النساء · الآية 101

﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا

«وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ»: خُطىً تَقَعُ على الأرضِ سائرة

تَأتي الآيةُ بَعدَ آيةٍ قالَت إنَّه مَن يُهاجِرْ في سَبيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، فتَبقى على الأرضِ نَفسِها، وتَنتَقِلُ من «مَن» التي تَعُمُّ كُلَّ مُهاجِرٍ إلى خِطابِ جَماعةٍ حاضِرة: «ضَرَبتُم». و«إذا» أداةٌ لِما يُقطَعُ بِوُقوعِه، وقد جاءَ بَعدَها فِعلٌ ماضٍ، فالخُروجُ في الأرضِ حالٌ تَأتي على المُخاطَبينَ في سَعيِهِم ولا بُدّ، والآيةُ تَعقِدُ بِها ما يَليها كُلَّما وَقَعَت.

والفِعلُ من ض-ر-ب، وحَرَكةُ الجِذرِ في حُروفِه ضَغطٌ ثَقيلٌ يَسري إلى ما يَبلُغُه فيَقَعُ عَلَيه ويَعلَقُ بِه أثَرُه، ويَأخُذُ وَجهَه في كُلِّ مَوضِعٍ من الكَلِمةِ التي تَصحَبُه، على ما مَرَّ عِندَ «واضرِبوهُنّ» في الآيةِ الرّابِعةِ والثَّلاثين. ومَعَ «في الأرض» يَصيرُ الوَقعُ خُطىً تَقَعُ على الأرضِ واحِدةً بَعدَ أُخرى، و«في» تَجعَلُ الأرضَ مَجالاً يُسارُ فيه، فالذي يَقَعُ عَلَيها أقدامُ السّائرينَ وأثَرُ سَيرِهِم. وبِهذا الوَجهِ جاءَ الجِذرُ في قَولِه وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾، وهُناكَ ذُكِرَ السّائرونَ في الأرضِ مَعَ المَرضى والمُقاتِلين، ثُمَّ جاءَ التَّخفيف: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.

«فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ»: حَبسٌ لِبَعضِ الصَّلاةِ لا يُحسَبُ على صاحِبِه

والجُناحُ من ج-ن-ح، والجَناحُ ما يَخرُجُ من جَنبِ الطّائرِ فيَميلُ بِه إلى ناحية، و«جَنَحَ» مالَ، كما في وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، والجُناحُ مَيلٌ عن الاستِقامةِ يُعَدُّ على صاحِبِه. و«عَلَيكُم» تَضَعُه ثِقلاً فَوقَ المُخاطَبين، و«لَيسَ» تَرفَعُه عَنهُم، والفاءُ في «فلَيسَ» تَربِطُ رَفعَه بِالخُروجِ في الأرض. و«أن تَقصُروا» فِعلٌ جُعِلَ مَعَ «أن» في مَعنى المَصدَر، أي قَصرُكُم، فالعِبارةُ تَجعَلُ القَصرَ فِعلاً لا يُحسَبُ على فاعِلِه، ويَعودُ الجُناحُ مَرفوعاً في الآيةِ الثّانيةِ بَعدَ المِئةِ عن وَضعِ السِّلاح.

والقَصرُ من ق-ص-ر، حَبسُ الشَّيءِ دونَ مَداه وهو قائمٌ بِحالِه، ومنه «قَصُرَ» ضِدُّ «طالَ»، و«قَصَرَه» حَبَسَه، وفي الكِتابِ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾، أي مَحبوساتٌ فيها، وقَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ اللّواتي يَحبِسنَ أبصارَهُنّ. وقد دَخَلَت «مِن» على الصَّلاة، فالقَصرُ يَقَعُ على بَعضِها وتَبقى صَلاةً قائمة. والصَّلاةُ من ص-ل-و، صِلةٌ تُمَدُّ وتُقام، فالذي يُحبَسُ هُنا امتِدادُها، وتَبقى صِلَتُها في السَّفَرِ كما هي في المُقام. ومِقدارُ هذا البَعضِ مَتروكٌ في لَفظِ الآيةِ لِـ«مِن» وَحدَها.

«إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا»: خَوفٌ من مِحنةٍ تَكشِفُ ما في الباطِن

ثُمَّ يُعقَدُ رَفعُ الجُناحِ بِعَقدٍ ثانٍ وأداةٍ أُخرى: «إن خِفتُم». فـ«إذا» في صَدرِ الآيةِ لِما يَقَعُ لا مَحالة، و«إن» هُنا لِما قد يَكونُ وقد لا يَكون، فالآيةُ تَجمَعُ خُروجاً يَقَعُ وخَوفاً قد يَصحَبُه، ولَفظُها يَعقِدُ رَفعَ الجُناحِ بِالأمرَينِ مَعاً. والخَوفُ من خ-و-ف، فَراغٌ يَسري في النَّفسِ فيُفَرِّقُ ما تَماسَكَ فيها، ومُتَعَلَّقُه في الآيةِ «أن يَفتِنَكُم»، أي فِتنَتُهُم إيّاكُم، فالمَخوفُ أمرٌ آتٍ لم يَقَعْ بَعدُ.

والفِتنةُ من ف-ت-ن، وحَرَكَتُها ضَغطٌ دَقيقٌ يُفَرِّقُ ما تَماسَكَ في الشَّيءِ حتّى يَظهَرَ ما استَتَرَ في باطِنِه، ومنه «فَتَنَ الذَّهَبَ» أدخَلَه النّارَ لِيَتَمَيَّزَ خالِصُه من زَيفِه، وفي الكِتابِ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. فالذي يَخافُه المُخاطَبونَ ضَغطٌ يَنزِلُ بِهِم من الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَمتَحِنُ ما هُم عَلَيه ويَكشِفُه، وصورةُ هذا الضَّغطِ مَتروكةٌ لِلفِعلِ وَحدَه. وقد سُمِّيَ فاعِلُه بِفِعلٍ ماضٍ، فالسَّترُ قد وَقَعَ مِنهُم وصارَ اسمَهُم في الآية.

«إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا»: عَداوةٌ قائمةٌ تُظهِرُ نَفسَها

وتُختَمُ الآيةُ بِجُملةٍ تُسنِدُ الخَوفَ إلى ما يَقومُ عَلَيه. وقد انتَقَلَ الوَصفُ من الفِعلِ في «الَّذينَ كَفَروا» إلى اسمِ الفاعِلِ في «الكافِرين»، فصارَ السَّترُ صِفةً ثابِتةً فيهِم، و«كانوا» تُثبِتُ العَداوةَ حالاً قائمةً غَيرَ مَحصورةٍ في وَقتٍ مَضى. والعَدُوُّ من ع-د-و، جَريٌ يَتَخَطّى حَدَّه، فالعَدُوُّ مَن يُجاوِزُ الحَدَّ إلى غَيرِه ويَقصِدُه بِالأذى، و«لَكُم» تَجعَلُ المُخاطَبينَ وِجهةَ هذا التَّجاوُز. وجاءَ «عَدُوّاً» مُفرَداً خَبَراً عن جَمع، وهو لَفظٌ يَصلُحُ لِلواحِدِ والجَماعة، فالكَثرةُ تَقِفُ في العَداوةِ جِهةً واحِدة.

و«مُبيناً» اسمُ فاعِلٍ من «أبانَ»، فالعَداوةُ فيه تُظهِرُ نَفسَها وتُبدي وِجهَتَها، والخَوفُ الذي عُقِدَ بِه رَفعُ الجُناحِ خَوفٌ من عَداوةٍ ظاهِرةٍ يَعرِفُها المُخاطَبونَ ويَرَونَ أينَ تَتَّجِه. وبِهذا يَتَّصِلُ أوَّلُ الآيةِ بِآخِرِها: خُروجٌ في أرضٍ فيها عَدُوٌّ مُبين، وصَلاةٌ يُحبَسُ بَعضُ امتِدادِها ولا تُترَك.


حَصيلة

تَبقى الآيةُ على الأرضِ التي ذَكَرَتها سابِقَتُها، وتَجعَلُ الخُروجَ فيها ضَرباً تَقَعُ فيه الخُطى على الأرضِ سائرة، ثُمَّ تَرفَعُ عن الخارِجينَ الجُناحَ، وهو مَيلٌ يُحسَبُ على صاحِبِه، في أن يَقصُروا من الصَّلاة. والقَصرُ حَبسٌ لِلامتِداد، و«مِن» تَجعَلُه في بَعضِها، فتَبقى صَلاةً مَوصولة. ويَعقِدُ لَفظُ الآيةِ ذلك بِخُروجٍ يَقَعُ وبِخَوفٍ قد يَصحَبُه، خَوفٍ من فِتنةٍ يُوقِعُها الذينَ كَفَروا فتَمتَحِنُ ما عَلَيه الخارِجون، ثُمَّ تُسنِدُ الخَوفَ إلى عَداوةٍ ثابِتةٍ ظاهِرة: الكافِرونَ في كَثرَتِهِم عَدُوٌّ واحِدٌ مُبين.