النساء · الآية 124

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا

«وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ»: بَعضٌ من أعمالٍ تَشُدُّ ما تَقَعُ عَلَيه

تُبنى الآيةُ قُبالةَ الآيةِ قَبلَها: هُناكَ «مَن يَعمَلْ سوءاً»، وهُنا «ومَن يَعمَلْ مِنَ الصّالِحات»، بِالأداةِ نَفسِها والفِعلِ نَفسِه، وقد تَغَيَّرَ ما يَقَعُ عَلَيه العَمَل. فالسّوءُ هُناكَ نَكِرةٌ مُفرَدة، والصّالِحاتُ هُنا جَمعٌ مُعَرَّفٌ دَخَلَت عَلَيه «مِن»، وأظهَرُ ما تُحمَلُ عَلَيه «مِن» التَّبعيض: مَن عَمِلَ بَعضَ الصّالِحاتِ دَخَلَ فيمَن تَذكُرُهُمُ الآية، ولم يُطلَبْ مِنه أن يَستَوفِيَها.

والصّالِحاتُ جَمعُ صالِحة، من ص-ل-ح، والصَّلاحُ شَدٌّ يَجمَعُ أجزاءَ الشَّيءِ حتّى يَسلَم، فالصّالِحاتُ أعمالٌ تُمسِكُ ما تَقَعُ عَلَيه وتَرُدُّه إلى تَماسُكِه. وقد اقتَرَنَ عَمَلُ الصّالِحاتِ بِالإيمانِ في الآيةِ الثّانِيةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فِعلَينِ عُطِفَ أحَدُهُما على الآخَر، ويَقتَرِنانِ هُنا على هَيئةٍ أُخرى تَأتي في «وهو مُؤمِن».

«مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»: الذَّكَرُ والأُنثى يَجمَعُهُما عَمَلٌ وهَيئةٌ واحِدة

و«مِن» الثّانيةُ تُبَيِّنُ «مَن»: العامِلُ ذَكَرٌ أو أُنثى. و«مَن» تَسَعُ الاثنَينِ في مَعناها، فجاءَ ذِكرُهُما تَفصيلاً لِما شَمِلَه الاسمُ العامّ، وجَمَعَتهُما «أو» في مَوضِعٍ واحِدٍ من الكَلام، فالعامِلُ أيُّهُما كان، والعَمَلُ والشَّرطُ والجَزاءُ واحِد. والذَّكَرُ والأُنثى اسما الجِنسَين، وهُما أوسَعُ من الرِّجالِ والنِّساء، فالآيةُ تُسَمّي العامِلَ بِأوسَعِ ما يُسَمّى بِه.

وفي السّورةِ آيةٌ قَرَنَتِ النَّهيَ عن التَّمَنّي بِذِكرِ الجانِبَين، هي الثّانِيةُ والثَّلاثون: نَهَت عن تَمَنّي ما فَضَّلَ اللهُ بِه بَعضاً على بَعض، ثُمَّ قالَت لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾. وهُنا تَأتي الآيةُ بَعدَ «لَيسَ بِأمانيِّكُم» فتَجعَلُ العامِلَ ذَكَراً أو أُنثى، فالسّورةُ في المَوضِعَينِ تَصرِفُ النَّظَرَ عن الأُمنيّةِ إلى ما يَعمَلُه كُلٌّ من الجانِبَينِ ويَكسِبُه.

ثُمَّ «وهو مُؤمِن»، والواوُ تَعقِدُ هَيئةَ العامِلِ بِعَمَلِه، فالإيمانُ حالُه في حينِ يَعمَل، يَعمَلُ وهو كذلك. والمُؤمِنُ من أ-م-ن، مَن سَكَنَ في باطِنِه أمنٌ ثُمَّ خَرَجَ مِنه إلى مَن حَولَه، فهو يُعطي ثِقَتَه ويَأمَنُ غَيرُه جانِبَه. و«هو» مُفرَدٌ مُذَكَّرٌ يَعودُ على لَفظِ «مَن»، فيَشمَلُ الذَّكَرَ والأُنثى اللَّذَينِ فُصِّلا قَبلَه. وبِهذه الهَيئةِ يَتَّصِلُ العَمَلُ بِالإيمانِ في لَحظةٍ واحِدة، وكانا في الآيةِ الثّانِيةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئةِ فِعلَينِ مُتَعاطِفَين.

«فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا»: دُخولٌ يُحفَظُ فيه أثَرُ النَّقرة

ويَنتَقِلُ الكَلامُ في الجَوابِ من المُفرَدِ إلى الجَمع: «يَعمَلْ» و«هو» على لَفظِ «مَن»، و«فأولئكَ يَدخُلون» على مَعناه، فالعامِلونَ آحاداً يَصيرونَ جَماعةً تَدخُل. والدُّخولُ من د-خ-ل، عُبورٌ من ظاهِرِ الشَّيءِ إلى داخِلِه ثُمَّ مُقامٌ فيه، والفِعلُ هُنا مُسنَدٌ إلَيهِم: «يَدخُلون»، وفي الآيةِ الثّانِيةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئةِ أُسنِدَ الإدخالُ إلى المُتَكَلِّم: سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾. والجَنّةُ من ج-ن-ن، أرضٌ يَستُرُ شَجَرُها ما تَحتَه، وقد جاءَت هُنا مُفرَدةً مُعَرَّفة، وكانَت هُناكَ «جَنّات».

و«لا يُظلَمونَ» فِعلٌ لم يُسَمَّ فاعِلُه أيضاً، والظُّلمُ من ظ-ل-م، غِشاوةٌ تُطبِقُ على الشَّيءِ فتَصرِفُه عن مَوضِعِه، ويَقَعُ على نَقصِ الحَقّ، وفي الكِتابِ عن الجَنَّتَين: آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا﴾، أي لم تُنقِصْ مِنه شَيئاً. و«نَقيراً» من ن-ق-ر، أثَرُ نَقرةٍ واحِدة، من أصغَرِ ما يُقاسُ بِه، جاءَ في الآيةِ الثّالِثةِ والخَمسينَ مِقداراً لا يُعطيه مَن وُصِفوا هُناك، ويَأتي هُنا مِقداراً لا يُنقَصُه العامِلون. وقد قاسَتِ السّورةُ نَفيَ الظُّلمِ بِأصغَرِ الأشياءِ في مَواضِعَ أُخرى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ في الأربَعين، و«فَتيلاً» في التّاسِعةِ والأربَعينَ والسّابِعةِ والسَّبعين.

وبِهذا تَتَقابَلُ الآيَتان: عامِلُ السّوءِ يُجزى بِعَمَلِه على قَدرِه، وعامِلُ الصّالِحاتِ لا يُنقَصُ من حَقِّه أثَرُ نَقرة. وقد جاءَ «مِن ذَكَرٍ أو أُنثى وهو مُؤمِن» بِلَفظِه في مَوضِعَينِ آخَرَينِ من الكِتاب، وفي أحَدِهِما يَسبِقُه عامِلُ السَّيِّئةِ كما سَبَقَه هُنا: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا﴾، والمِثلُ هُناكَ هو القَدرُ الذي يَحمِلُه جِذرُ الجَزاءِ في «يُجزَ بِه» في الآيةِ قَبلَها.


حَصيلة

تُقابِلُ الآيةُ ما قَبلَها بِالأداةِ والفِعلِ نَفسَيهِما: مَن يَعمَلْ من الصّالِحات، و«مِن» فيها لِلتَّبعيضِ في أظهَرِ وُجوهِها، والصّالِحاتُ من ص-ل-ح أعمالٌ تَشُدُّ ما تَقَعُ عَلَيه حتّى يَسلَم. وتُسَمّي العامِلَ ذَكَراً أو أُنثى، بِاسمَيِ الجِنسَينِ تَجمَعُهُما «أو» تَحتَ عَمَلٍ واحِدٍ وجَزاءٍ واحِد، كما ذَكَرَتِ الآيةُ الثّانِيةُ والثَّلاثونَ بَعدَ نَهيِها عن التَّمَنّي نَصيبَ الرِّجالِ مِمّا اكتَسَبوا ونَصيبَ النِّساءِ مِمّا اكتَسَبن. وتَجعَلُ الإيمانَ، من أ-م-ن، هَيئةَ العامِلِ في حينِ عَمَلِه، ثُمَّ تَنتَقِلُ من المُفرَدِ إلى الجَمعِ فتَقولُ إنَّهُم يَدخُلونَ الجَنّة، من د-خ-ل وج-ن-ن، ولا يُنقَصونَ من حَقِّهِم نَقيراً، أثَرَ نَقرةٍ من ن-ق-ر. فعامِلُ السّوءِ في الآيةِ قَبلَها يُجزى بِقَدرِ عَمَلِه، وعامِلُ الصّالِحاتِ هُنا يُحفَظُ لَه حَقُّه إلى أصغَرِ ما يُقاس.