النساء · الآية 154

﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا

«وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ»: جِرمٌ ثَقيلٌ يُرفَعُ ومِيثاقٌ يَشُدُّه

تَمضي الآيةُ بِأفعالِ المُتَكَلِّمِ التي بَدَأَت في آخِرِ الآيةِ قَبلَها بِـ«عَفَونا» و«آتَينا»، فتَعُدُّ أربَعةً تَصِلُ بَينَها الواو: «رَفَعنا»، و«قُلنا» مَرَّتَين، و«أخَذنا». وأوَّلُها «ورَفَعنا فَوقَهُمُ الطّور»، والرَّفعُ من ر-ف-ع فَصلُ الشَّيءِ عن مَوضِعِه وإظهارُه في عُلُوّ، و«فَوقَهُم» تَضَعُ المَرفوعَ في الجِهةِ التي تَعلو رُؤوسَهُم. والطّورُ من ط-و-ر، مُنبَسِطٌ عَريضٌ يَمتَدُّ حتّى يَبلُغَ مَداه، جِرمٌ ثَقيلٌ مُنتَشِرٌ في الأرض، وقد جاءَ مُعَرَّفاً بِاللّامِ جَبَلاً مَعهوداً، فالآيةُ تَصِفُ جِرماً ثَقيلاً فُصِلَ عن مَوضِعِه وأُقيمَ فَوقَهُم.

ثُمَّ «بِميثاقِهِم»، والمِيثاقُ من و-ث-ق رَبطٌ يُحيطُ بِالشَّيءِ ويُعقَدُ في عُمقِه، وقد أُضيفَ إلَيهِم فصارَ مِيثاقَهُم، رِباطاً هُم مَشدودونَ بِه. والباءُ تَحتَمِلُ وَجهَين: أن تَكونَ لِلسَّبَب، فيَكونَ الرَّفعُ من أجلِ مِيثاقِهِم، وأن تَكونَ لِلمُصاحَبة، فيَكونَ الرَّفعُ مُقارِناً لِأخذِه. وفي البَقَرةِ جاءَ الأمرانِ مَوصولَينِ بِالواو: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾، وجاءا هُنا في فِعلٍ واحِدٍ تَعقِدُ الباءُ فيه الجِرمَ المَرفوعَ بِالعَهد.

«وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا»: عُبورٌ من مَنفَذٍ في هَيئةِ انخِفاض

ثُمَّ يُفرَدُ لِكُلِّ أمرٍ قَولُه: «وقُلنا لَهُم» مَرَّتَين، فيَقومُ كُلُّ أمرٍ بِنَفسِه. وأوَّلُهُما «ادخُلوا البابَ سُجَّداً»، والدُّخولُ من د-خ-ل عُبورٌ من الخارِجِ إلى الدّاخِلِ يَنتَهي بِالاستِقرار، والبابُ من ب-و-ب مَنفَذٌ يُغلَقُ ويُفتَح، يُحبَسُ بِه ما دونَه ثُمَّ يُعبَرُ مِنه، وهو مُعَرَّفٌ بِاللّامِ بابٌ مَعهود. و«سُجَّداً» جَمعُ ساجِدٍ على فُعَّل، حالٌ تَصِفُ الدّاخِلينَ وهُم يَعبُرون، والسُّجودُ من س-ج-د انحِدارٌ يَجتَمِعُ فيه البَدَنُ إلى أسفَلَ ويَثبُت، ومنه «سَجَدَتِ النَّخلةُ» إذا مالَت. فالأمرُ يَقرِنُ حَرَكَتَين في وَقتٍ واحِد: عُبوراً إلى الأمامِ من مَنفَذ، وانخِفاضاً إلى أسفَلَ في أثنائه.

وقد جاءَ هذا الأمرُ بِلَفظِه في البَقَرةِ والأعراف: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾، ومَعَه في المَوضِعَينِ قَريةٌ يُؤكَلُ مِنها وقَولُ «حِطّة»، وجاءَ هُنا وَحدَه بَينَ الطّورِ والسَّبت، أمراً من الأوامِرِ التي تَعُدُّها الآيةُ في سِياقِ المِيثاق.

«وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ»: جَريٌ يُنهى عَنه في يَومِ الوُقوف

والأمرُ الثّاني نَهي: «لا تَعْدوا في السَّبت»، و«تَعْدوا» من ع-د-و، جَريٌ مُندَفِعٌ يَتَخَطّى ما كانَ يَحصُرُه، ومنه «العَدْو» الجَريُ الشَّديد، و«عَدا الشَّيءَ» جاوَزَه. والسَّبتُ من س-ب-ت حَبسٌ لِلجَرَيانِ يَنتَهي بِقَطعِه، ومنه «السُّبات» انقِطاعُ الحَرَكةِ في النَّوم. فالنَّهيُ يَجمَعُ جِذرَينِ مُتَقابِلَين: جَرياً يُجاوِزُ الحَدّ، ووَقتاً اسمُه القَطعُ والوُقوف، والمَنهيُّ عَنه جَريٌ يُجاوِزُ الحَدَّ في داخِلِ ما سُمِّيَ بِالوُقوف. و«في» تَحتَمِلُ أن تَكونَ لِلزَّمان، في يَومِ السَّبت، وأن تَكونَ لِما يَتَعَلَّقُ بِه من أمرٍ وحُكم.

وقد سُمِّيَ أصحابُ هذا اليَومِ في الآيةِ السّابِعةِ والأربَعينَ من هذه السّورة: كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾، وقُرِنَ السَّبتُ بِجِذرِ ع-د-و في مَوضِعَينِ آخَرَين: الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ في البَقَرة، وإِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ في الأعراف، وفيهِما يُحكى العُدوانُ فِعلاً وَقَع، وتَحمِلُ هذه الآيةُ النَّهيَ بِلَفظِه، الحَدَّ كما أُقيم.

«وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا»: عَهدٌ ثَخينٌ يُختَمُ بِه العَدّ

ثُمَّ يُختَمُ العَدُّ بِـ«وأخَذنا مِنهُم مِيثاقاً غَليظاً»، والأخذُ من أ-خ-ذ، وهو الجِذرُ الذي جَرى في الآيةِ قَبلَها مَرَّتَين: صاعِقةٌ أخَذَتهُم، وعِجلٌ اتَّخَذوه، وهو هُنا عَهدٌ يُؤخَذُ مِنهُم. والغَليظُ من غ-ل-ظ، كَثافةٌ تَلتَصِقُ وتَتَراكَبُ حتّى يَثخُنَ الشَّيءُ فيَعسُرَ قَطعُه. و«مِيثاقاً غَليظاً» يَرِدُ في الكِتابِ في ثَلاثةِ مَواضِع: في الآيةِ الحادِيةِ والعِشرينَ من هذه السّورة، والآخِذاتُ فيها النِّساء: وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾، وهُنا، وفي الأحزابِ لِعَهدٍ أُخِذَ من النَّبِيّين، والآخِذُ في هذَينِ المَوضِعَينِ المُتَكَلِّمُ بِـ«أخَذنا».

وتَبدَأُ الآيةُ بِالمِيثاقِ مُضافاً إلَيهِم وتَنتَهي بِه نَكِرةً مَنعوتةً بِالغِلَظ، فيَقِفُ الجِرمُ المَرفوعُ والأمرانِ بَينَ ذِكرَينِ لِلعَهد. ويَحتَمِلُ اللَّفظُ أن يَكونَ الغَليظُ هو المِيثاقَ الأوَّلَ أُعيدَ مَنعوتاً، وأن يَكونَ عَهداً على الأمرَينِ اللَّذَينِ ذُكِرا قَبلَه. وعلى هذا الغِلَظِ تَبدَأُ الآيةُ التّالِيةُ بِقَولِه «فَبِما نَقضِهِم مِيثاقَهُم».


حَصيلة

تَعُدُّ الآيةُ أربَعةَ أفعالٍ لِلمُتَكَلِّم: جِرماً ثَقيلاً من ط-و-ر رُفِعَ فَوقَهُم وعُقِدَ بِمِيثاقِهِم بِباءٍ تَحتَمِلُ السَّبَبَ والمُصاحَبة، وقَولاً بِدُخولِ بابٍ من ب-و-ب، مَنفَذٍ يُغلَقُ ويُفتَح، يَعبُرونَه مُنخَفِضينَ سُجَّداً، وقَولاً بِالنَّهيِ عن جَريٍ من ع-د-و يُجاوِزُ الحَدَّ في يَومٍ اسمُه من س-ب-ت القَطعُ والوُقوف، ثُمَّ مِيثاقاً غَليظاً من غ-ل-ظ ثَخُنَ حتّى يَعسُرَ قَطعُه، نُعِتَ بِما نُعِتَ بِه عَهدُ النِّساءِ في الآيةِ الحادِيةِ والعِشرين. فالعَهدُ يُحيطُ بِالآيةِ من أوَّلِها إلى آخِرِها، ويَتَّصِلُ بِه الأخذُ الذي جَرى في الآيةِ قَبلَها، وعَلَيه يَقَعُ النَّقضُ في الآيةِ بَعدَها.