النساء · الآية 77

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا

«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ»: يَدٌ تُمسَكُ عن وَجهٍ وتَعمَلُ في وَجهَين

تَفتَتِحُ الآيةُ بِـ«ألَم تَرَ إلى»، وهي الخامِسةُ في هذه السّورةِ مِمّا افتُتِحَ بِـ«ألَم تَرَ إلى الذين»، بَعدَ الآياتِ الرّابِعةِ والأربَعينَ والتّاسِعةِ والأربَعينَ والحادِيةِ والخَمسينَ والسِّتّين. والرُّؤيةُ المُعَدّاةُ بِـ«إلى» نَظَرٌ يُوَجَّهُ إلى الشَّيءِ حتّى يَتَبَيَّنَ أمرُه، والاستِفهامُ يَدعو المُخاطَبَ إلى هذا النَّظَر. والمَنظورُ إلَيهِم قَومٌ «قيلَ لَهُم»، والفِعلُ مَبنيٌّ لِلمَجهول، فالعِنايةُ مَصروفةٌ إلى ما قيلَ لَهُم، وهو ثَلاثةُ أوامِر.

أوَّلُها «كُفّوا أيديَكُم»، والكَفُّ من ك-ف-ف، إمساكٌ يَسُدُّ على الشَّيءِ مَنفَذَه ويَرُدُّه عمّا كانَ يَمضي إلَيه، وقد وَقَعَ هُنا على الأيدي، وهي آلةُ البَطشِ والأخذ، والأمرُ بِالكَفِّ يُوَجَّهُ إلى يَدٍ يُمكِنُ أن تَنبَسِط. ثُمَّ «وأقيموا الصَّلاةَ وآتوا الزَّكاة»: صِلةٌ تُقامُ وتُدام، ونَصيبٌ يُعطى فيَزكو بِه ما بَقِي. فالأمرُ الأوَّلُ إمساكٌ عن وَجهٍ من العَمَل، والأمرانِ بَعدَه عَمَلٌ في وَجهَينِ آخَرَين، والكَفُّ في الآيةِ إمساكٌ تَحُفُّه أفعال.

«فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ»: من الإمساكِ إلى المَكتوب

ثُمَّ تَنتَقِلُ الآيةُ بِـ«فلَمّا»: «فلَمّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتال». والكِتابةُ من ك-ت-ب، إمساكُ الشَّيءِ في مَحَلِّه حتّى يَثبُتَ فيه فلا يَتَفَلَّت، و«عَلَيهِم» تَجعَلُ المَكتوبَ حِملاً فَوقَهُم يَلزَمُهُم. فأصحابُ الأيدي التي أُمِرَت بِالكَفِّ صارَ القِتالُ مَكتوباً عَلَيهِم، وانتَقَلَ الأمرُ في أيديهِم من الإمساكِ إلى البَسط. وقد جاءَت «فلَمّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتالُ» في الكِتابِ مَرّةً أُخرى، يَليها هُناكَ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾، ففي المَوضِعَينِ تَصِفُ الآيةُ ما يَكونُ من المَكتوبِ عَلَيهِم ساعةَ الكِتابة.

«إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً»: خَوفٌ يُقاسُ بِخَشيةِ الله

وجاءَ ما بَعدَ «لَمّا» بِـ«إذا» التي تَحمِلُ المُفاجأة: «إذا فَريقٌ مِنهُم يَخشَونَ النّاس»، فالخَشيةُ ظَهَرَت فيهِم حينَ كُتِبَ القِتالُ من غَيرِ تَراخ. و«فَريقٌ مِنهُم» بَعضُ الذينَ قيلَ لَهُم، والآيةُ تُسنِدُ الخَشيةَ إلى هذا الفَريقِ وَحدَه. والخَشيةُ من خ-ش-ي، خَوفٌ يَنفُذُ إلى الباطِنِ ثُمَّ يَتَفَشّى فيه حتّى يَعُمَّه، وقد جاءَ الجِذرُ في هذا المَوضِعِ ثَلاثَ مَرّات: «يَخشَون»، و«كَخَشيةِ الله»، و«خَشيةً»، فالآيةُ تُسَمّي الخَوفَ وتَقيسُه: مَخشِيُّه «النّاس»، ومِقياسُه «خَشيةُ الله».

ثُمَّ تَرفَعُ «أو أشَدَّ خَشيةً» المِقياسَ دَرَجة، و«أو» تَضَعُ خَوفَهُم بَينَ حَدَّين: خَشيةٍ تُساوي خَشيةَ الله، وخَشيةٍ تَزيدُ عَلَيها، والآيةُ تَترُكُ مَوضِعَه بَينَ الحَدَّينِ مَفتوحاً. وفي جَمعِ «النّاس» و«الله» تَحتَ مِقياسٍ واحِدٍ بَيانٌ لِما صارَت إلَيه الخَشيةُ في هذا الفَريق: خَوفٌ يُعرَفُ قَدرُه بِخَشيةِ الله، صارَ يُوَجَّهُ إلى النّاسِ بِذلك القَدرِ أو فَوقَه.

«رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ»: مُهلةٌ تُطلَبُ في القَريب

ثُمَّ يَأتي قَولُهُم: «رَبَّنا لِمَ كَتَبتَ عَلَينا القِتال»، والفِعلُ الذي جاءَ في السَّردِ مَبنِيّاً لِلمَجهولِ «كُتِبَ» يَعودُ في قَولِهِم مُسنَداً إلى مَن يُخاطِبونَه: «كَتَبتَ»، فهُم يَعلَمونَ مَن كَتَبَه، ويَسأَلونَه بِـ«لِمَ» عن عِلّةِ الكِتابة. ثُمَّ يَطلُبونَ: «لولا أخَّرتَنا إلى أجَلٍ قَريب»، و«لولا» هُنا طَلَبٌ يَحُضُّ ويَتَمَنّى، والماضي بَعدَها في مَعنى ما يُطلَبُ أن يَكون. والتَّأخيرُ من أ-خ-ر، حَبسُ الشَّيءِ عن التَّقَدُّمِ حتّى يَجيءَ بَعدَ غَيرِه، والأجَلُ من أ-ج-ل، مُدّةٌ يُحبَسُ فيها الشَّيءُ حتّى يَبلُغَ حَدَّه، و«قَريبٍ» تَصِفُ هذا الحَدَّ بِالدُّنُوّ. فالذي يَطلُبونَه مُهلةٌ قَصيرةٌ قَبلَ القِتال، ويَبقى المَكتوبُ في طَلَبِهِم مَكتوباً.

وطَلَبُ التَّأخيرِ «إلى أجَلٍ قَريبٍ» جاءَ في الكِتابِ ثَلاثَ مَرّات: هُنا، وفي رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ يَقولُه الذينَ ظَلَموا يَومَ يَأتيهِمُ العَذاب، وفي رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ يَقولُه أحَدُ المُخاطَبينَ هُناكَ إذا أتاه المَوت. ففي هَذَينِ المَوضِعَينِ تُطلَبُ المُهلةُ لِيُعمَلَ فيها ما تُرِك، وتُطلَبُ هُنا لِيَتَأخَّرَ عَمَلٌ كُتِب.

«قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ»: جَوابٌ من جِذرِ الطَّلَبِ نَفسِه

ويَأتي الجَوابُ بِـ«قُل»، وأوَّلُه «مَتاعُ الدُّنيا قَليل». والمَتاعُ من م-ت-ع، ما يُنتَفَعُ بِه في امتِدادٍ يُقطَعُ عِندَ تَمامِه، و«الدُّنيا» من د-ن-و، الدّانيةُ القَريبة، فالجَوابُ يَزِنُ المُدّةَ التي طَلَبوها بِما يَنالونَه فيها: انتِفاعٌ بِالقَريبِ مَحكومٌ عَلَيه كُلِّه بِالقِلّة، والمُهلةُ التي تُضافُ إلَيه من جِنسِه. ثُمَّ «والآخِرةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقى»، والآخِرةُ من أ-خ-ر، وهو الجِذرُ الذي جاءَ مِنه طَلَبُهُم «أخَّرتَنا»، فهُم طَلَبوا أن يُؤَخَّروا داخِلَ القَريب، والجَوابُ يُسَمّي لَهُمُ «الآخِرةَ» نَفسَها، وهي ما يَأتي بَعدَ كُلِّ مُهلة، ويَجعَلُ خَيرَها لِمَنِ اتَّقى، أي لِمَن جَعَلَ بَينَه وبَينَ ما يَضُرُّه وِقاية.

وآخِرُ الجَوابِ «ولا تُظلَمونَ فَتيلاً»، وفيه يَنتَقِلُ الكَلامُ إلى مُخاطَبَتِهِم أنفُسِهِم. والفَتيلُ من ف-ت-ل، الخَيطُ الرَّقيقُ المَفتول، ولم يَرِدْ في الكِتابِ إلّا ثَلاثَ مَرّات: في الآيةِ التّاسِعةِ والأربَعينَ من هذه السّورةِ وفي سورةِ الإسراءِ بِلَفظٍ واحِد، وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، وفي هذه الآيةِ وَحدَها جاءَ الفِعلُ لِلمُخاطَبين: «تُظلَمون». والتّاسِعةُ والأربَعونَ تَبدَأُ كَهذه بِـ«ألَم تَرَ إلى الذين» وتُختَمُ بِـ«فَتيلاً»، فالسّورةُ تُعيدُ الإطارَ نَفسَه، وتَجعَلُ الغَيبةَ فيه خِطاباً. والآيةُ تُطلِقُ نَفيَ الظُّلمِ «فَتيلاً»، فيَقَعُ على أدنى نَقصٍ في كُلِّ ما هو لَهُم، وأقرَبُ ما ذُكِرَ قَبلَه الآخِرة.


حَصيلة

تَضَعُ الآيةُ أمامَ النّاظِرِ قَوماً قيلَ لَهُم «كُفّوا أيديَكُم»، من ك-ف-ف، إمساكاً عن وَجهٍ من العَمَلِ تَحُفُّه صِلةٌ تُقامُ ونَصيبٌ يُعطى، ثُمَّ كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتالُ، من ك-ت-ب، فثَبَتَ عَلَيهِم بَسطُ الأيدي بَعدَ الأمرِ بِكَفِّها. فظَهَرَ في فَريقٍ مِنهُم خَوفٌ يَسري في الباطِن، من خ-ش-ي، يُوَجَّهُ إلى النّاسِ بِقَدرِ خَشيةِ اللهِ أو فَوقَه، وسَأَلوا رَبَّهُم عن عِلّةِ الكِتابةِ وطَلَبوا تَأخيراً، من أ-خ-ر، إلى أجَلٍ قَريب، من أ-ج-ل، وهو طَلَبٌ يَرِدُ في الكِتابِ على لِسانِ مَن أتاه العَذابُ أو المَوت. فجاءَ الجَوابُ يَزِنُ المُهلةَ بِمَتاعٍ قَليل، من م-ت-ع، ويُسَمّي لَهُمُ «الآخِرةَ» من جِذرِ طَلَبِهِم نَفسِه، ويَجعَلُ خَيرَها لِمَنِ اتَّقى، ثُمَّ يَختِمُ بِأنَّهُم لا يُنقَصونَ قَدرَ فَتيل.