النساء · الآية 93

﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا

«وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا»: قَصدٌ يَقومُ في القَلبِ ويَمضي إلى غايَتِه

تَأخُذُ الآيةُ الجانِبَ الآخَرَ من التَّقابُلِ الذي قامَت عَلَيه الآيةُ قَبلَها: هُناكَ «خَطَأً»، وهُنا «مُتَعَمِّداً». وتَبدَأُ بِشَرطٍ يَعُمُّ كُلَّ قاتِل: «ومَن يَقتُلْ مُؤمِناً»، والمَقتولُ مُسَمّىً بِالاسمِ الذي سُمِّيَ بِه في الآيةِ الثّانيةِ والتِّسعين، مَن يَأمَنُ بِه النّاس. ثُمَّ جاءَ «مُتَعَمِّداً» مَنصوباً يَصِفُ القاتِلَ ساعةَ فِعلِه، فالقَصدُ قائمٌ فيه وهو يَقتُل. والتَّعَمُّدُ من ع-م-د، ومن هذا الجِذرِ «العَمود»، القائمُ الذي يُجمَعُ ويُثَبَّتُ فيَحمِلُ ما فَوقَه، و«العَمْد» قَصدٌ يَجتَمِعُ على غايةٍ واحِدةٍ ويَثبُتُ عَلَيها، و«تَعَمَّدَ» على التَّفَعُّل: حَمَلَ نَفسَه على هذا القَصدِ وأقامَه. والكِتابُ يَضَعُ التَّعَمُّدَ في القُلوب: وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، فالفِعلُ الذي تَصِفُه الآيةُ يَقومُ في القَلبِ أوَّلاً ثُمَّ يَمضي في اليَدِ إلى غايَتِه.

و«مُتَعَمِّداً» في الكِتابِ مَرَّتان، كِلتاهُما مَعَ القَتلِ ومَعَ الجَزاء: هُنا، وفي قَتلِ الصَّيدِ في المائدة: وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، والقالَبُ في المَوضِعَينِ واحِد: «ومَن»، ثُمَّ القَتل، ثُمَّ «مُتَعَمِّداً»، ثُمَّ الفاءُ و«جَزاء». وقد رَبَطَتِ السّورةُ الوَعيدَ من قَبلُ بِالهَيئةِ التي يُفعَلُ بِها الفِعل، فقالَت بَعدَ النَّهيِ عن قَتلِ الأنفُس: وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾، ووَضَعَت هُنا في مَوضِعِ الهَيئةِ لَفظاً واحِداً يَقومُ في نَفسِ القاتِل: «مُتَعَمِّداً».

«فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا»: جَزاءٌ يُقابِلُ الفِعل، ولُزومٌ لِلمَوضِعِ الذي انتَهى إلَيه

وجاءَ الجَوابُ بِالفاء: «فجَزاؤُه جَهَنَّم». والجَزاءُ من ج-ز-ي، قِطعةٌ تُفصَلُ بِقَدرٍ يُقابِلُ قَدراً آخَر، ومنه «جَزى عَنه» قامَ مَقامَه فقَضى ما عَلَيه، فالجَزاءُ ما يُقابِلُ الفِعلَ ويَعودُ على فاعِلِه. وأُضيفَ هُنا إلى ضَميرِ القاتِل، «جَزاؤُه»، فهو حِصَّتُه التي تُقابِلُ ما فَعَل، وجاءَ ما يُخبَرُ بِه عَنه اسماً مُعَرَّفاً: «جَهَنَّم». وفي آيةِ الصَّيدِ عُيِّنَ الجَزاءُ بِمِثلِ ما قُتِل، وعُيِّنَ هُنا بِجَهَنَّم، فالقالَبُ واحِدٌ في المَوضِعَين، والذي يُقابِلُ القَتلَ في كُلٍّ مِنهُما مُسَمّىً بِاسمِه.

ثُمَّ جاءَ «خالِداً فيها» مَنصوباً يَصِفُ المَجزِيَّ في جَهَنَّم. والخُلودُ من خ-ل-د، بُلوغُ مَوضِعٍ والالتِصاقُ بِه ثَباتاً يَلزَمُه صاحِبُه، ومنه في الكِتاب: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾، لَزِمَها ومالَ إلَيها. وقد جاءَت «خالِداً فيها» بِالإفرادِ في الآيةِ الرّابِعةَ عَشرةَ لِمَن يَعصي اللهَ ورَسولَه ويَتَعَدّى حُدودَه: يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾، وجاءَت هُنا بَعدَ اسمِ الجَزاء، فاللُّزومُ في الآيةِ صِفةٌ لِلمَجزِيِّ في المَوضِعِ الذي انتَهى إلَيه جَزاؤُه.

«وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا»: ثَلاثةُ أفعالٍ فاعِلُها الله

ثُمَّ عُطِفَت على هذا الكَلامِ ثَلاثةُ أفعالٍ ماضِيةٍ فاعِلُها واحِد: «وغَضِبَ اللهُ عَلَيه ولَعَنَه وأعَدَّ لَه»، والقاتِلُ يَظهَرُ فيها ضَميراً يَقَعُ عَلَيه الفِعل: «عَلَيه»، والهاءُ في «لَعَنَه»، و«لَه». وفي الآيةِ الثّانيةِ والتِّسعينَ جاءَتِ الأحكامُ أسماءً في جانِبِ القَتل: تَحريرٌ ودِيَةٌ وصِيام، وجاءَت هُنا أفعالاً في جانِبِ الله، فالآيَتانِ تَتَقابَلانِ في هذا أيضاً: هُناكَ ما يُؤَدّى، وهُنا ما يَقَعُ على القاتِلِ من فَوقِه.

والغَضَبُ من غ-ض-ب، كَثافةٌ تُحبَسُ في غَورٍ باطِنٍ ثُمَّ تَنفَتِحُ ظاهِرة، و«على» تُنزِلُه على مَن يَقَعُ عَلَيه من عُلُوّ. واللَّعنُ من ل-ع-ن، فَصلٌ حادٌّ يُخرِجُ المَفصولَ من القُربِ إلى البُعد، فـ«لَعَنَه» إبعادٌ فاعِلُه الله ومَفعولُه القاتِل. والإعدادُ من ع-د-د، والعَدُّ سَيرٌ يَقِفُ عِندَ كُلِّ واحِدٍ فيُثَبِّتُه، ومنه «العُدّة» ما يُهَيَّأُ لِأمرٍ قَبلَ وُقوعِه، فـ«أعَدَّ لَه» هَيَّأَ لَه وأقامَ ما هَيَّأه في مَوضِعِه قَبلَ أن يَبلُغَه. والعَذابُ من ع-ذ-ب، قَبضةٌ يَنفُذُ مِنها ما يُؤلِمُ ويُحبَسُ على صاحِبِه، ووُصِفَ بِـ«عَظيماً»، من ع-ظ-م، جِرمٌ مُلتَحِمٌ ثَقيلٌ يَكبُرُ شَأنُه.


حَصيلة

تَأخُذُ الآيةُ الجانِبَ المُقابِلَ لِلخَطَأ: قَتلَ مُؤمِنٍ «مُتَعَمِّداً»، من ع-م-د، قَصدٌ يَجتَمِعُ على غايةٍ ويَثبُتُ عَلَيها، ومَوضِعُه القَلبُ كما سَمّاه الكِتاب. ثُمَّ تُسَمّي ما يُقابِلُه: «جَزاؤُه»، من ج-ز-ي، حِصّةٌ تُقابِلُ الفِعلَ وتَعودُ على صاحِبِه، على القالَبِ الذي جاءَ في قَتلِ الصَّيدِ عَمداً، والذي يُقابِلُ القَتلَ هُنا جَهَنَّم، ولُزومٌ فيها من خ-ل-د. ثُمَّ تُتبِعُ ذلك ثَلاثةَ أفعالٍ ماضِيةٍ فاعِلُها الله: غَضَبٌ يَنزِلُ عَلَيه، ولَعنٌ يُبعِدُه، وعَذابٌ عَظيمٌ أُعِدَّ لَه قَبلَ أن يَبلُغَه. وبِذلك تَتَقابَلُ الآيَتان: أحكامٌ تُسَمّى بِأسمائها في جانِبِ مَن قَتَلَ خَطَأً، وأفعالٌ من اللهِ تَقَعُ على مَن قَتَلَ مُتَعَمِّداً.