النساء · الآية 75

﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا

«وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»: سُؤالٌ يُواجِهُ المُخاطَبين

يَنتَقِلُ الكَلامُ من أمرِ الغائبِ في الآيةِ السّابِقة، «فَلْيُقاتِلْ»، إلى سُؤالِ المُخاطَبينَ مُواجَهةً: «وما لَكُم لا تُقاتِلون». و«ما» استِفهامٌ عن الحالِ التي هُم عَلَيها، و«لَكُم» تَنسُبُ هذه الحالَ إلَيهِم، و«لا تُقاتِلون» تَصِفُها، فالسُّؤالُ يَطلُبُ ما عِندَهُم من عِلّةٍ لِتَركِ القِتال، ويَترُكُ جَوابَه لِلمَسؤولين، فيَصيرُ مَعَ ما يَليه حَثّاً على الفِعل. والقِتالُ هُنا «في سَبيلِ الله» كما في الآيةِ السّابِقة، ثُمَّ تَقرِنُ الآيةُ بِالسَّبيلِ طَرَفاً آخَر.

«وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ»: ضَعفٌ يَصنَعُه غَيرُ أهلِه

و«المُستَضعَفينَ» مَجرورٌ في أظهَرِ الوَجهَين، مَعطوفٌ على ما في «سَبيلِ الله»، فالقِتالُ في سَبيلِ الله، ولِأجلِ المُستَضعَفين، ويَحتَمِلُ أن يَكونَ مَنصوباً على تَقديرِ فِعلٍ يَخُصُّهُم بِالذِّكر. والوَجهانِ يَجعَلانِ هؤلاءِ غايةً يَقصِدُها القِتال، مَقرونةً بِسَبيلِ اللهِ في عِبارةٍ واحِدة. ولَفظُهُم اسمُ مَفعولٍ من «استَضعَفَ»، واستَضعَفَه عَدَّه ضَعيفاً ووَجَدَه كذلك فعامَلَه بِه، فالضَّعفُ الذي يُسَمَّونَ بِه واقِعٌ عَلَيهِم من فِعلِ غَيرِهِم. والضَّعفُ من ض-ع-ف، تَماسُكٌ مَضمومٌ فيه شَقٌّ يُؤتى مِنه، والمُستَضعَفُ مَن وَجَدَ غَيرُه فيه ذلك الشَّقَّ فدَخَلَ عَلَيه مِنه.

و«مِن» تُبَيِّنُ مَن هُم: «الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلدان»، والرِّجالُ في أوَّلِهِم، فالاستِضعافُ حالٌ يَضَعُها قَومٌ على قَوم، تَبلُغُ الرِّجالَ كما تَبلُغُ النِّساءَ والصِّغار. والوِلدانُ جَمعُ وَليد، من و-ل-د، وهو الصَّغيرُ القَريبُ العَهدِ بِالوِلادة. وتَعودُ العِبارةُ بِأجزائها الثَّلاثةِ في الآيةِ الثّامِنةِ والتِّسعين: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، وفيها يُوصَفُ المُسَمَّونَ بِها بِأنَّهُم لا يَستَطيعونَ حيلةً ولا يَهتَدونَ طَريقاً.

«رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا»: قَريةٌ يَحمِلُ أهلُها الظُّلم

ثُمَّ تَحكي الآيةُ كَلامَهُم: «رَبَّنا أخرِجنا»، نِداءً لِمَن يَرعاهُم ويُرَبّيهِم، و«أخرِجْ» على «أفعِلْ»، فالخُروجُ فيه فِعلٌ يَطلُبونَ أن يُوقَعَ بِهِم: يَسأَلونَ مَن يُخرِجُهُم. والخُروجُ من خ-ر-ج، بُروزٌ من حَيِّزٍ مُغلَقٍ إلى ما يَنكَشِفُ خارِجَه. و«هذه» إشارةٌ لِلقَريب، فالقَريةُ حاضِرةٌ حَولَهُم وهُم يَتَكَلَّمونَ من داخِلِها. والقَريةُ من ق-ر-ي، ومنه «قَرى الماءَ في الحَوض» إذا جَمَعَه، فهي المَوضِعُ الذي يَجتَمِعُ فيه النّاسُ ويَستَقِرّون.

و«الظّالِمِ أهلُها» وَصفٌ جَرى على القَريةِ في حَرَكَتِه وتَعريفِه، وجاءَ مُذَكَّراً لِأنَّ فاعِلَه «أهلُها»، فالظُّلمُ في المَعنى لِأهلِها، والوَصفُ في اللَّفظِ لِلقَرية. فالآيةُ تُسَمّي القَريةَ بِما يَفعَلُه أهلُها، وتُبقي الظُّلمَ في أيديهِم. والظُّلمُ من ظ-ل-م، غِشاءٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ فيَحجُبُه عن حَقِّه ومَوضِعِه. والمُستَضعَفونَ يَتَكَلَّمونَ من داخِلِ القَريةِ عن «أهلِها»، فهُم فيها ويُفرِدونَ أهلَها بِالظُّلم، وكَلامُهُم يَفصِلُ بَينَ المَكانِ الذي يَضُمُّهُم والذينَ هُم أهلُه.

«وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا»: طَلَبانِ من أقرَبِ القُرب

ثُمَّ يَسأَلونَ أمرَين، ويُعيدونَ لِكُلٍّ مِنهُما الفِعلَ ومَبدَأَه: «واجعَلْ لَنا من لَدُنكَ وَليّاً، واجعَلْ لَنا من لَدُنكَ نَصيراً». و«لَدُن» لِما يَبتَدِئُ من أقرَبِ الجِهاتِ إلى صاحِبِها، فهُم يَطلُبونَ ما يَأتي من عِندِ رَبِّهِم مُباشَرةً. والوَليُّ من و-ل-ي، مَن يَلي أمرَ غَيرِه مُلاصِقاً لَه فيَقومُ بِه، والنَّصيرُ من ن-ص-ر، مَن يَثبُتُ في صَفِّ المُعانِ فيَشُدُّه. وقد اجتَمَعَ الاسمانِ في الآيةِ الخامِسةِ والأربَعين، وتَكَرَّرَت قَبلَ كُلٍّ مِنهُما «وكَفى بِالله»، فلِكُلٍّ مِنهُما هُناكَ جُملَتُه التّامّة، ولِكُلٍّ مِنهُما هُنا طَلَبُه التّامّ.

وفي سورةِ الإسراءِ دُعاءٌ يَجري على التَّرتيبِ نَفسِه، خُروجٌ ثُمَّ نَصيرٌ من لَدُن: وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾. والآيةُ هُنا تَضَعُ دُعاءَ المُستَضعَفينَ داخِلَ السُّؤالِ المُوَجَّهِ إلى المُخاطَبين: «وما لَكُم لا تُقاتِلونَ ... والمُستَضعَفينَ ... الذينَ يَقولون»، فالمُخاطَبونَ يَسمَعونَ الدُّعاءَ بِلَفظِه وهُم يُسأَلونَ عن تَركِهِمُ القِتال، ويَبقى مَفتوحاً مَن يَكونُ الوَليُّ والنَّصيرُ اللَّذانِ يُجعَلانِ «من لَدُنك».


حَصيلة

تَنتَقِلُ الآيةُ من أمرِ الغائبِ إلى سُؤالِ المُخاطَبينَ عمّا لَهُم لا يُقاتِلون، وتَقرِنُ بِسَبيلِ اللهِ المُستَضعَفين، والاستِضعافُ من ض-ع-ف ضَعفٌ يَقَعُ على قَومٍ من فِعلِ غَيرِهِم، يَبلُغُ الرِّجالَ والنِّساءَ والوِلدان. ثُمَّ تَحكي دُعاءَهُم: أن يُخرِجَهُم رَبُّهُم من قَريةٍ، من ق-ر-ي، هي مَوضِعُ اجتِماعِهِم، وَصفُها في اللَّفظِ لَها وظُلمُها لِأهلِها، وأن يَجعَلَ لَهُم من لَدُنه وَليّاً يَلي أمرَهُم ونَصيراً يَثبُتُ مَعَهُم، كُلُّ واحِدٍ بِطَلَبٍ تامّ. ويَبلُغُ الدُّعاءُ المُخاطَبينَ بِلَفظِه وهُم يُسأَلون، والوَليُّ والنَّصيرُ مَفتوحانِ على مَن يَجعَلُه الله.