النساء · الآية 24

﴿۞ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا

«وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ»: نِساءٌ في حِصن

تَفتَتِحُ الآيةُ بِالواوِ فتَعطِفُ «المُحصَناتِ» على ما عَدَّدَتهُ الآيةُ قَبلَها، فهُنَّ داخِلاتٌ تَحتَ «حُرِّمَت عَلَيكُم» وخاتِماتٌ لِقائمَتِه. والمُحصَناتُ من ح-ص-ن، والحِصنُ المَوضِعُ المُسَوَّرُ الذي يُصانُ ما في جَوفِه، ومنه «أحصَنَ الشَّيءَ» إذا جَعَلَه في حِرز. وجاءَ اللَّفظُ اسمَ مَفعول: نِساءٌ جُعِلنَ في حِصن. وأقرَبُ ما يُحمَلُ عَلَيه الحِصنُ هُنا ما تُسَمّيه السّورةُ إحصاناً في الآيةِ التّالية، إذ تَقولُ بَعدَ «فانكِحوهُنّ»: فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، فالحِصنُ الذي أدخَلَ هؤلاءِ النِّساءَ في القائمةِ حِصنُ اقتِرانٍ قائمٍ بِغَيرِ المُخاطَب.

واستَثنَتِ الآيةُ من المُحصَناتِ صِنفاً واحِداً: «إلّا ما مَلَكَت أيمانُكُم»، وهو الصِّنفُ الذي وَضَعَتهُ آيةُ اليَتامى إلى جانِبِ الواحِدة: فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وتُسَمّيه العِبارةُ في المَوضِعَينِ بِما تَقبِضُ عَلَيه اليَمين، ويَبقى وَجهُ خُروجِه من حِصنِ المُحصَناتِ مَطويّاً في الاستِثناءِ نَفسِه، ثُمَّ يَعودُ التَّعبيرُ نَفسُه في الآيةِ التّاليةِ في شَأنِ مَن لم يَستَطِعْ طَولاً: فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.

«كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ»: حُدودٌ مَكتوبةٌ عَلَيكُم، وما وَراءَها لَكُم

ثُمَّ جاءَ «كِتابَ اللهِ عَلَيكُم» مَنصوباً عَقِبَ القائمة، فالعِبارةُ تَضَعُ ما سَبَقَ كُلَّه في كِتابٍ يُنسَبُ إلى الله. والكِتابُ من ك-ت-ب، ضَمُّ الشَّيءِ إلى الشَّيءِ وشَدُّه حتّى يَثبُت، ومنه «الكَتيبة» لِلجَماعةِ المُنضَمّة، فالمَكتوبُ عَلَيكُم مَشدودٌ لازِم. و«عَلَيكُم» هُنا تُجاوِبُ «حُرِّمَت عَلَيكُم» في صَدرِ الآيةِ السّابِقة، فالتَّحريمُ والكِتابُ يَقَعانِ كِلاهُما «على» المُخاطَبين.

ثُمَّ جاءَ الفِعلُ المُقابِلُ على هَيئةِ «حُرِّمَت»، مَبنِيّاً لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه: «وأُحِلَّ لَكُم»، وعُدِلَ فيه عن «عَلَيكُم» إلى «لَكُم»، فما حُرِّمَ واقِعٌ عَلَيهِم، وما أُحِلَّ مَجعولٌ لَهُم. والإحلالُ من ح-ل-ل، الجِذرِ الذي سَمّى في الآيةِ السّابِقةِ «حَلائِلَ الأبناء»، وأصلُه فَكُّ العُقدةِ وإطلاقُ ما كانَ مَشدوداً. و«ما وَراءَ ذلِكُم» تَجعَلُ القائمةَ حَدّاً وتَضَعُ الحِلَّ فيما خَلفَه، و«ذلِكُم» إشارةٌ بِالبَعيدِ تَجمَعُ القائمةَ كُلَّها في شَيءٍ واحِدٍ يُشارُ إلَيه، فالمُحَرَّمُ مَعدودٌ مُسَمًّى، وما سِواه واسِعٌ لم يُعَدّ.

«أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ»: طَلَبٌ بِالمالِ يَبني حِصناً

ثُمَّ سَمَّتِ الآيةُ الطَّريقَ إلى هذا الحِلّ: «أن تَبتَغوا بِأموالِكُم». والابتِغاءُ من ب-غ-ي، طَلَبٌ يَتَعَلَّقُ بِما لم يُنَل ويَسري إلَيه، وفي الافتِعالِ اجتِهادٌ في الطَّلَب، والباءُ في «بِأموالِكُم» تَجعَلُ المالَ وَسيلةَ هذا الطَّلَب، فالطَّريقُ إلى ما أُحِلَّ يَمُرُّ بِعَطاءٍ من المال، وهو العَطاءُ الذي أمَرَت بِه السّورةُ في صَدرِها: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾.

ثُمَّ وَصَفَتِ الطّالِبينَ بِوَصفَين: «مُحصِنينَ غَيرَ مُسافِحين»، فأعادَتِ الجِذرَ الذي افتَتَحَت بِه، ح-ص-ن، اسمَ فاعِل: كانَتِ النِّساءُ في صَدرِ الآيةِ «مُحصَنات»، أي في حِصن، وصارَ الرِّجالُ هُنا «مُحصِنين»، أي بانينَ لِلحِصنِ قائمينَ عَلَيه، فالطَّلَبُ الذي أُحِلَّ طَلَبٌ يُقيمُ حِصناً جَديداً. وقابَلَتهُ الآيةُ بِـ«مُسافِحين»، من س-ف-ح، وسَفحُ الماءِ صَبُّه وإرسالُه، وسَفحُ الجَبَلِ أسفَلُه حَيثُ يَنصَبُّ الماءُ في العَراء، والمُفاعَلةُ فيه صَبٌّ يَشتَرِكُ فيه اثنان. فالوَصفانِ صورَتانِ مُتَقابِلَتان: حِصنٌ يَحفَظُ ما فيه، وماءٌ يُصَبُّ حَيثُ اتَّفَق.

«فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً»: حَقٌّ يَتبَعُ ما أُخِذ

ثُمَّ رَتَّبَتِ الآيةُ بِالفاءِ حَقّاً على فِعل: «فما استَمتَعتُم بِه مِنهُنَّ فآتوهُنَّ أُجورَهُنّ». والاستِمتاعُ من م-ت-ع، والمَتاعُ ما يُنتَفَعُ بِه، وفي الاستِفعالِ طَلَبٌ لِهذا الانتِفاعِ وأخذٌ لَه، و«ما» تُطلِقُه على كُلِّ ما أُخِذ، و«مِنهُنّ» تَرُدُّه إلى النِّساءِ أنفُسِهِنّ. وجاءَ جَوابُه بِالفاءِ أمراً بِالإيتاء، فكُلُّ ما استُمتِعَ بِه يَتبَعُه حَقٌّ يُؤتى.

وسَمَّتِ الآيةُ هذا الحَقَّ «أُجورَهُنّ»، من أ-ج-ر، والأجرُ ما يُستَحَقُّ جَزاءً على عَمَلٍ أو بَذل، وقد سَمَّتهُ السّورةُ من قَبلُ «صَدُقاتِهِنّ» و«نِحلة»، فالعَطاءُ الواحِدُ يُسَمّى من جِهةِ الصِّدقِ الذي يُثَبِّت، ومن جِهةِ الخُلوصِ الذي لا يَنتَظِرُ عِوَضاً، ومن جِهةِ الحَقِّ الذي يُستَحَقّ. ثُمَّ وُصِفَ الإيتاءُ بِأنَّه «فَريضة»، من ف-ر-ض، والفَرضُ الحَزُّ يُقطَعُ في العودِ فيَثبُت، ومنه الفَريضةُ لِلنَّصيبِ المُقَدَّرِ اللّازِم، وبِها وَصَفَتِ السّورةُ الأنصِبةَ التي قَسَمَتها بَينَ الأولادِ والأبَوَين، وخَتَمَتها بِما خُتِمَت بِه هذه الآية: فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.

«وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ»: رِضاً مُتَبادَلٌ بَعدَ حَدٍّ ثابِت

وبَعدَ أن ثَبَّتَتِ الآيةُ الحَقَّ فَريضةً فَتَحَت بَعدَه مَوضِعاً لِلتَّراضي: «ولا جُناحَ عَلَيكُم فيما تَراضَيتُم بِه من بَعدِ الفَريضة». والتَّراضي من ر-ض-و على التَّفاعُل، رِضاً يَجري بَينَ طَرَفَينِ ويَتِمُّ بِهِما مَعاً، وقد كانَ الرِّضا في آيةِ الصَّدُقاتِ طيبَ نَفسِ المَرأةِ وَحدَها: فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾، وهو هُنا بَينَ الاثنَين. و«من بَعدِ الفَريضة» تَجعَلُ هذا التَّراضيَ لاحِقاً لِلحَدِّ الثّابِت: الفَريضةُ قائمةٌ أوَّلاً، وما يَتَراضَيانِ عَلَيه يَأتي بَعدَها. ويَعودُ اللَّفظُ بَعدَ قَليلٍ في السّورةِ في شَأنِ الأموال: تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾.

وخُتِمَتِ الآيةُ بِـ«إنَّ اللهَ كانَ عَليماً حَكيماً». والحَكيمُ من ح-ك-م، ومنه «حَكَمةُ» اللِّجامِ التي تَمنَعُ الدّابّةَ وتَضبِطُ مَسيرَها، فالحِكمةُ وَضعُ الحُدودِ في مَواضِعِها وإمساكُها فيها. والاسمانِ بَعدَ حَدٍّ مُحَرَّمٍ وحِلٍّ مُطلَقٍ وفَريضةٍ ثابِتةٍ وتَراضٍ مَفتوحٍ بَعدَها يَضَعانِ هذه المَقاديرَ كُلَّها في عِلمٍ يُحيطُ بِها وحِكمةٍ تُمسِكُها في أماكِنِها.


حَصيلة

تَعطِفُ الآيةُ المُحصَناتِ من النِّساءِ على ما حُرِّمَ في الآيةِ قَبلَها، والمُحصَنةُ من ح-ص-ن امرَأةٌ في حِصن، وأقرَبُ ما يُحمَلُ عَلَيه هذا الحِصنُ ما سَمَّتهُ السّورةُ إحصاناً بَعدَ النِّكاح، وتَستَثني ما مَلَكَتِ الأيمانُ وتُبقي وَجهَ الاستِثناءِ مَطويّاً فيه. ثُمَّ تَجمَعُ القائمةَ في «كِتابَ اللهِ عَلَيكُم»، وتُقابِلُ ما حُرِّمَ «عَلَيكُم» بِما أُحِلَّ «لَكُم» مِمّا وَراءَها، وتَجعَلُ الطَّريقَ إلَيه طَلَباً بِالمالِ يُقيمُ حِصناً ويُفارِقُ السَّفح، فالجِذرُ الذي وَصَفَ النِّساءَ داخِلَ الحِصنِ يَصِفُ الرِّجالَ بانينَ لَه. وما استُمتِعَ بِه يَتبَعُه حَقٌّ تُسَمّيه الآيةُ أُجوراً وتَصِفُه فَريضةً، الكَلِمةَ التي وَصَفَت بِها السّورةُ أنصِبةَ الأولادِ والأبَوَين، ثُمَّ تَفتَحُ بَعدَ الفَريضةِ مَوضِعاً لِرِضاً مُتَبادَل، وتَختِمُ بِالعِلمِ والحِكمةِ كما خَتَمَت تِلكَ الأنصِبة.