النساء · الآية 76

﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

«الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ»: فِعلٌ واحِدٌ في طَريقَين

تَضَعُ الآيةُ فَريقَينِ في جُملَتَينِ على بِناءٍ واحِد: «الذينَ» وفِعلٌ ماضٍ، ثُمَّ «يُقاتِلونَ في سَبيلِ...»، فالفِعلُ واحِدٌ في الجُملَتَين، والحَرفُ واحِد، والذي يَتَغَيَّرُ أمران: ما فَعَلَه الفَريقُ قَبلَ القِتال، «آمَنوا» أو «كَفَروا»، ولِمَن يَكونُ الطَّريق، «اللهِ» أو «الطّاغوت». والإيمانُ من أ-م-ن، أمنٌ يَسكُنُ في الباطِنِ ويَفيضُ ثِقةً على ما حَولَه، والكُفرُ من ك-ف-ر، غِطاءٌ يُلقى على الشَّيءِ فيَستُرُه. فالآيةُ تَجعَلُ القِتالَ في ذاتِه فِعلاً مُشتَرَكاً بَينَ الفَريقَين، وتَجعَلُ فَصلَ ما بَينَهُما في الطَّريقِ الذي يَجري فيه، وفي ما سَبَقَه من ثِقةٍ أو تَغطية.

والسَّبيلُ من س-ب-ل، مَجرىً مَفتوحٌ مَمدودٌ يَسلُكُه السّائرُ حتّى غايَتِه، فالقِتالُ يَأخُذُ وِجهَتَه من الطَّريقِ الذي يُسلَكُ فيه. والطّاغوتُ من ط-غ-ي على «فَعَلوت»، وهو المُجاوَزةُ نَفسُها قائمةً بِاسم، والطُّغيانُ عُلُوُّ الشَّيءِ فَوقَ حَدِّه. وهذه ثالِثُ مَرّةٍ يُذكَرُ فيها في السّورة: في الآيةِ الحادِيةِ والخَمسينَ قَومٌ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، وفي الآيةِ السِّتّينَ قَومٌ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، وهُنا سَبيلٌ يُقاتَلُ فيه. ففي المَواضِعِ الثَّلاثةِ يَتَّجِهُ إلَيه فِعلٌ من أفعالِ النّاس: ثِقةٌ، ثُمَّ تَحاكُم، ثُمَّ قِتال.

«فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ»: عَدُوٌّ يُسَمّى بِمَن يَليه

ثُمَّ يَأتي الأمرُ بِالفاء: «فقاتِلوا أولِياءَ الشَّيطان»، بَعدَ ذِكرِ مَن يُقاتِلونَ في سَبيلِ الطّاغوت، والمَأمورُ بِقِتالِهِم يُسَمَّونَ بِمَن يَتَّصِلونَ بِه: «أولِياءَ الشَّيطان». والوَليُّ من و-ل-ي، قُربٌ مُلاصِقٌ يَلي الشَّيءَ ويَقومُ بِأمرِه، والجَمعُ «أولِياء» يَجعَلُهُم جَماعةً تَلي الشَّيطانَ ويَليها. وقد جاءَ الجِذرُ في الآيةِ السّابِقةِ في دُعاءِ المُستَضعَفين: «واجعَل لَنا من لَدُنكَ وَليّاً»، فأُولئكَ يَطلُبونَ وَليّاً من لَدُنِ الله، وهؤلاءِ أولِياءُ الشَّيطان.

والشَّيطانُ من ش-ط-ن، والجِذرُ يَدورُ على البُعدِ والامتِداد: البِئرُ الشَّطونُ عَميقةُ القَعر، والشَّطَنُ حَبلٌ طَويل، فالاسمُ يَحمِلُ صورةَ مَن يَمتَدُّ بَعيداً عن الأصل. وقد تَجاوَرَ الاسمانِ في هذه الآيةِ كما تَجاوَرا في الآيةِ السِّتّين: هُناكَ «يُريدونَ أن يَتَحاكَموا إلى الطّاغوت» ثُمَّ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ﴾، وهُنا «سَبيلِ الطّاغوت» ثُمَّ «أولِياءَ الشَّيطان». فالطّاغوتُ في الآيَتَينِ وِجهةٌ يُتَّجَهُ إلَيها، والشَّيطانُ صاحِبُ فِعل: يُريدُ هُناك، ولَه هُنا أولِياءُ وكَيد.

«إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا»: تَدبيرٌ مَكتومٌ في بِنيَتِه شَقّ

ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِجُملةٍ تَقِفُ بَعدَ الأمرِ مَوقِفَ التَّعليل: «إنَّ كَيدَ الشَّيطانِ كانَ ضَعيفاً». والكَيدُ من ك-ي-د، تَدبيرٌ يُكتَمُ ثُمَّ يُدفَعُ إلى مَن يُرادُ بِه، ومنه «كادَه» احتالَ عَلَيه ومَكَرَ بِه، وفي الكَيدِ مَعَ الخَفاءِ جُهدٌ واجتِهاد، ومنه «يَكيدُ بِنَفسِه» لِلمُحتَضَرِ يَجودُ بِها. والضَّعفُ في الآيةِ مَنسوبٌ إلى الكَيدِ نَفسِه، و«كانَ» تُثبِتُه صِفةً قائمةً فيه، و«إنَّ» في صَدرِ الكَلامِ تُؤَكِّدُه.

والجِذرُ ض-ع-ف يَعودُ هُنا بَعدَ أن جاءَ في الآيةِ السّابِقة: هُناكَ «المُستَضعَفون»، ضَعفٌ وَقَعَ عَلَيهِم من فِعلِ غَيرِهِم، وهُنا «ضَعيفاً»، ضَعفٌ في بِنيةِ الكَيدِ نَفسِه. وقد جاءَ الجِذرُ في الآيةِ الثّامِنةِ والعِشرينَ وَصفاً لِلإنسانِ في خَلقِه: وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾. فالضَّعفُ في هذه المَواضِعِ الثَّلاثةِ أحوالٌ ثَلاث: ضَعفٌ في أصلِ الخِلقة، وضَعفٌ يَصنَعُه قَومٌ في قَوم، وضَعفٌ في تَدبيرِ الشَّيطانِ ذاتِه. والأمرُ بِالقِتالِ يَقَعُ بَينَ الثّاني والثّالِث: قِتالٌ لِأجلِ مَن أُضعِفوا، في وَجهِ أولِياءِ مَن كَيدُه ضَعيف.


حَصيلة

تَضَعُ الآيةُ فَريقَينِ على بِناءٍ واحِد، يُقاتِلُ كُلٌّ مِنهُما في سَبيل، فيَكونُ الفِعلُ مُشتَرَكاً والفَصلُ في الطَّريقِ وفي ما سَبَقَه من ثِقةٍ أو تَغطية: سَبيلُ الله، وسَبيلُ الطّاغوت، والطّاغوتُ يَرِدُ هُنا لِلمَرّةِ الثّالِثةِ في السّورة. ثُمَّ تَأمُرُ بِقِتالِ «أولِياءِ الشَّيطان»، فتُسَمّيهِم بِمَن يَلونَه، من و-ل-ي، الجِذرِ الذي طَلَبَ بِه المُستَضعَفونَ وَليّاً من لَدُنِ الله. وتَختِمُ بِأنَّ كَيدَ الشَّيطان، من ك-ي-د، تَدبيرٌ مَكتومٌ يُدفَعُ إلى غايَتِه، ضَعيفٌ في ذاتِه، فيَقِفُ ضَعفُه قُبالةَ ضَعفِ المُستَضعَفين: ذلك صَنَعَه غَيرُهُم فيهِم، وهذا قائمٌ في الكَيدِ نَفسِه.