النساء · الآية 30

﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا

«وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا»: الوَعيدُ على فِعلٍ مَوصوفٍ بِما يَحمِلُه صاحِبُه

تَصِلُ الآيةُ ما قَبلَها بِشَرطٍ عامّ: «ومَن يَفعَلْ»، و«مَن» تَعُمُّ كُلَّ فاعِل، و«ذلك» تَرجِعُ إلى ما نُهِيَ عَنه في الآيةِ السّابِقة: أكلِ المالِ بِالباطِلِ وقَتلِ الأنفُس، فتَجمَعُهُما في شَيءٍ واحِدٍ يُشارُ إلَيه. والفِعلُ من ف-ع-ل، وهو إحداثُ العَمَلِ وإمضاؤُه، فالشَّرطُ يَقَعُ على ما صارَ عَمَلاً في يَدِ صاحِبِه.

ثُمَّ وُصِفَ الفِعلُ بِلَفظَينِ مَنصوبَين: «عُدواناً وظُلماً»، فهُما الوَجهُ الذي يُؤتى عَلَيه الفِعلُ حينَ يَقَعُ عَلَيه الوَعيد. والعُدوانُ من ع-د-و، مُجاوَزةُ الحَدِّ والعَدوُ إلى ما وَراءَه، فالمُعتَدي يَخرُجُ من حَقِّه إلى حَقِّ غَيرِه. والظُّلمُ من ظ-ل-م، وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه، ومن جِذرِه الظُّلمة، فهو فِعلٌ يَحجُبُ الحَقَّ عن صاحِبِه كما تَحجُبُ الظُّلمةُ الشَّيءَ عن العَين. فاللَّفظُ الأوَّلُ يَصِفُ الحَرَكةَ نَحوَ ما لِلغَير، والثّاني يَصِفُ ما يَقَعُ على ذلك الغَيرِ من حَجبِ حَقِّه، والآيةُ تُعَلِّقُ الجَزاءَ بِالفِعلِ مَوصوفاً بِهِما.

«فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا»: نارٌ يُعرَضُ لِحَرِّها مَن أكَلَ ظُلماً

وجاءَ الجَوابُ بِالفاءِ ثُمَّ «سَوفَ»، فالجَزاءُ مُتَرَتِّبٌ على الفِعلِ آتٍ بَعدَه في مُستَقبَلٍ مُمتَدّ. و«نُصليه» من ص-ل-ي، والصَّليُ أن يُعرَضَ الشَّيءُ لِلنّارِ حتّى يَبلُغَه حَرُّها، ومن هذا الجِذرِ في الكِتابِ الاصطِلاء، وهو الدُّنُوُّ من النّارِ لِيُصيبَ المَرءَ دِفؤُها: لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. والفِعلُ مُسنَدٌ إلى المُتَكَلِّمِ بِضَميرِ العَظَمة، بَعدَ أن جَرى ذِكرُ اللهِ في الآيةِ السّابِقةِ بِاسمِه، فالتَفَتَ الكَلامُ إلى المُتَكَلِّمِ عِندَ الوَعيد، وصارَ الجَزاءُ فِعلاً يَتَوَلّاه بِنَفسِه. و«ناراً» نَكِرة، فيَبقى قَدرُها في نَفسِ السّامِعِ مَفتوحاً على أشَدِّ ما يَتَصَوَّر.

وهذا الوَعيدُ يُعيدُ ما قالَتْه السّورةُ في آكِلي مالِ اليَتامى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. فالأكلُ هُناكَ وهُنا مَوصوفٌ بِالظُّلم، والجَزاءُ هُناكَ وهُنا من ص-ل-ي، والنّارُ حاضِرةٌ في المَوضِعَين: هُناكَ في بُطونِ الآكِلين، وهُنا يُعرَضُ لَها الآكِلُ نَفسُه. فالمالُ الذي يُؤكَلُ بِالعُدوانِ والظُّلمِ يَنقَلِبُ على آكِلِه ناراً.

«وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا»: يُسرٌ في جانِبِ مَن تَوَعَّد

وخُتِمَتِ الآيةُ بِإشارةٍ ثانية، «ذلك»، تَرجِعُ هذه المَرّةَ إلى الإصلاءِ نَفسِه، ووُصِفَ بِأنَّه على اللهِ «يَسير». واليُسرُ من ي-س-ر، سُهولةُ الأمرِ وانقيادُه بِلا عَناء، و«على اللهِ» تَضَعُ هذا اليُسرَ في جانِبِه. فالمُعتَدي جاوَزَ حَدَّه بِجُهدِه وحيلَتِه، وجَزاؤُه على اللهِ سَهلٌ مُنقاد. والعِبارةُ نَفسُها تَعودُ في آخِرِ السّورةِ في الذينَ جَمَعوا الكُفرَ والظُّلم: إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾، فيُقرَنُ اليُسرُ في المَوضِعَينِ بِجَزاءِ الظّالِمين.

ويَتَقابَلُ في هذا المَقطَعِ لَفظانِ من بابِ الخِفّة: قَبلَ آيَتَين يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾، تَخفيفٌ يُرادُ بِالمُخاطَبين، وهُنا يُسرٌ في أخذِ مَن تَعَدّى. فالسُّهولةُ في الحالَينِ من عِندِ الله: تَخفيفٌ على المُخاطَبينَ في ما شُرِعَ لَهُم، ويُسرٌ في جَزاءِ مَن تَعَدّى ما شُرِع.


حَصيلة

تَصِلُ الآيةُ النَّهيَ عن أكلِ المالِ بِالباطِلِ وقَتلِ الأنفُسِ بِوَعيدٍ عامٍّ لِكُلِّ مَن صارَ ذلك في يَدِه عَمَلاً، وتُعَلِّقُ الوَعيدَ بِالفِعلِ مَوصوفاً بِوَصفَين: عُدوانٍ من ع-د-و يَتَجاوَزُ بِه صاحِبُه حَدَّه إلى ما لِغَيرِه، وظُلمٍ من ظ-ل-م يَحجُبُ بِه الحَقَّ عن صاحِبِه. ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ إلى المُتَكَلِّمِ بِضَميرِ العَظَمة: «نُصليه ناراً»، من ص-ل-ي، أي نُعَرِّضُه لِنارٍ يَبلُغُه حَرُّها، على هَيئةِ ما قيلَ في آكِلي مالِ اليَتامى ظُلماً، فيَنقَلِبُ المالُ المَأكولُ على آكِلِه ناراً. وتُختَمُ الآيةُ بِأنَّ ذلك على اللهِ يَسير، فالمُعتَدي جاوَزَ حَدَّه بِجُهدِه، وأخذُه على اللهِ سَهل، كما أرادَ اللهُ لِلمُخاطَبينَ التَّخفيفَ في ما شَرَعَ لَهُم.