النساء · الآية 94

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا»: خُطىً تَقَعُ في طَريق، وأمرٌ بِإظهارِ الخَفيّ

بَعدَ الآيَتَينِ الثّانيةِ والتِّسعينَ والثّالِثةِ والتِّسعين، وقد جاءَ فيهِما «مُؤمِناً» مَفعولاً لِلقَتل، تُنادي الآيةُ «الذينَ آمَنوا» بِالاسمِ نَفسِه، من أ-م-ن، ثُمَّ تَضَعُ شَرطَها: «إذا ضَرَبتُم في سَبيلِ الله». و«إذا» مَعَ الفِعلِ الماضي تَضَعُ أمراً يَأتي ويَتَكَرَّر، فالخِطابُ مُعَدٌّ لِكُلِّ خُروجٍ يَقَعُ على هذه الهَيئة. والضَّربُ من ض-ر-ب، وقد قُرِئَ في الآيةِ الرّابِعةِ والثَّلاثينَ ضَغطاً كَثيفاً يَجري حتّى يَتَّصِلَ بِمَحَلِّه، يَأخُذُ وَجهَه من الكَلِمةِ التي تَصحَبُه: فمَعَ «في الأرض» يَكونُ خُروجاً وسَيراً تَقَعُ فيه الخُطى على الأرض، كما في هذه السّورة: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. وجاءَ هُنا مَعَ «في سَبيلِ الله»، فالخُطى تَقَعُ في طَريقٍ مُسَمّىً، والطَّريقُ سَبيلُ الله: خُروجٌ يَسيرُ صاحِبُه فيه على طَريقٍ نُسِبَ إلى الله.

ثُمَّ جاءَ الأمرُ بِالفاء، مَوصولاً بِالخُروجِ ساعةَ يَقَع: «فتَبَيَّنوا». والتَّبَيُّنُ من ب-ي-ن، وحَرفا الجِذرِ الصَّحيحانِ الباءُ والنّون، يَدُلّانِ على انفِتاحٍ يُخرِجُ ما في الباطِنِ إلى الظّاهِر، والياءُ بَينَهُما تَمُدُّ هذا الخُروجَ حتّى يَنفَصِلَ الشَّيءُ عمّا حَولَه فيُرى مُمَيَّزاً. و«تَبَيَّنَ» على التَّفَعُّل، فالمُخاطَبونَ يَتَوَلَّونَ هذا الإظهارَ بِأنفُسِهِم ويَطلُبونَه حتّى يَنكَشِفَ لَهُمُ الأمرُ ويَتَمَيَّز. و«فتَبَيَّنوا» في الكِتابِ ثَلاثَ مَرّات: مَرَّتَينِ في هذه الآية، ومَرّةً في الحُجُرات، حَيثُ عُلِّقَ بِنَبَأٍ يَأتي بِه فاسِق، وجُعِلَ حاجِزاً دونَ أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾، فالتَّبَيُّنُ في المَوضِعَينِ يَقِفُ بَينَ الإنسانِ وبَينَ أن يُصيبَ غَيرَه عن غَيرِ عِلم.

«وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا»: سَلامٌ يُلقى، وقَولٌ يَنزِعُ الاسم

ثُمَّ سَمَّتِ الآيةُ ما يَحجُزُ عَنه التَّبَيُّن، وهو قَول. و«مَن» في «لِمَن ألقى» مُفرَدةُ اللَّفظ، فالمَنهيُّ عَنه قَولٌ يُقالُ لِواحِد. والإلقاءُ من ل-ق-ي، أن يُطرَحَ الشَّيءُ من يَدٍ حتّى يَلقى غَيرَه، و«ألقى إلَيه» أوصَلَه إلَيه بِطَرحِه نَحوَه. وقد جاءَ الفِعلُ مَعَ «إلَيكُم» في الآيَتَينِ التِّسعينَ والحاديةِ والتِّسعين، والمُلقى هُناكَ «السَّلَم»، الانقِيادُ والمُسالَمة: وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾، وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾، والمُلقي جَماعة، وجاءَ المُلقي هُنا واحِداً، وما يُلقيه «السَّلام». والسَّلامُ من س-ل-م، جَرَيانٌ مُنسابٌ يَنتَهي إلى مَن يَحوزُه كامِلاً لا يَعتَرِضُه ما يُصيبُه، فمَن ألقى السَّلامَ طَرَحَ نَحوَ المُخاطَبينَ سَلامةً من جِهَتِه، وحاصِلُها أنَّهُم سالِمونَ مِنه.

والقَولُ المَنهيُّ عَنه يَرُدُّ على هذا الإلقاءِ بِنَزعِ اسم: «لَستَ مُؤمِناً». والمُؤمِنُ من أ-م-ن، مَن يَسكُنُ فيه الأمنُ ويَنبَعِثُ مِنه إلى غَيرِه، فالرَّجُلُ أرسَلَ نَحوَهُمُ السَّلامة، وهي ما يَحمِلُه اسمُ المُؤمِن، والقَولُ يَنزِعُ مِنه هذا الاسمَ نَفسَه. و«مُؤمِناً» في الآيَتَينِ الثّانيةِ والتِّسعينَ والثّالِثةِ والتِّسعينَ مَفعولٌ لِلقَتلِ ثَلاثَ مَرّات، وهو هُنا خَبَرٌ في عِبارةٍ تَنفيه، فقَولُ «لَستَ مُؤمِناً» يُخرِجُ الرَّجُلَ من الاسمِ الذي تَحفَظُه الآيَتانِ قَبلَها. والكَلِمَتانِ اللَّتانِ فَرَّقَ بَينَهُما هذا القَولُ تَأتِيانِ مُتَجاوِرَتَينِ في أسماءِ اللهِ في الحَشر: السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾.

«تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ»: ظاهِرٌ يَعرِضُ ويَمضي، وغُنمٌ عِندَ الله

ثُمَّ وَصَلَتِ الآيةُ النَّهيَ بِحالٍ تُسَمّيها: «تَبتَغونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنيا»، فالقَولُ المَنهيُّ عَنه يَأتي في لَفظِها مَقروناً بِطَلَب. والابتِغاءُ من ب-غ-ي، تَعَلُّقٌ بِما لم يُنَلْ بَعدُ يَسري إلَيه، وجاءَ على الافتِعال، اجتِهاداً في الطَّلَب. والعَرَضُ من ع-ر-ض، ظُهورٌ يَنبَسِطُ عَرضاً فيَصيرُ جانِباً يُرى، فالعَرَضُ ما يَبدو مَبسوطاً أمامَ العَينِ ثُمَّ يَمضي، والكِتابُ يَقرِنُه بِالقُرب: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾. وأُضيفَ هُنا إلى «الحَياةِ الدُّنيا»، والدُّنيا من د-ن-و، الأدنى إلى اليَد، وقد جاءَ الجِذرُ في الآيةِ الثّالِثةِ من السّورةِ في «ذلك أدنى»، فالمَطلوبُ ظاهِرٌ قَريبٌ مَعروضٌ لِمَن يَراه. والعِبارةُ «عَرَضَ الحَياةِ الدُّنيا» مَعَ فِعلِ الابتِغاءِ نَفسِه تَرِدُ مَرّةً أُخرى في الكِتاب: لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

ثُمَّ قابَلَتِ الآيةُ هذا الطَّلَبَ بِالفاء: «فعِندَ اللهِ مَغانِمُ كَثيرة». والمَغانِمُ جَمعُ مَغنَم، من غ-ن-م، والجِذرُ سِترٌ يَحتَوي في الجَوفِ ويَنبَعِثُ مِنه لَطيفاً ثُمَّ يُضَمُّ إلى مَن يَحوزُه، فالغُنمُ ما يَخرُجُ من حَيثُ كانَ مَستوراً فيَصيرُ في يَدِ آخِذِه، ومنه «الغَنَم» القَطيعُ المَحوز. و«عِندَ الله» تَجعَلُ هذه المَغانِمَ في حَوزَتِه، و«كَثيرة» تَجعَلُها عَدَداً. فالآيةُ تَضَعُ جَنباً إلى جَنبٍ عَرَضاً واحِداً مَبسوطاً في الدُّنيا يَمضي، ومَغانِمَ كَثيرةً عِندَ الله، والمُقابَلةُ بَينَهُما قائمةٌ في اللَّفظِ نَفسِه.

«كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا»: ماضٍ يُرَدّونَ إلَيه، ومَنٌّ يُعادُ بَعدَه الأمر

ثُمَّ رَدَّتِ الآيةُ المُخاطَبينَ إلى ماضيهِم: «كذلك كُنتُم من قَبل». و«كذلك» تُشيرُ إلى هَيئةٍ ذُكِرَت، وأظهَرُ ما تَرجِعُ إلَيه الإشارةُ مَن ألقى السَّلامَ ونُهُوا أن يَقولوا لَه «لَستَ مُؤمِناً»، وأقرَبُ مِنه في اللَّفظِ الطَّلَبُ الذي وُصِفوا بِه، فعلى الأظهَرِ كانَ المُخاطَبونَ على هَيئَتِه من قَبل. ووَجهُ الشَّبَهِ مَفتوحٌ في اللَّفظ: قد يَكونُ في كَلِمةٍ يُلقيها المَرءُ فلا يُرى من داخِلِه غَيرُها، وقد يَكونُ في حالٍ أوسَعَ من ذلك، والعِبارةُ تَحمِلُ ما يَقَعُ فيه الشَّبَه. ثُمَّ جاءَ بِالفاء: «فمَنَّ اللهُ عَلَيكُم». والمَنُّ من م-ن-ن، ونَواتُه تَجَمُّعٌ مُمسَكٌ في الباطِنِ يَنبَعِثُ نافِذاً، فالمَنُّ عَطاءٌ يَخرُجُ من مَخزونٍ مَحفوظٍ حتّى يَبلُغَ غَيرَه، و«عَلَيكُم» تُنزِلُه عَلَيهِم من فَوق. فالهَيئةُ التي نُهوا أن يُنكِروها على غَيرِهِم هَيئةٌ كانوا فيها، ثُمَّ جاءَهُم من اللهِ مَنٌّ بَعدَها.

ثُمَّ أُعيدَ الأمرُ بِلَفظِه: «فتَبَيَّنوا»، والفاءُ هذه المَرّةَ مَعقودةٌ بِما قَبلَها من ذِكرِ ما كانوا عَلَيه ومن المَنّ، فالتَّبَيُّنُ الأوَّلُ جاءَ مَعَ الخُروج، والثّاني جاءَ مَعَ التَّذكيرِ بِالماضي. وبِهذا يُحيطُ الأمرُ بِالنَّهيِ من جانِبَيه: «فتَبَيَّنوا» قَبلَه، و«فتَبَيَّنوا» بَعدَه، والقَولُ المَنهيُّ عَنه والطَّلَبُ الذي يَصحَبُه واقِعانِ بَينَهُما.

«إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا»: عِلمٌ يَبلُغُ باطِنَ ما يَعمَلُه المُخاطَبون

وخُتِمَتِ الآيةُ بِـ«إنَّ اللهَ كانَ بِما تَعمَلونَ خَبيراً». والخَبيرُ من خ-ب-ر، والخُبرُ عِلمٌ يَبلُغُ باطِنَ الشَّيءِ فيَعرِفُ خَفاياه، و«كانَ» تُثبِتُ الصِّفةَ قائمةً غَيرَ مَحصورةٍ في زَمَن. ووَقَعَ هذا العِلمُ على «ما تَعمَلون»، أي على عَمَلِ المُخاطَبينَ أنفُسِهِم. فالآيةُ أمَرَتهُم أن يُظهِروا ما خَفِيَ من أمرِ غَيرِهِم قَبلَ أن يَحكُموا عَلَيه، وخَتَمَت بِعِلمٍ يَبلُغُ باطِنَ ما يَعمَلونَه هُم، ومِنه الطَّلَبُ الذي قد يَقومُ وَراءَ كَلِمةٍ مِثلِ «لَستَ مُؤمِناً».


حَصيلة

تُنادي الآيةُ الذينَ آمَنوا بَعدَ الآيَتَينِ الثّانيةِ والتِّسعينَ والثّالِثةِ والتِّسعينَ اللَّتَينِ حَفِظَتا اسمَ المُؤمِن، فإذا خَرَجوا في سَبيلِ الله، والضَّربُ من ض-ر-ب يَأخُذُ وَجهَه هُنا من «في» وطَريقِها، أُمِروا بِالتَّبَيُّن، من ب-ي-ن، أن يُخرِجوا الخَفيَّ إلى الظُّهورِ قَبلَ أن يَحكُموا. ثُمَّ نُهوا عن قَولٍ واحِد: أن يُقالَ لِمَن ألقى إلَيهِمُ السَّلامَ، وهو من س-ل-م سَلامةٌ يُرسِلُها المُلقي من جِهَتِه، «لَستَ مُؤمِناً»، فيُنزَعَ مِنه الاسمُ الذي من أ-م-ن ويَحمِلُ مَعنى الأمنِ نَفسَه. وتُسَمّي الآيةُ الطَّلَبَ الذي يَصحَبُ هذا القَول: عَرَضَ الحَياةِ الدُّنيا، ظاهِراً مَبسوطاً قَريباً يَمضي، وتَضَعُ بِإزائه مَغانِمَ كَثيرةً عِندَ الله. ثُمَّ تَرُدُّهُم إلى ماضيهِم: كانوا على تِلكَ الهَيئةِ فمَنَّ اللهُ عَلَيهِم، فيَعودُ الأمرُ بِالتَّبَيُّنِ مُحيطاً بِالنَّهيِ من جانِبَيه، ويُختَمُ الكَلامُ بِعِلمٍ يَبلُغُ باطِنَ ما يَعمَلُه المُخاطَبونَ أنفُسُهُم.