يَبلُغ. و«عَذاباً» (ع ذ ب): نَفاذٌ من العُمقِ يَخرُجُ حادّاً إلى السَّطح، وهو لَفظُ الزِّيادةِ في الجِهةِ الأُخرى. و«قَريباً» (ق ر ب): دُنُوٌّ يَنتَهي إلى مُماسّةٍ لا مَسافةٌ تَقصُر، فيُدنى اليَومُ بَعدَ أن أُبعِدَ بِـ«ذلك». ثُمَّ يُفرَدُ «المَرء» (م ر أ) بَعدَ خِطابِ الجَماعة: تَلاحُمٌ يَنحَسِمُ على ذاتٍ واحِدة، و«يَنظُر» (ن ظ ر) إطباقٌ يَغشى المَنظورَ ويَدومُ عَلَيه لا نَظرةٌ تَمُرّ. و«ما قَدَّمَت يَداه» (ق د م، ي د ي): ما أُرسِلَ أمامَه لِيَلقاهُ لا ما خُلِّفَ وَراءَه، ومَدُّ اليَدِ يَبلُغُ ويُمسِك، والتَّثنِيَةُ لا تَدَعُ جانِباً يُنتَقى. ثُمَّ «الكافِر» (ك ف ر): سَترٌ يَحبِسُ ويُبعِدُ ما تَحتَه ويَجري حتّى يَعُمّ، وُصِفَ بِفِعلِه ولَم يُسَمّ. ثُمَّ «تُراباً» (ت ر ب): مُلامَسةٌ جاريةٌ تَلتَصِقُ بِغَيرِها فتَقومُ بِه، وهو الجِذرُ الذي سَمّى استِواءَ المَنبَتِ في الجِهةِ الأُخرى. و«كُنتُ» (ك و ن) ماضِياً في التَّمَنّي: لا يُطلَبُ انقِلابٌ الآنَ بَل يُطلَبُ ألّا يَكونَ هُناكَ أحَدٌ يُنظَرُ إلَيه. تُفتَتَحُ السّورةُ بِسُؤالٍ وتُختَمُ بِأُمنِيّة، ومَن قَضى عُمرَه يَستُرُ انتَهى إلى أن يَتَمَنّى أن يَكونَ هو السِّتر.